เข้าสู่ระบบتيو
---
في المساء الثالث، أعلم أن الطقوس تتأسس، وأن حياتي انقسمت الآن إلى منطقتين متميزتين ومع ذلك مرتبطتين بشكل حميمي: من ناحية، ساعات النهار الفارغة، تلك المساحات الزمنية الطويلة التي أتظاهر فيها بأنني طبيعي، وأتجول كشبح بين الأحياء، مجيباً على أسئلة أمي بأكاذيب منسوجة بعناية، معزياً أختي بوعود لست متأكداً من قدرتي على الوفاء بها، متجنباً نظرات الأصدقاء الذين يندهشون من صمتي، من شحوبي الجديد، من هذه المسافة التي ترسخت بيني وبين بقية العالم. ومن ناحية أخرى، تلك اللحظات المعلقة، تلك الساعات الليلية التي يمحو فيها كل شيء، حيث لا يوجد سوى هو وأنا، سوى حضوره وخضوعي، سوى هذا المكتب المظلم الذي أصبح مركز جاذبية وجودي.
أصل في تمام الساعة 20:00، كما أصبحت العادة الآن، وكأن جسدي استوعب هذا الإيقاع الجديد، هذه الساعة الداخلية التي أعادت ضبط نفسها عليه. أطرق طرقتين، ليستا قويتين جداً ولا ضعيفتين جداً، فقط ما يكفي للإعلان عن وجودي دون إزعاج الصمت. أدخل دون انتظار الرد، لأنه قال لي إنني لم أعد بحاجة للانتظار، وأن مكاني هنا، وأن مجيئي أصبح الآن طبيعياً كشروق الشمس.
إنه هناك، في كرسيه، بكأسه الأبدي من الويسكي، ذلك الويسكي الكهرماني الذي أعرف رائحته الآن، وتعلمت تمييز درجاته، ذلك الويسكي الذي يغرق شفتيه عندما يقبلني، الذي ينساب في فمي عندما يدعني أتذوقه في كفه. الوسادة الحمراء تنتظرني، موضوعة تماماً في نفس المكان كما في المساءات السابقة، وكأنها هي الأخرى وجدت مكانها النهائي في ترتيب هذا المكتب الدقيق.
أركع عليها دون أن يحتاج إلى أن يطلب ذلك. ركبتاي تعرفان الآن المكان الدقيق، والضغط المناسب، والميل المثالي لأكون على الارتفاع الصحيح، ليكون وجهي طبيعياً في مستوى يديه عندما يريد لمسي، ليكون فمي معروضاً لأصابعه دون أن أجبر رقبتي. جسدي يتعلم، جسدي يحتفظ، جسدي يصبح العبد المطيع لرغباته قبل أن يكون لعقلي الوقت للموافقة.
— مساء الخير، تيو.
— مساء الخير، سيدي القاضي.
صوته هادئ، ناعم تقريباً هذا المساء، وهذه النعومة تخيفني أكثر من كل قسوات العالم لأنني بدأت أفهم، بتلك الوضوح الجديد الذي استولى عليّ منذ أن عبرت عتبة هذا المكتب لأول مرة، أن النعومة أخطر بلا حدود من الخشونة. الخشونة، يمكن محاربتها، يمكن مواجهتها بخشونتك الخاصة، يمكن الاصطدام بها والخروج مجروحاً لكن سليماً في جوهرك. أما النعومة، فيمكن الاستسلام لها، والذوبان فيها، والضياع فيها دون حتى أن تدرك ذلك، كسفينة تبتعد ببطء عن الشاطئ حتى تصبح الأرض مجرد ذكرى في الأفق.
يضع كأسه على قاعدة الجلد التي تحمي خشب المكتب، إيماءة دقيقة، مقاسة، لا بد أنه كررها آلاف المرات. ثم يخرج من الجيب الداخلي لسترة صغير دفتر مربوط بجلد أسود، دفتر قديم، ثمين، صفحاته مصفرة بفعل الزمن، وحافته مذهبة بذهب ناعم. يفتحه ببطء شبه طقوسي على صفحة موسومة بشريط من الحرير الأحمر، ذلك الأحمر الذي أصبح لون علاقتنا، لون الوسادة التي أركع عليها، لون الرغبة والتضحية.
