FAZER LOGINطلبت ليلي من السائق أن يتوقف. نظر إليها السائق عبر المرآة وسألها: "هنا؟"
هزّت ليلي رأسها بصمت، فأوقف السائق السيارة، وأعطته الأجرة ونزلت ببطء.سارت خطوات قليلة حتى وصلت إلى شاطئ البحر، ووقفت أمام الأمواج تتأمل المياه الممتدة أمامها، ثم انفجرت بالبكاء وهي تتذكر كل كلمة قالها لها محمد، وكل وعد قطعه لها، وكل مرة أكد فيها أنه يحبها.أغمضت عينيها وهي تهمس لنفسها بصوت مكسور: "كل وعودك كانت كذبًا..." انهمرت دموعها بكثافة، وشعرت بألم حاد يعصر قلبها. تقدمت نحو أحد المقاعد القريبة وجلست عليه، ثم ضمت نفسها بين ذراعيها كأنها تحاول حماية قلبها من الانكسار.في هذه الأثناء، كانت نور تقود سيارتها وتبحث عن ليلي في كل شارع ومكان تتوقع وجودها فيه، لكنها لم تجد لها أثرًا. أوقفت السيارة على جانب الطريق وأخذت نفسًا عميقًا، ثم أخرجت هاتفها وطلبت رقم إبراهيم. وضعت الهاتف على أذنها، وبعد لحظات جاءها صوته: "أهلاً؟"مسحت نور دموعها بسرعة محاولة إخفاء بكائها وقالت: "كيف حالك يا بابا إبراهيم؟"أجابها بابتسامة ظهرت في نبرة صوته: "الحمد لله يا ابنتي، كيف حالكِ أنتِ؟ وأين ليلي؟"أغمضت نور عينيها للحظة بعدما أدركت أن ليلي لم تعد إلى المنزل، وحاولت التظاهر بالهدوء قائلة: "ليلي ستبقى معي الليلة."سكت إبراهيم قليلًا ثم سأل: "حقًا؟" ردت نور بسرعة: "نعم، هي من طلبت مني أن أتصل وأخبرك." ابتسم إبراهيم وقال: "حسنًا يا ابنتي، اعتنيا بأنفسكما."قالت نور بصوت مرتجف: "حاضر يا بابا."أغلقت الهاتف، وما إن انتهت المكالمة حتى وضعت يديها على وجهها وأجهشت بالبكاء؛ فقد كان الخوف يملأ قلبها على ليلي، وخشيَت أن تكون مفردة تحمل كل هذا الألم بمفردها. وبعد دقائق، مسحت دموعها وشغلت السيارة من جديد، ثم انطلقَت في الطرقات المظلمة وهي تردد في سرها: "أين أنتِ يا ليلي؟"نهضت ليلي من على الكرسي ومشت على غير هدى دون أن تدري إلى أين تتجه، حتى لمحت حانة قريبة فدخلت إليها. رأت الحاضرين يرقصون وأنغام الموسيقى تصحَب المكان، فاقتربت من الساقي وطلبت كأسًا من النبيذ. قدم لها الكأس، فأخذته وارتشفت منه رشفة، ثم دفعته ووضعته أمامها وطلبت كأسًا آخر، فنظر إليها الساقي باستغراب.في تلك اللحظة، دخل خالد إلى الحانة، ووقف قريبًا من ليلي وطلب مشروبًا، ثم التفت إليها وجلس يراقبها. سمعت ليلي صوتًا يسألها: "لماذا أنتِ حزينة؟"رفعت نظرها فرأت شابًا وسيمًا ببنية رياضية، ولم تستطع إبعاد عينيها عنه. نظر إليها خالد وسألها: "لماذا تنظرين إليّ هكذا؟" ثم أردف: "ما رأيكِ أن تأتي معي؟" نظرت ليلي إليه بصمت بينما كان ينتظر ردها، فسألته: "إلى أين؟"أجابها خالد: "إلى شقتي." تأملته ليلي للحظات، ثم أبدت موافقتها. تفاجأ خالد من هدوئها؛ فقد كان يتوقع أن ترفض طلبة، وقال: "حسنًا، تعالي معي."ذهبت ليلي معه إلى الشقة، وطوال الطريق لم ينطق أحدهما بكلمة. وعندما وصلا ودخلا الشقة، وقفت ليلي تتأمل المكان؛ إذ كانت شقة صغيرة تتكون من غرفتين وصالون ومطبخ وحمام.