Beranda / الرومانسية / حرارته في فمي / الفصل 6: فدية الكلمات

Share

الفصل 6: فدية الكلمات

Penulis: Déesse
last update Tanggal publikasi: 2026-06-18 07:41:22

تيو

---

في المساء الثالث، أعلم أن الطقوس تتأسس، وأن حياتي انقسمت الآن إلى منطقتين متميزتين ومع ذلك مرتبطتين بشكل حميمي: من ناحية، ساعات النهار الفارغة، تلك المساحات الزمنية الطويلة التي أتظاهر فيها بأنني طبيعي، وأتجول كشبح بين الأحياء، مجيباً على أسئلة أمي بأكاذيب منسوجة بعناية، معزياً أختي بوعود لست متأكداً من قدرتي على الوفاء بها، متجنباً نظرات الأصدقاء الذين يندهشون من صمتي، من شحوبي الجديد، من هذه المسافة التي ترسخت بيني وبين بقية العالم. ومن ناحية أخرى، تلك اللحظات المعلقة، تلك الساعات الليلية التي يمحو فيها كل شيء، حيث لا يوجد سوى هو وأنا، سوى حضوره وخضوعي، سوى هذا المكتب المظلم الذي أصبح مركز جاذبية وجودي.

أصل في تمام الساعة 20:00، كما أصبحت العادة الآن، وكأن جسدي استوعب هذا الإيقاع الجديد، هذه الساعة الداخلية التي أعادت ضبط نفسها عليه. أطرق طرقتين، ليستا قويتين جداً ولا ضعيفتين جداً، فقط ما يكفي للإعلان عن وجودي دون إزعاج الصمت. أدخل دون انتظار الرد، لأنه قال لي إنني لم أعد بحاجة للانتظار، وأن مكاني هنا، وأن مجيئي أصبح الآن طبيعياً كشروق الشمس.

إنه هناك، في كرسيه، بكأسه الأبدي من الويسكي، ذلك الويسكي الكهرماني الذي أعرف رائحته الآن، وتعلمت تمييز درجاته، ذلك الويسكي الذي يغرق شفتيه عندما يقبلني، الذي ينساب في فمي عندما يدعني أتذوقه في كفه. الوسادة الحمراء تنتظرني، موضوعة تماماً في نفس المكان كما في المساءات السابقة، وكأنها هي الأخرى وجدت مكانها النهائي في ترتيب هذا المكتب الدقيق.

أركع عليها دون أن يحتاج إلى أن يطلب ذلك. ركبتاي تعرفان الآن المكان الدقيق، والضغط المناسب، والميل المثالي لأكون على الارتفاع الصحيح، ليكون وجهي طبيعياً في مستوى يديه عندما يريد لمسي، ليكون فمي معروضاً لأصابعه دون أن أجبر رقبتي. جسدي يتعلم، جسدي يحتفظ، جسدي يصبح العبد المطيع لرغباته قبل أن يكون لعقلي الوقت للموافقة.

— مساء الخير، تيو.

— مساء الخير، سيدي القاضي.

صوته هادئ، ناعم تقريباً هذا المساء، وهذه النعومة تخيفني أكثر من كل قسوات العالم لأنني بدأت أفهم، بتلك الوضوح الجديد الذي استولى عليّ منذ أن عبرت عتبة هذا المكتب لأول مرة، أن النعومة أخطر بلا حدود من الخشونة. الخشونة، يمكن محاربتها، يمكن مواجهتها بخشونتك الخاصة، يمكن الاصطدام بها والخروج مجروحاً لكن سليماً في جوهرك. أما النعومة، فيمكن الاستسلام لها، والذوبان فيها، والضياع فيها دون حتى أن تدرك ذلك، كسفينة تبتعد ببطء عن الشاطئ حتى تصبح الأرض مجرد ذكرى في الأفق.

يضع كأسه على قاعدة الجلد التي تحمي خشب المكتب، إيماءة دقيقة، مقاسة، لا بد أنه كررها آلاف المرات. ثم يخرج من الجيب الداخلي لسترة صغير دفتر مربوط بجلد أسود، دفتر قديم، ثمين، صفحاته مصفرة بفعل الزمن، وحافته مذهبة بذهب ناعم. يفتحه ببطء شبه طقوسي على صفحة موسومة بشريط من الحرير الأحمر، ذلك الأحمر الذي أصبح لون علاقتنا، لون الوسادة التي أركع عليها، لون الرغبة والتضحية.