— أحتفظ بمذكرات، تيو. منذ سنوات. منذ وقت أطول بكثير مما أنت في سن فهم ما تعنيه هذه الكلمة حقاً. أدون فيها كل ما يستحق التذكر، كل ما يستحق ألا يُنسى. القضايا المهمة التي ميزت مسيرتي، القرارات التي اتخذتها وغيرت مسار حيوات بأكملها، اللقاءات التي كانت ذات أهمية، الوجوه التي استحقت عبور الزمن.
ينظر إليّ فوق الدفتر، وعيناه الرماديتان تلمعان في شبه ظلمة هذا المكتب الذي لا يضيئه سوى المصباح الموضوع على زاوية طاولة العمل، ذلك المصباح الذي يخلق جزيرة من الضوء حولنا ويرمي بقية العالم في الظلمات.
— خمّن ماذا دونت البارحة، بعد مغادرتك؟
لا أجيب. لا أعرف ماذا أقول، لا أعرف أي إجابة ينتظرها، لا أعرف حتى إن كانت إجابة منتظرة. أشعر فقط بقلبي يتسارع في صدري، يدق على أضلاعي كسجين على جدران زنزانته.
— لقد دونت كلماتك، تيو. كل واحدة منها. لا واحدة منها هربت من ذاكرتي، لا مقطع واحد سقط في النسيان. توسلك، كتبته بالكامل، مع تردداته، ارتجافاته، صمته. نبرة صوتك عندما قلت "أتوسل إليك"، تلك الطريقة التي كسرت بها الكلمة إلى نصفين، وكأن التوسل نفسه يمزق حلقك عند الخروج. ارتجاف شفتيك على كلمة "أب"، تلك الكلمة التي تبدو تحتوي وحدها كل تاريخك، كل ألمك، كل حبك. الطريقة التي انكسر بها صوتك على "أمي بحاجة إليه"، وكأن هذه الكلمات القليلة تحتوي كل بؤس العالم.
يقلب صفحة ببطء شديد، وكأنه يتلذذ بكل ثانية من هذا الانتظار الذي يفرضه عليّ، وكأن حفيف الورق موسيقى يريد أن يسمعني إياها. ثم يقرأ بصوت عالٍ، ببطء، مفرقاً كل مقطع، معطياً كل كلمة وزنها الذي تستحقه:
— "أرجوك، سيدي القاضي. أتوسل إليك. والدي بريء. سأفعل كل ما تريد. كل شيء."
يرفع عينيه نحوي من فوق الصفحة، وفي نظراته، أرى رضا عميقاً، شبه صوفي، كرضا كاهن يتأمل القربان المكرس.
— كان ذلك مثالياً، تيو. مثالياً تماماً. الصوت، فقط ما يكفي من الارتجاف ليكون حقيقياً دون أن يكون مسرحياً. الكلمات، بسيطة، مباشرة، ممزقة. الدموع، تلك الدموع التي حاولت كبتها وانتهى بها الأمر بالانسكاب رغم ذلك، تلك الدموع التي جعلت توسلك أكثر حقيقة من كل ما كان بإمكانك اختراعه. كل شيء كان مثالياً.
أشعر بخديّ يحترقان، ولم أعد أعرف إن كانت هذه الحرارة هي حرارة الخجل أم حرارة فخر لا يمكن البوح به، بأنني اعتُبرت جديراً بأن أُجمع، وأنني استحققت مكاناً في هذا الدفتر الثمين حيث يدون كل ما يهم.
— هذا المساء، تيو، ستعطيني كلمات أخرى. توسلات أخرى. أريد جمع صلواتك كما يجمع الآخرون الطوابع النادرة، النبيذ المعتق، الأعمال الفنية الفريدة. كل مساء، توسل جديد، حول موضوع مختلف، وجه جديد من روحك لتقدمه، عمق جديد من كيانك لاستكشافه.
يغلق دفتره بنفس العناية التي وضعها في فتحه، يعيده على مسند كرسيه، في متناول يده، كأداة عمل متاحة دائماً.
— هذا المساء، ستتوسل إليّ من أجل نفسك. ليس من أجل والدك، ولا والدتك، ولا أختك. من أجل نفسك. ماذا تريد، تيو؟ ما الذي ترغب فيه في أعماقك، في تلك الأماكن التي لا تجرؤ حتى على زيارتها بنفسك؟ قل لي. توسل إليّ أن أعطيك إياه.