اقترب منها خالد وسألها: "ما رأيكِ بشقتي؟ تفضلي بالجلوس."جلست ليلي بصمت، فدخل خالد المطبخ وعاد بعد لحظات يحمل بين راحتيه كأسين من العصير تتلألأ قطراتهما تحت الضوء الخافت. وضعهما على الطاولةالمنخفضة، ثم جلس إلى جوار ليلي على الأريكة، قريبًا منها لدرجة أنها أحست بدفء جسده ينساب نحوها.ناولها الكأس فتناولته بأصابع مترددة، ورفعته إلى شفتيها وارتشفت منه رشفة صغيرة، ثم وضعته أمامها مرة أخرى. فأمسك بيده بيدها وقبّل ظهرها قبلة خفيفة.في تلك اللحظة، تسلل إلى مسامعها صوت غريب من داخلها كأنه همس ضميرها: "أنتِ لستِ هكذا." هزّت رأسها بعنف كمن يحاول التخلص من فكرة تزعجه، ثم رفعت بصرها إليه وتمتمت بصوت مبحوح: "أنت... جيد." وسكتت وكأن الكلمات علقت في حنجرتها.اقترب خالد منها أكثر، مثبّتًا عينيه على شفتيها المرتجفتين، ودنا بوجهه ليلامسهما بقبلة. لم تبادله في البداية، بل ابتعدت عنه قليلاً محدقة فيه بنظرة حائرة تجمع بين الخوف والفضول. كانت ليلي في تلك اللحظة كمن يمشي على حبل مشدود؛ ترتبك في داخلها وتتصارع مشاعرها بين الرفض والاندفاع. وبدون مقدمات، انقضّت ليلي على خالد بقبلة جامحة عنيفة، طمست كل ما كان يترتب في ذهنها من حسابات وحدود، حتى نسيت نفسها وكل ما خططت له. تلقف خالد اندفاعها بشغف مماثل، فردّ القبلة بقوة، ثم حملها بين ذراعيه كأنها لا تزن شيئًا، وتوجه بها إلى الغرفة المجاورة دون أن تبدي أي مقاومة.أضجعها على السرير وهو لا يفارق شفتيها، فاستسلمت له بكل جوارحها، وكأنها ترمي بنفسها في الهاوية هربًا من ثقل واقعها المكتوم. وفي تلك الدوامة، ذابت ليلي بين أحضانه ولم تعد تدري إن كان ما تفعله صوابًا أم خطأ؛ كل ما عرفته أنها تغرق، وأنها غير آبهة بما سيأتي بعد هذا الغرق.تناهى إلى مسامعهم صوتٌ قادمٌ من الخارج: «سأتصل أنا بالمأذون!»التفت الأربعة نحو مصدر الصوت، فإذا به عيسى يتقدم بثبات حاد، ثم جلس إلى جوار "نور" وقال بلهجة قاطعة: «وأنا من سيكون وكيلاً لها!»حدجته نور بنظرة مندهشة، وضجت بالاعتراض قائلة: «ألم يتبقَّ لي إلا هذا الصبي الصغير ليزوجني؟!»تعالت ضحكات "ليلى" وقالت أخيرًا: «أجل، دعيه هو من يزوجك!»رمق "خالد" عيسى بنظرة متفحصة وسأله: «ألم تكن ترغب في النوم؟ ما الذي أعادك؟»أجابه عيسى بابتسامة ساخرة: «بيتكم ليس مريحًا، لذا قررت ألا أنام. ولكن عندما عدتُ إليكم، وجدتكُم تتآمرون على الزواج! تريدون أخذ أختي الوحيدة المتبقية لي؟ هذه المرة لن أقبل بذلك أبداً.»انفجر الجميع بالضحك، فقالت نور وهي تهز رأسها: «ومن قال إننا نحتاج إلى إذنك؟»رد عيسى بنبرة تهكمية: «أيعقل هذا؟ تتزوجين دون علمي؟ كيف نسيتِ ذلك؟!» ثم التفت نحو "ياسر" وأردف: «نحن نعلم أن بينكما قصة حب، لكننا لم نتوقع أن تصل إلى حد الزواج بهذه السرعة. على أية حال، سأتصل أنا بالمأذون، ولتكن هذه رغبتي قالت ليلى نعم اتركي هو يكون وكيلك!»نظرت نورإلى ليلى بذهول وقالت: "ماذا؟ تريدين منه أن يكون وكيلي؟"
