Masukفأطلق إدريان ضحكة مكتومة و كأنه كان يحاول جاهدًا كبحها، ثم أردف: "لم نذهب لهناك بعد، و ها أنتِ تتوقين للإجازة بهذه السرعة؟!" هتفت باستياء: "لكنني.." قاطعها بابتسامة هادئة: "لا عليكِ، أنا أفهم ما تقصدينه تماماً." ثم أخرج من جيبه قطعة بسكويت صغيرة، و مدّها نحوها و هو ينظر إليها بعينين تلمعان بالدفء: "أعطتني والدتكِ هذا البسكويت لأكله، لكنني تركته لكِ.. أعلم أنه من صنع يديها و ستسعدين به حقاً." ابتسمت جلنار بعمق و هي تتأمل الكعكة الصغيرة المستقرة في كف إدريان، فتجمعت الدموع في عينيها و الكلمات في حلقها من شدة تأثرها. مدت يدها و أخذت حبة البسكويت من راحته يده، و قالت بصوت متهدج: "شكراً لك.. حقاً أشكرك من أعماقي، فقد فعلت الكثير من أجلي أنا و عائلتي." أجابها بدفء: "ما هذا الذي تقولينه؟.. هذا واجبي." بدأت دموع جلنار تتساقط بينما تتأمل كعكة أمها براحة يدها. فابتسم إدريان و اقترب، واضعاً راحة يده على خدها بهدوء، و أطراف أصابعه تدخل في شعرها الأحمر، و قال: "لا تحزني يا وردتي؛ كل ما يضايقك أو يؤذيكِ فقط أرميه عليَّ أنا، و سأتدبر أمره." نظرت إليه جلنار، ثم مدت يدها الأخرى لتمسك بأزرار قمي
ثم وقع بصر إدريان على ملامح مايا الهادئة و المطمئنة، فشعر بغيظ غريب يداهمه، فانعقدت حاجباها بانزعاج طفيف. و فجأة، اخترق صوت كايل رأسه مباغتاً: "أتشعر بالغيرة منها يا سيدي؟!" فزع إدريان من صوته المفاجئ و اتسعت عيناه بذهول، فعدل وضعية المرآة بسرعة بعيداً عن جلنار، و هو يرد في سرّه مخاطباً كايل: "لا أيها الأحمق! لقد أفزعتني بصوتك المفاجئ!" ضحك كايل بصوت مرتفع داخل ذهنه و أكمل: "حسناً حسناً.. سأعود لمواصلة نومي إذن." ثم اختفى صوته تماماً. ابتسم إدريان بطرف فمه بخفة، مواصلاً قيادته بهدوء نحو الخارج، مبتعداً عن أراضي فالدور المظلمة... و بعد حوالي ربع ساعة، كانت جلنار تتأمل المناظر الخلابة من حولها فالطريق؛ فجأة بدأت تتحول الطريق ببطء للون الأسود، و الهواء يبدو معتماً و أثقل و غريباً أكثر فأكثر كلما اقتربوا من حدود فالدور. أما الأشجار و الأعشاب على جانبي الطريق فتزداد كثافتها تدريجياً و بصورة مريبة، مما خلق في نفس جلنار شعوراً عميقاً بالنفور، فقالت موجهاً كلامها لأدريان: "المكان هنا يبدو موحشاً و غريباً للغاية." أجابها بنبرة جادة: "من هنا تبدأ أراضيهم." علمت جلنار أنه يقصد "الم
في هذه اللحظة، اقتربت جلنار من مايا لتسندها و تساعدها على النهوض. و ما إن أمسكت جلنار برقبة مايا من الخلف لدعمها حتى باغتتها مايا بمد يديها محتضنة إياها بقوة، و هي تقول بتردد: "نعم.. تذكرت شيئاً يا أختي.. أسوارة حبوب الرمان!" عقدت جلنار حاجبيها باستغراب بينما ترفع بصرها: "و ما بها؟" أجابت مايا بخفوت: "سمعت أنها تمتلك سحراً خاصاً.. فهي تجلب سوء الحظ." ردت جلنار و هي تمسك بيدي أختها و تبعدها عنها بابتسامة هادئة: "هل تؤمنين بمثل هذا الهراء؟" أجابت مايا بإصرار: "صدقيني يا أختي، هذا ما سمعته عندما أخذتها من البائعة؛ إذ ذكرت أنها سوار فريد و له قوى مجهولة، لكنها لم تخبرني بالتفاصيل لأنني كنت متعجلَة حينها.. لذا، أرجوكِ لا تلبسيها بعد الآن و أرميها في أقرب فرصة." قالت جلنار بتمسك: "لكنها الشيء الوحيد الذي أملكه منكِ سآخذها قبل أن أرحل غداً.. ثم إنني منذ أن ارتديتها لم يحدث معي أي سوء، أريد حقاً أن أشعر بأنكِ معي دوماً." هتفت مايا بابتسامة حانية: "أحقاً تشعرين هكذا نحوي؟" أجابت جلنار و قد امتلأت عيناها بالدموع بينما تتذكر لحضات ذعرها عليها: "بالطبع فأنتِ أغلى ما أملك." ابتسمت مايا و أ