أنظر إليه، تائهاً، غارقاً، غير قادر على إيجاد أدنى ذرة من اليقين في داخلي. لم يسألني أحد هذا قط. لم يستجوبني أحد حول رغباتي العميقة، حول طموحاتي السرية، حول تلك الأشياء التي أدفنها في أعماقي لأنني لم أملك الوقت، ولا الفرصة، ولا الشجاعة لمواجهتها.
— أنا... لا أعرف، أهمس، وصوتي ضعيف جداً لدرجة أنه يبدو قادماً من بعيد جداً، من ذات أخرى، من زمن آخر.
— بالطبع تعرف، تيو. الجميع يعرف، في أعماقه. الجميع يحمل في داخله معرفة ما يرغب فيه حقاً. أغمض عينيك. ابحث. انزل إلى داخلك، إلى حيث لا تذهب أبداً، وانظر. انظر حقاً.
أطيع. أغمض عينيّ، وفي الظلمة خلف جفوني، تبدأ صور بالرقص، أشكال غير واضحة في البداية، ثم محيطات أكثر وضوحاً، أكثر تحديداً. والدي، حراً، يمشي في حديقة منزلنا، يضحك بصوت عالٍ كما في السابق. أمي، مبتسمة، تحضر العشاء في المطبخ وهي تدندن. أختي، غير مكترثة، تنقر على هاتفها دون ظل الحزن الذي لم يفارقها منذ الاعتقال. وهو. دائماً هو. وجهه، نظراته، يداه. أصابعه في فمي، على لساني، في قاع حلقي. حضوره الذي يملأني، يغمرني، يعرفني.
— ماذا ترى، تيو؟
— أنت.
خرجت الكلمة قبل أن أتمكن من كبتها، قبل أن يتاح لعقلي الوقت لاعتراضها، قبل أن تتمكن إرادتي من خنقها. انبجست مني كنبع طال حجزه، كحقيقة طالت إنكارها.
تفتح عيناي، مرعوبتان مما أفلتته للتو، من هذا الاعتراف الذي يجردني من آخر دفاعاتي. ينظر إليّ، وفي عينيه الرماديتين، يضيء بريق جديد، أعمق، أكثر كثافة، أكثر حرارة من كل ما رأيته حتى الآن.
— أنا؟
— أنا... لم أقصد...
— بلى، تيو. أقصدت. قلت. وهذه هي الحقيقة. تابع. توسل إليّ من أجل ماذا؟ ماذا تريد مني؟
أبحث عن الكلمات في أعماقي، تلك الكلمات الوحشية، التي لا يمكن البوح بها، التي لم أجرؤ أبداً على صياغتها، حتى في سر ليالي الوحدة. إنها هناك، مع ذلك، كانت دائماً هناك، تنتظر بصبر أن يأتي من يحررها. وصوته يناديني، نظراته تجذبني، حضوره يشجعني، وأدعها أخيراً تخرج.
— أريد... أريد منك أن تنظر إليّ. كما تنظر إليّ الآن. وكأنني الشيء الوحيد الذي يهم في العالم، الشيء الوحيد الموجود، الشيء الوحيد الذي يستحق انتباهك. أريد أن تلمسني يداك... أن تلمساني مجدداً، في كل مكان، دائماً، ألا تفارقاني أبداً. أريد أن أشعر بأصابعك في فمي، على لساني، في قاع حلقي، في كل مكان تريد الذهاب إليه. أريد... أريد أن أعطيك أكثر. كل ما لدي. كل ما أنا عليه.
— أكثر؟ ماذا أكثر، تيو؟ قل لي. لا تخف. هنا، يمكنك قول كل شيء. هنا، كل شيء مسموح، كل شيء مقبول، كل شيء مرغوب.
— لا أعرف. لا أعرف ما لدي لأعطيه، لا أعرف قيمتي، لا أعرف ما يمكنني تقديمه. لكني أريد أن أعطيك إياه. كل شيء. دون تحفظ، دون حد، دون عودة. أريد أن أكون لك، كلياً، تماماً، مطلقاً. ليس فقط لإنقاذ والدي. لأنني أريد ذلك. لأنني بحاجة إليه. لأنه لا معنى لأي شيء آخر بجانبه.
صوتي يرتجف، لكن هذا الارتجاف لم يعد ارتجاف الخوف. إنه ارتجاف الحقيقة، الحقيقة العارية، الجرداء، المرعبة، التي تخرج أخيراً من مخبئها بعد سنوات من الصمت. ارتجاف الاعتراف، الإقرار، الاستسلام.
