LOGINخرج إدريان من القاعة و ابتعد مسرعاً، بينما يختفي صدى الضحكات و التصفيقات شيئاً فشيئاً حتى تلاشى تماماً. صعد متجهاً إلى غرفته، و ما إن بلغها حتى أغلق الباب بقوة عارمة، ثم ألقى بنفسه على الأريكة، دافناً وجهه بين يديه و مخترقاً خصلات شعره بأصابعه، محاولاً استيعاب كمية المهزلة التي تحدث. قال كايل متسائلاً بصوت قلق: "سيدي، هل أنت بخير؟" أتاه رد إدريان بصوت محمل بالذهول: "يا آلهي، ما يحدث كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى! ما الذي سأفعل الآن؟" رد كايل باستنكار: "ألا يعلم والدك أنك إن لم تنجب الوريث أنت، فستلقى حتفك؟" أجاب إدريان بينما تعلو أنفاسه و ابتسامة مريرة ترتسم على شفتيه: "إنه يعلم يقيناً بذلك، لكنه يظنني عاجزاً بلا فائدة لأننا لم نرزق بوريثه المنتظر بعد. يعتقد أنها لم تحمل بعد لأنها لا تحبني و كأنني أنا السبب!" عقب كايل بنبرة جادة: "نعم، إنه يجهل تماماً أنكما تتقاسمان غرفتين منفصلتين من الأساس!" هنا، تجمعت الكلمات في حلق إدريان و برقت عيناه بالدموع، فهتف بنبرة هادئة: "لا يهم إن كانت تحبني حقاً أم لا، فحتماً ستدرك لاحقاً أن كل ما فعلته هو من أجل حمايتها..." تراجع برأسه
أجابه إدوارد بملامح جادة و باردة: "ما الذي تريد مني قوله؟ أنني أحب زوجتك؟" ثم ضيق عينيه و هو يبتسم باستفزاز: "نعم، أنا أحب جلنار..." في هذه اللحظة، تحولت ملامح إدريان؛ فاختفت لمعة عينيه، و بدا كأنه أعمى لا يرى أمامه سوى إدوارد من شدة غضبه العارم. شد على قبضته التي اشتعلت بنيران سوداء حارقة تحيط بها حواف ذهبية، و همّ بتسديد لكمة قاتمة في وجهه. غير أن إدوارد ابتسم بهدوء و أغمض عينيه بانتظار الضربة، و فجأة، انطفأت الشعلة في يد إدريان و تجمد في مكانه عاجزاً عن الحراك، كأن قوى خفية قيدت أطرافه. و أرتفع صوت صارم من خلفه: "إياك و إيذاءه! إنه طبيب الجيل." لم يستطع إدريان الالتفات أو حتى الحراك ليرى من يتكلم ورائه، فتقدم فيكتور بخطى ثابتة و هو يضع يده على كتف ابنه، مردفاً: "ابتعد عنه." و ما إن لامس كفه كتف إدريان حتى استعاد إدريان السيطرة على جسده و حركته. التفت نحو والده بغضب جارف، صارخاً: "مستحيل أن يكون هو الطبيب؛ فهو من آل فالدور!" أجابه فيكتور بابتسامة خبيثة: "معك حق، لم يحدث قط أن كان الطبيب من سلالة فالدور، لطالما أمتلك الطبيب قوة جبارة. تخيل فقط أن من يحتل قمة الهرم كأقوى عائ
فنظر إدريان إلى جلنار نظرة أخيرة و هو يبتسم لمدى خجلها، ثم التفت يغادر بخطى واثقة متجهاً نحو قصر فالدور الرئيسي، تاركاً جلنار مع أختها في رعاية سيباستيان وسط هذه الغابة و في كنف ذلك البيت المهجور... خرج إدريان من منزل الطبيب و أقفل الباب، ثم التفت محيطاً بالمكان بنظراته و خاطب كايل: "فعلاً، ما قاله ذاك المشعوذ صحيح؛ هناك متشردون يطوفون بالمكان، علينا العودة سريعاً." أجابه كايل باطمئنان: "أليس ذاك الخادم معها؟ ستكون بخير." رد إدريان ووهو يتفحص محيطه بثبات: "لا يبدو أن مجرد خادم مثله سيقوى عليهم وحده، فأعدادهم هائلة، لكن الواضح أنهم يهابون التقدم و الهجوم لسبب ما." أدخل إدريان يده في جيبه و أخرج منديلاً يحمل شعار فالدور و اسمه، و قال لكايل: "ضع فيه جزءً من قواك." أجابه كايل بامتثال: "أمرك." فجأة، توهج المنديل بلون أزرق ساطع، فالتفت إدريان و ثبته بإحكام على مقبض باب البيت المهجور، مردفاً: "هيا نتحرك للعودة سريعاً؛ فرائحتي وحدها على المنديل، بغض النظر عن قوتك الكامنة بجانبها، ستكفي لردعهم لحين إيابنا." أجاب كايل: "أمرك سيدي، سننتقل آنياً الآن إلى قصر فالدور الرئيسي." و في