بقيت ليلى ونور جالستين تتحدثان، حتى رن هاتف نور فنظرت إلى الشاشة لتجد أن المتصل هو عيسى.أجابت قائلة: "أهلاً عيسى."سألها عيسى بضيق: "أين ذهبتِ؟ ذهبتُ إلى الشقة ولم أجدكِ هناك!"ردت نور "يا عيسى، ألم تقل إنك تريد البقاء مع أمك؟"قال عيسى بنبرة استياء: "أمي؟ أصبحت مشغولة بالضرة الجديدة، وأنا لا أريد البقاء في ذلك المنزل."قالت نور: "ولكني مشغولة وليس لدي وقت الآن."ردّ عيسى: "طيب، أين أنتِ الآن؟ سأتي إليكِ."أجابته: "أنا عند ليلى."قال عيسى عبر الهاتف: "حسناً، أرسلي لي العنوان وسأتي إليكما.. اليوم أصدقائي ذهبوا في رحلة وأنا وحدي ولا أريد العودة إلى البيت، لذا سأمر عليكما لنقضي الوقت معاً ثم أعيدكِ إلى شقتكِ."قالت نور: "حسناً."أغلقت نور المكالمة وأرسلت له العنوان، فنظرت إليها ليلى وسألتها مبتسمة: "ماذا يريد منكِ؟"قالت نور "يتصل فقط عندما يحتاج إلى شيء!"ضحكت ليلى وقالت: "ولماذا لم يتصل بي أنا؟"ردت نور بضحكة: "لأني أنا الكبرى ولستِ أنتِ!"قالت ليلى بشوق: "لقد اشتقتُ إليه كثيراً.. ما رأيكِ أن ندخل المطبخ ونعدّ الطعام الذي يحبه عيسى ونقضي اليوم سوياً؟"وافقتها نورقائلة: "فكرة رائعة، ه
ذهب ياسر إلى بيت العائلة، فرَنَّ الجرس وفتحت له الخادمة. وعندما دخل، وجد سوزان جالسة تقرأ المجلة.قال ياسر: "صباح الخير."نظرت إليه سوزان وقالت: "أهلاً.. هل عدتَ إلى البيت؟"نظر إليها ياسر وسألها: "أين أمي؟"وضعت سوزان المجلة على الطاولة وقالت: "أمك؟ ألم تخبرك بأنها ذهبت إلى منزل إبراهيم لكي تعيش عنده؟"نظر إليها ياسر بصدمة: "ماذا قلتِ؟"قالت سوزان: "ألم تخبرك؟ لقد ذهبت البارحة؛ أخذت ملابسها وقالت إنها ذاهبة إليه. لم أكن أعلم أنها تتصرف هكذا دون أن تخبرك!"في تلك اللحظة، حُسم الصوت بنداء ماجد الغاضب وهو ينادي: "سوزان! اصمتي!"تقدم ماجد نحو ياسر ونظر إليه قائلاً: "ياسر، أمك لم تفعل خطأ.. لقد قضت ثلاثين عاماً من الحزن، وقرارها صحيح عندما ذهبت لتعيش مع إبراهيم؛ لا تقف في طريق سعادتها."نظر إليه ياسر بجمود، ثم تحرك وغادر المكان دون أن ينطق بكلمة واحدة.التفت ماجد إلى سوزان وقال بحنق: "ألا تتوقفين عن الثرثرة وهذا الكلام الذي لا يُطاق؟"ردت عليه سوزان باستنكار: "أنا؟ ماذا فعلتُ؟"قال ماجد: "لماذا أخبرتِ ياسر؟"قالت سوزان: "لأنه سألني أين أمه! هل تريدني أن أكذب عليه؟"هز ماجد رأسه وقال بأسى وحس
في منزل إبراهيم، استيقظت ياسمين مبكراً وأعدّت وجبة الفطور، ثم جلست مع إبراهيم يتناولانه سوياً.في هذه الأثناء، أقبل عيسى متتبعاً رائحة الطعام الشهية، وقال مبتسماً: "صباح الخير! أمي، ماذا أعددتِ لنا اليوم؟ يبدو أن الطعام لديد جداً!"لكن ما إن التفت نحو الطاولة ورأى إبراهيم وياسمين يجلسان بمفردهما حتى تتغشّت ملامحه وعاد حذراً. ابتسمت ياسمين في وجهه وقالت بدفء: "تعال يا بني، لقد طبختُ الطعام الذي تحبه."فلما لاحظت الاستغراب على وجهه أردفت: "والدك هو من أخبرني بما تفضله.. تعال وكل معنا."