يقوم ببطء، بتلك الرشاقة السنورية التي تميزه، ويأتي ليقف أمامي. إنه قريب جداً الآن لدرجة أن عطره يغمرني بالكامل، وحرارة جسده تلفني كرداء كبير جداً، وأشعر تقريباً بدقات قلبه عبر سمك ملابسه. يضع يده على رأسي، بلطف لا نهائي، ويمسد شعري طويلاً، ببطء، كما يمسد المرء حيواناً ثميناً، كما يهدئ كائناً مجروحاً.
— لديك كل شيء لتعطيه، تيو. لا تعرف ذلك بعد، لكن لديك كل شيء. لديك هذا الفم الذي يطاردني، هذا الصوت الذي يقلبني، هذه النظرة التي تنزع سلاحي. لديك هذه القدرة على الاستسلام، هذه الثقة التي تقدمها لي دون أن تعرف حتى. لديك كل شيء. وسآخذ كل شيء. كل شيء.
يده تنزل على طول خدي، تتبع منحنى فكي، تلامس رقبتي، تتوقف على مؤخرة عنقي. يضغط برفق، داعياً إياي لإمالة رأسي للخلف، وأقدم له حلقي، معروضاً، ضعيفاً، كلياً برحمته. أصبحت هذه إيماءة طبيعية، شبه تلقائية، وكأن جسدي يعرف الآن ما يجب فعله قبل أن يتاح لعقلي الوقت لتقريره.
— الآن، توسل إليّ أن أقبلك.
أنظر إليه، وفي عينيه، أرى أن هذا ليس أمراً، بل دعوة، طلب تقريباً. يريد سماعي أتوسل إليه، ليس لأنه بحاجة إلى هذه السلطة عليّ، بل لأنه بحاجة إلى معرفة أنني أرغب في ذلك، أنني أريده، أنني مشتاق إليه.
— أتوسل إليك... قبلني.
ينحني ببطء، ببطء شديد لدرجة أن كل مليمتر يقربنا هو أبدية، عذاب لذيذ، انتظار لا يطاق. شفتاه تقتربان من شفتيّ، أشعر بأنفاسه على فمي، دافئة، معطرة بالويسكي، شبه لهثة. ثم أخيراً، بعد ما بدا لي كساعات، تلامس شفتاه شفتيّ.
هذه ليست قبلة سيد لعبد، ليست قبلة تملك ولا هيمنة. إنها قبلة حقيقية، عميقة، حنونة، مقلقة، قبلة كائنين يكتشفان بعضهما ويدجنان بعضهما. شفتاه ناعمتان، دافئتان، تستكشفان شفتيّ ببطء يجعلك تفقد عقلك، يمحو كل ما ليس هذا الإحساس. لسانه يلامس شفتي السفلى، يطلب الدخول بخجل، وأمنحه إياه دون تردد. يدخل لسانه فمي، يلتقي بلساني، يرقص معه في حركة بطيئة، عميقة، ساحرة.
لم أقبله قط. ليس حقاً. شعرت بأصابعه، نعم، عرفت حضور بشرته في فمي. لكن ليس بشفتيه. ليس بلسانه. الأمر مختلف جداً، أكثر حميمية، أكثر إنسانية، أكثر خطورة. لأن القبلة هي التبادل، هي المشاركة، هي التبادلية. في القبلة، لا يمكنك البقاء سلبياً، لا يمكنك الاكتفاء بالتلقي. يجب أن تعطي أيضاً، أن ترد، أن تشارك.