ثم استطرد إدريان موضحاً لجلنار: "إن جعلتني مايا أتناول السم سأموت و ستعدم هي، و بهذا تتخلص من كلينا معاً. لكنني كنت أعلم مسبقاً بخطتها الدنيئة، فأمرت سيباستيان باعتراض اللؤلؤة دون علمها و استبدالها بواحدة حقيقية مستمدة من هالتك الخاصة؛ بمعنى أنها ليست سامة و لا قاتلة إطلاقاً، حتى أنها لا تملك طاقة مايا أو إيلينا، بل هالتكِ أنتِ وحدكِ، لذا كل ما سيحدث لمن يتناول هذه اللؤلؤة هو أنه سيخضع لكِ و يطيعكِ بكل ما تأمرينه فحسب." فجأة... بدأت مايا تئنّ و كأنها على وشك الاستيقاظ، لتفتح عينيها ببطء شديد. اقتربت منها جلنار باندفاع و لهفة: "مايا! أنتِ بخير؟!" كانت رؤية مايا ضبابية، و بشيء من التركيز، أبصرت جلنار و هي تذرف دموع الفرح لاستيقاظها، و قد لاحظت أحمرار وجهها و عيناها من شدة بكائها عليها. و ما إن لاحظ إدريان أنها علمت بمدى خوف جلنار عليها حتى سحب جلنار نحوه برفق، و همس في أذنها بحذر: "إن كنتِ تحبينها حقاً.. فسايريني فيما أقول." عقدت جلنار حاجبيها باستغراب من طلبه، فأكمل بنبرة خفيضة: "أرجوكِ.. فقط ثقي بي." تنهدت جلنار بخفاء و التفتت نحو الجهة الأخرى مبتعدة عن مايا. حينها، تقدم إدريان خط
فجأة... انبعث صوت أجش، خشن، و مرعب يخترق السكون ليعلن عن بداية الكابوس الأكبر: "نعلم أنكم هنا! إن أردتم النجاة فافتحوا الباب، فنحن لا نبتغي أذاكم، فقط أخرجوا لنا من تدعونه بالطبيب هنا!" نظرت جلنار إلى عيني سيباستيان، فأومأ لها برأسه مؤيداً الصمت و عدم الاستجابة لهم. و فجأة، أكمل الصوت بتهديد صريح: "سأمهلكم خمس دقائق فقط؛ فإن لم تفتحوا الباب سنحطمه، و لن نكتفي بأخذ هذا العجوز، بل سنقتلك أنت أيها الخادم أيضاً!" تلا ذلك صمت مطبق لثوانٍ، ثم سُمع صوت طرقات متتالية على الشباك مجدداً، شبيهة تماماً بدقات المتشردين. تجمد كل من جلنار و سيباستيان في مكانيهما رعباً، إلى أن تردد صوت مألوف يهامس جلنار برفق: "هل أنتِ بخير يا وردتي؟!" في هذه اللحظة، أغمضت جلنار عينيها و انهمرت دموعها بغزارة، و هي تتمتم: "أين كنت طوال هذا الوقت أيها الأحمق؟!" ثم انكمشت على نفسها حاضنة ركبتيها، تبكي بصوت عالٍ و هي ترتجف بوهن، بينما نهض سيباستيان من جانبها بخطوات متعثرة و اتجه نحو الباب ليفتح لإدريان. ما إن دلف إدريان حتى بادر سيباستيان قائلاً بلهفة: "لقد أتيت في الوقت المناسب تماماً يا سيدي!" هز إدريان رأسه بجدي
خرج إدريان من القاعة و ابتعد مسرعاً، بينما يختفي صدى الضحكات و التصفيقات شيئاً فشيئاً حتى تلاشى تماماً. صعد متجهاً إلى غرفته، و ما إن بلغها حتى أغلق الباب بقوة عارمة، ثم ألقى بنفسه على الأريكة، دافناً وجهه بين يديه و مخترقاً خصلات شعره بأصابعه، محاولاً استيعاب كمية المهزلة التي تحدث. قال كايل متسائلاً بصوت قلق: "سيدي، هل أنت بخير؟" أتاه رد إدريان بصوت محمل بالذهول: "يا آلهي، ما يحدث كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى! ما الذي سأفعل الآن؟" رد كايل باستنكار: "ألا يعلم والدك أنك إن لم تنجب الوريث أنت، فستلقى حتفك؟" أجاب إدريان بينما تعلو أنفاسه و ابتسامة مريرة ترتسم على شفتيه: "إنه يعلم يقيناً بذلك، لكنه يظنني عاجزاً بلا فائدة لأننا لم نرزق بوريثه المنتظر بعد. يعتقد أنها لم تحمل بعد لأنها لا تحبني و كأنني أنا السبب!" عقب كايل بنبرة جادة: "نعم، إنه يجهل تماماً أنكما تتقاسمان غرفتين منفصلتين من الأساس!" هنا، تجمعت الكلمات في حلق إدريان و برقت عيناه بالدموع، فهتف بنبرة هادئة: "لا يهم إن كانت تحبني حقاً أم لا، فحتماً ستدرك لاحقاً أن كل ما فعلته هو من أجل حمايتها..." تراجع برأسه