تقدم عيسى وجلس على الطاولة ليأكل، وقبل أن تمد ياسمين يدها لتقدم له الطعام، فوجئت بـحنان تمسك بيدها وتبعدها بحدة.صصرخت حنان بغضب: "هذا ابني أنا! أخذتِ مني زوجي، ولن أسمح لكِ أبداً أن تأخذي مني ابني!"نظر إليها إبراهيم باستنكار وقال: "حنان! ماذا تفعلين؟"لكن حنان لم تعر كلامه اهتماماً. نظر عيسى إلى هذا الشجار المؤسف بينهما وقال بنبرة منزعجة: "أنا مغادر.. سأذهب إلى الجامعة." ثم نهض وغادر المنزل.سددت حنان نظرة حادة إلى ياسمين وإبراهيم، ثم انسحبت ودخلت غرفتها وأغلقت الباب.وضع إبراهيم يده على رأسه بزفرة حائرة و
نظرت نور إلى ليلى وأخذت منها الكوب الذي لم تعرف حتى كيف تمسكه، وسألتها بفضول واهتمام: "ليلى، ماذا حدث؟"أخذت ليلى أنفاسها ووضعت الكأس على الطاولة، ثم بدأت تحكي لها كل ما فعله بها محمد. وبعد أن انتهت، عادت لتبكي مجدداً وقالت بنبرة ندم: "نور، لماذا أخبرتُ خالد؟"ثم أردفت ليلى تدفع عن نفسها الخوف: "لم يكن أمامي أي حل آخر، كنتُ خائفة جداً أن يذهب ويقتله!"قالت لها نور محاولةً تهدئتها: "ليلى، محمد الآن في السجن، وخالد لن يستطيع الوصول إليه هناك، لذا اطمئني، كل شيء سيكون على ما يرام."نظرت إليها ليلى بتساؤل وقالت: "هل تعتقدين فعلاً أن خالد لن يستطيع رؤيته؟"هزت نور رأسها وطمأنتها قائلة: "بعد قليل بالتأكيد سيرجع إلى البيت."شعرت ليلى بالراحة حين سمعت كلام نور، فتقدمت منها واحتضنتها بامتنان وقالت: "شكراً يا نور، شكراً لأنكِ موجودة معي."ابتسمت نور وقالت لها برفق: "امسحي دموعكِ الآن، من أجل صحتكِ وصحة الجنين."مرت عدة ساعات، ثم عاد ياسر إلى الشقة؛ فتح الباب ودخل ببطء، فوجد ليلى نائمة على الأريكة بينما نورة جالسة بجوارها.ما إن رأته نورحتى نهضت وتقدمت نحوه بخطوات هادئة، وسألته بصوت خفيض: "هل وج
كانت حنان جالسةً في المنزل برفقة عيسى عندما رنّ جرس الباب. نهض عيسى وفتحه، فوجد إبراهيم واقفاً، لكنه تفاجأ بشدة عندما أبصر الشخص الذي يقف خلفه.قال له إبراهيم بنبرة حازمة: "أستظلّ واقفاً هكذا؟ ابتعد عن الطريق!"تنحّى عيسى جانباً، فدخل إبراهيم ومعه ياسمين. كانت حنان جالسة، وما إن رأتها حتى وقفت من الهول والذهول وقالت: "إبراهيم! لماذا أحضرت هذه المرأة إلى هنا؟"نظر إليها إبراهيم وقال: "هذه المرأة هي زوجتي، وأنتِ تعلمين أنني لم أطلّقها.. جاءت ياسمين لتعيش معنا."صرخت حنان بذهول: "ماذا؟! ولماذا تعيش معنا؟ هل نسيت أنها تخلّت عنك؟"وقف إبراهيم وقال بصرامة: "جهّزي لياسمين غرفة، فهي ستستقر معنا ولن تعود إلى منزل ماجد مجدداً."نظرت إليه حنان والدموع تترقرق في عينيها وقالت بنبرة متحسرة: "أمعقول يا إبراهيم؟ طوال هذه السنين وأنا بجانبك، وفي النهاية تُحضر لي ضُرّة إلى البيت؟"قاطعها إبراهيم محاولاً إسكاتها وقال: "ضُرّة؟ أنتِ تعلمين جيداً أنني عندما تزوجتكِ كنتُ لا أزال متزوجاً من ياسمين، لذا لا تكثري الكلام ونفّذي ما طلبته منكِ!"سدّدت له حنان نظرة انكسار ومسحت دموعها، ثم تحركت من أمامه وقالت بحدّة