أنطوانمرت ثلاثة أيام منذ الفضيحة. ثلاثة أيام من الصمت، الخزي، المقالات الحارقة في الصحافة الغذائية وخارجها. "شجار في المطعم الثلاث نجوم"، "ديكتاتور المطابخ يضرب منافسه"، "مثلث حب وسقوط شيف". صحف الفضيحة تستمتع، الشبكات الاجتماعية تشتعل، الحجوزات تلغى بالعشرات. لم يعد غابرييل يخرج من مكتبه، لاجئ في الظلام، رافضاً التحدث إلى أي شخص، حتى إلي. اختفى رافاييل، هاتفه مقطوع، فندقه لم يعد يعطي أخباراً. الفريق في حالة صدمة، بعضهم يتحدث عن الاستقالة، آخرون عن البقاء بدافع الولاء، الجميع يتوهون في المطابخ المهجورة كأرواح تائهة. وأنا، يأكلني الذنب، ذنب مفترس لا يتركني أي راحة، يمنعني من النوم، من الأكل، من التنفس.أنا من تسبب في كل هذا. أنا من ترك رافاييل يقبلني. أنا من لم يصد تقدماته، من لم يعرف كيف يقول لا، من لم يعرف كيف يختار. أنا من غذى الحرب، بترددي، بضعفي، برغبتي المذنبة للرجلين، بهذا الجشع الذي لا يشبع والذي يدفعني لأريد كل شيء، لألا أتخلى عن شيء. لو كنت اخترت، لو كنت واضحاً، لو كنت قلت لا لرافاييل منذ اليوم الأول، لما حدث شيء من كل هذا. لما حدثت الفضيحة، لبق
أنطوانإنها خدمة مساء الجمعة، الأكثر رواجاً، الأكثر تغطية إعلامية، الأكثر خطورة. القاعة مليئة، مئة زبون، ومن بينهم، العديد من نقاد الطعام، صحفيون، مؤثرون، كل ما تملكه باريس من أذواق مؤثرة وأقلام حادة. الأكثر رهبة، خاصة: فيليب مارشان، من "الدليل الأسمى"، ذاك الذي يمكن لمقاله أن يصنع أو يحطم سمعة، ذاك الذي يخافه غابرييل ويحترمه أكثر من أي شيء. إنه جالس على طاولة الشرف، مقابل طاولة التمرير، دفتر ملاحظاته موضوع بجانب طبقه، نظاراته نصف الدائرية على أنفه، وجهه جامد.التوتر ملموس، أكثر كثافة حتى من العادة، ذبذبة كهربائية تسري في الهواء، تجعل الأيدي ترتعش، تسرع القلوب. كل إيماءة محسوبة بالميليمتر، كل طبق يتم فحصه مرتين، كل طهي يتم التحكم فيه بالثانية. غابرييل عند طاولة التمرير، مركز، إمبراطوري، عيناه الرماديتان لا تفارقان الأطباق، صوته يفرقع كالسوط عند كل أمر. رافاييل هناك أيضاً، في زاويته المعتادة، صامت، منتبه، عيناه الخضراوان تتبعان كل حركاتي. منذ ليلة الحلويات، منذ الهدنة الهشة التي ختمناها في اللحم والرغبة، استقر نوع من التوازن غير المستقر بيننا. لكنه توازن ع
أنطوانإنها فكرة خطرت لي في الليل، واحدة من تلك الأفكار التي تولد من الأرق والحمى، من الألم والرغبة الممتزجين، من الإنهاك والابتهاج. فكرة مجنونة، خطيرة، ربما انتحارية. لكنها الوحيدة التي لدي. الطريقة الوحيدة لمواجهتهما حقاً، لإجبارهما على النظر إلى بعضهما البعض، لدفعهما للاختيار. أو لدفعي أنا للاختيار. لأنه بعد كل شيء، ربما هذه هي المشكلة الحقيقية: لا أستطيع الاختيار. لا أستطيع التخلي. أريد الواحد والآخر، الألم والمتعة، الجليد والنار، الامتلاك والحرية.سأعد قائمة حلويات. ليس أي حلويات. حلويات مثيرة للشهوة، تركيبات نكهات مصممة لإيقاظ الحواس، لتحفيز الرغبة، لإشعال البشرة. قائمة سرية، شخصية، حميمية، لن أقدمها إلا لهما الاثنين. عشاء سيكون إعلاناً، مواجهة، طرد أرواح شريرة.استغرق مني ثلاثة أيام لإعدادها، في الخفاء، خلال ساعات راحتي، عندما كان غابرييل ليس هنا، عندما كان رافاييل لا يجول. ثلاثة أيام للبحث عن المكونات المثالية، لاختبار القوام، لموازنة النكهات. شوكولاتة داكنة مع توت غوجي وزنجبيل مسكر، للعاطفة والحرارة. موس فول التونكا والهيل، للاستسلام وال