أكمل الطبيب و هو يلتفت ليتجه نحو باب الغرفة: "أراك في الحفل، هذا إن أتيت.. و نعم صحيح، أقفلوا باب المنزل جيداً، فقد كان هناك متشردون يتجولون حوله قبل يومين!"أنزل الطبيب قبعته أكثر حتى اختفت ملامحه تحتها، و خطا نحو الظلام الدامس متجهاً نحو قصر فالدور الرئيسي..تقدمت جلنار نحو إدريان و هي تحاول تهدئته: "اهدأ، يمكنك الذهاب للحفل إن أردت."تنهد إدريان و أخرج زفيراً ليهدأ، ثم التفت نحو جلنار و قال: "يستحيل أن أتركك هنا لوحدك."قالت باطمئنان: "لا مانع لدي، سأقفل الأبواب جيداً و سأبقى هنا لحين عودتك."قال إدريان في نفسه مخاطباً كايل: [لم لا تذهب أنت؟ أذهب أنا لترى من هو]أجاب كايل بصرامة: [مستحيل! أنت صامد الآن لأنني أنا من يساعدك، لو خرجت من جسدك ستنهار و لن تستطيع الحراك أبداً.. و الأَسوَأ أن قواك قد تخرج عن السيطرة مجدداً، إضافة لوجود تلك المرأة في الداخل.]قالت جلنار بصدق: "صدقني لا مانع لدي، اذهب.. و إن كنت لا زلت قلقاً..." فابتسمت و أكملت: "فعد سريعاً إذن."قال :" حسناً"، ثم أكمل بتردد: "لكل قبلها، أريد أن أطمئن على أختك أولاً." ثم أنزل رأسه و قال بندم: "أعلم أنني مذنب بما حدث."ثم أم
نظرت جلنار لإدريان فأحست بالهدوء و الطمأنينة قليلاً، تحركت السيارة بسرعتها القصوى، بينما دموع جلنار تتساقط بصمت في خلفية السيارة. و بعد قليل من الوقت، وصلوا إلى مشفى فالدور، أو بالأصح.. بيت طبيب فالدور. توقفت السيارة عند منزل قديم و شبه مهجور، تحيط به نباتات ميتة و سوداء اللون و كأنها أُحرِقَت عن آخرها. خرج سيباستيان و فتح الباب الخلفي ثم حمل مايا، بعدها خرج إدريان و التفت يفتح الباب لجلنار؛ فهو يعلم أنها في وضع صعب و بالكاد تقوى على النزول من شدة خوفها على أختها.ثم مد يده لها يساعدها على النزول، نظرت جلنار له بغضب لكنها رأت مقدار قلقه عليها فأمسكت بيده تنزل، بينما كان سيباستيان قد سبقهم، و بدأ يطرق باب هذا البيت المهجور بركله برجله. فتح الباب رجل عجوز ذو لحية طويلة بيضاء؛ فتذكرته جلنار فوراً، فقد كان نفس ذلك الطبيب المشعوذ الذي جاء لمداواة إدريان من قبل! فقالت لإدريان بريبة: "هل هذا مشفى حقاً؟! أليس هذا هو نفس ذلك الرجل المشعوذ الذي جاء من قبل؟!" قال إدريان بثقة و هو يركز نظره عليه بينما يفسح الطريق لسيباستيان الذي يحمل مايا لدخول: "لا عليكِ، مادمت قد وصلت إلى هنا، ستكون بخير."
فجأة، التفت سيباستيان على ما تقوله جلنار و هي في حالة انهيار؛ فالدموع تسيل في عينيها بينما تجثو على الأرض تحتضن مايا التي تسبح في دمائها، فتقول بصوت متهدج: "جئت في وقتك، أرجوك أسعف مايا!" نظر سيباستيان لإدريان الذي كان يتابع ما حدث بصدمة بالغة؛ فقبل لحظات كانت مايا بخير، و الآن ها هي غارقة في دمائها! نظرت جلنار لإدريان ثم لسيباستيان، و صرخت بغضب و الدموع تملأ خديها: "ما الذي تنتظره؟! أسرع، هيا، افعل شيئاً!" تقدم سيباستيان بارتباك، و أخرج منديلاً من جيبه ثم وضعه برفق على موضع الطعنة كي يبطئ من سرعة النزيف، ثم حملها و اتجه مسرعاً نحو السيارة. قامت جلنار من على الأرض و تقدمت خطوتين ثم توقفت فجأة، و التفتت نحو إدريان الذي لا يزال مسماراً في مكانه، فعادت نحوه حتى وقفت أمامه مباشرة و دفعته بيديها الملطختين بالدماء، فارتد للخلف مصطدماً بمسند الكنبة التي كان يجلس عليها، و أكملت بغضب و هي تضرخ: "أتعلم؟ لو حدث لها أي مكروه، لن أسامحك أبداً!" ثم التفتت تركض نحو الخارج لتركب مع سيباستيان متجهة إلى الطبيب، تاركة إدريان وراءها حتى غابت عن ناظره. نظر إدريان لقميصه الأبيض؛ فقد تركت جلنار عليه