أنطوانحل الليل، ثقيل، رطب، مشحون بالكهرباء. عاصفة تختمر فوق المدينة، تتكدس الغيوم، الهواء مشبع بذلك التوتر الذي يسبق العواصف. عاد غابرييل متأخراً، بعد منتصف الليل بكثير، الوجه مغلق، الكتفان مشدودتان، القبضات معصورة على طول الجسم. لم يتكلم، لم يشرح، لم يبرر. فقط عبر الشقة كظل، أمسكني من مؤخرة عنقي، أصابعه الصلبة والآمرة التي انغلقت على بشرتي، ودفعني نحو الغرفة بدون كلمة.لم تكن هناك مقدمات. لا توجد أبداً عندما يكون هكذا، عندما تأكله الغيرة من الداخل، عندما يشعر أن شيئاً ما يفلت مني، أن شيئاً ما يفلت منا، أن ظل رافاييل لا يزال يحوم بيننا. رماني على السرير، على ركبتيّ، يداي ممسكتان بملاءات الكتان الأبيض، أصابعي تتشنج على القماش، جسدي مقدم، ضعيف، مرتعش. التصق جسده بظهري، صدره على لوحي كتفي، حرارته على بشرتي المبتلة. وأخذني.دفعات وركه عنيفة، يائسة، شبه عقابية. كل حركة مطالبة، كل دفعة علامة ملكية، كل تنفس تحد. يده منغلقة على مؤخرة عنقي، تثبتني ملصوقاً على المرتبة، تمنعني من التحرك، تمنعني من التفكير، تمنعني من أن أكون شيئاً آخر غير ملكه. فمه في عنقي،
أنطوانإنه صباح رمادي، أحد تلك الصباحات حيث يكافح الضوء لاختراق الغيوم، حيث الهواء ثقيل بتهديد غير واضح. نوافذ الشقة مغطاة بالضباب، وفي الخارج، تبدو المدينة وكأنها تحبس أنفاسها، كما لو كانت تعرف أن شيئاً ما على وشك الانقلاب. أنا وحيد في شقة غابرييل، جالس إلى طاولة المطبخ، وعاء قهوة بارد بين يدي. أصابعي متشنجة على السيراميك، مفاصلي بيضاء، أفكاري دوّامة. غابرييل ذهب بالفعل إلى المطعم، كان لديه شحنة أسماك للإشراف عليها، كما قال. لم أصدقه. أصدق أقل فأقل ما يقوله، في هذه الأيام. هناك الكثير من الصمت بين كلماته، الكثير من الظلال في نظراته، الكثير من الليالي حيث يعود متأخراً، الوجه مغلق، القبضات معصورة، وحيث يأخذني بدون كلمة، كما لو كان ليقنع نفسه أنني لا أزال هنا.يُطرق الباب. طرقتان، خفيفتان، أنيقتان، شبه موسيقيتين. أعرف أنه ليس غابرييل، لديه المفاتيح، يدخل دائماً بدون طرق، كسيد في مملكته. أعرف أنه ليس عامل توصيل، الوقت مبكر جداً، المدينة لا تزال نصف نائمة. قلبي يهتاج وأنا أعبر الصالون، وأنا أضع يدي على المقبض، وأنا أفتح. وأراه.يقف رافاييل في الإطار، قامت
أنطوانهذا المساء. شقة غابرييل. حل الليل منذ زمن طويل، ليل بدون قمر، بدون نجوم، ليل حبر وصمت. الستائر منزلة، الأضواء خافتة، رائحة الهواء خشب الصندل والمسك، رائحة معبد، طقس، لا مفر منه.أنا واقف في منتصف الغرفة، عار. غابرييل خلفي، صدره على ظهري، يداه على وركيّ، فمه في عنقي. رافاييل أمامي، عيناه الخضراوان تلمعان في شبه الظلام، ابتسامته تطفو كالنصل. إنه عار أيضاً، جسده الطويل والمثالي، الندبة فوق وركه الأيسر تلمع بهدوء.هذه هدنة. الوحيدة الممكنة. هدنة لحم، عرق، رغبة. هدنة حيث أصبح أرض حربهما، ساحة معركة مصالحتهما. هدنة حيث أستسلم، حيث أتخلى عن الاختيار، حيث أقبلهما كلاهما.يدفعني غابرييل بهدوء نحو السرير، هذا السرير الهائل بملاءات الكتان الأبيض حيث مارسنا الحب مرات كثيرة، هو وأنا. لكن هذه الليلة، لسنا اثنين. نحن ثلاثة. يستلقي رافاييل أولاً، قضيبه منتصب بالفعل على بطنه، ذراعاه مفتوحتان، نظراته تدعوني. يقودني غابرييل نحوه، يجعلني أستلقي على رافاييل، ظهري على جذعه، ساقاه تنفرجان لاستقبالي.يجد فم رافاييل فمي، قبلة عميقة، خبيرة، مدمرة.