— أحتفظ بمذكرات، تيو. منذ سنوات. منذ وقت أطول بكثير مما أنت في سن فهم ما تعنيه هذه الكلمة حقاً. أدون فيها كل ما يستحق التذكر، كل ما يستحق ألا يُنسى. القضايا المهمة التي ميزت مسيرتي، القرارات التي اتخذتها وغيرت مسار حيوات بأكملها، اللقاءات التي كانت ذات أهمية، الوجوه التي استحقت عبور الزمن.

ينظر إليّ فوق الدفتر، وعيناه الرماديتان تلمعان في شبه ظلمة هذا المكتب الذي لا يضيئه سوى المصباح الموضوع على زاوية طاولة العمل، ذلك المصباح الذي يخلق جزيرة من الضوء حولنا ويرمي بقية العالم في الظلمات.

— خمّن ماذا دونت البارحة، بعد مغادرتك؟

لا أجيب. لا أعرف ماذا أقول، لا أعرف أي إجابة ينتظرها، لا أعرف حتى إن كانت إجابة منتظرة. أشعر فقط بقلبي يتسارع في صدري، يدق على أضلاعي كسجين على جدران زنزانته.

— لقد دونت كلماتك، تيو. كل واحدة منها. لا واحدة منها هربت من ذاكرتي، لا مقطع واحد سقط في النسيان. توسلك، كتبته بالكامل، مع تردداته، ارتجافاته، صمته. نبرة صوتك عندما قلت "أتوسل إليك"، تلك الطريقة التي كسرت بها الكلمة إلى نصفين، وكأن التوسل نفسه يمزق حلقك عند الخروج. ارتجاف شفتيك على كلمة "أب"، تلك الكلمة التي تبدو تحتوي وحدها كل تاريخك، كل ألمك، كل حبك. الطريقة التي انكسر بها صوتك على "أمي بحاجة إليه"، وكأن هذه الكلمات القليلة تحتوي كل بؤس العالم.

يقلب صفحة ببطء شديد، وكأنه يتلذذ بكل ثانية من هذا الانتظار الذي يفرضه عليّ، وكأن حفيف الورق موسيقى يريد أن يسمعني إياها. ثم يقرأ بصوت عالٍ، ببطء، مفرقاً كل مقطع، معطياً كل كلمة وزنها الذي تستحقه:

— "أرجوك، سيدي القاضي. أتوسل إليك. والدي بريء. سأفعل كل ما تريد. كل شيء."

يرفع عينيه نحوي من فوق الصفحة، وفي نظراته، أرى رضا عميقاً، شبه صوفي، كرضا كاهن يتأمل القربان المكرس.

— كان ذلك مثالياً، تيو. مثالياً تماماً. الصوت، فقط ما يكفي من الارتجاف ليكون حقيقياً دون أن يكون مسرحياً. الكلمات، بسيطة، مباشرة، ممزقة. الدموع، تلك الدموع التي حاولت كبتها وانتهى بها الأمر بالانسكاب رغم ذلك، تلك الدموع التي جعلت توسلك أكثر حقيقة من كل ما كان بإمكانك اختراعه. كل شيء كان مثالياً.

أشعر بخديّ يحترقان، ولم أعد أعرف إن كانت هذه الحرارة هي حرارة الخجل أم حرارة فخر لا يمكن البوح به، بأنني اعتُبرت جديراً بأن أُجمع، وأنني استحققت مكاناً في هذا الدفتر الثمين حيث يدون كل ما يهم.

— هذا المساء، تيو، ستعطيني كلمات أخرى. توسلات أخرى. أريد جمع صلواتك كما يجمع الآخرون الطوابع النادرة، النبيذ المعتق، الأعمال الفنية الفريدة. كل مساء، توسل جديد، حول موضوع مختلف، وجه جديد من روحك لتقدمه، عمق جديد من كيانك لاستكشافه.

يغلق دفتره بنفس العناية التي وضعها في فتحه، يعيده على مسند كرسيه، في متناول يده، كأداة عمل متاحة دائماً.

— هذا المساء، ستتوسل إليّ من أجل نفسك. ليس من أجل والدك، ولا والدتك، ولا أختك. من أجل نفسك. ماذا تريد، تيو؟ ما الذي ترغب فيه في أعماقك، في تلك الأماكن التي لا تجرؤ حتى على زيارتها بنفسك؟ قل لي. توسل إليّ أن أعطيك إياه.

أنظر إليه، تائهاً، غارقاً، غير قادر على إيجاد أدنى ذرة من اليقين في داخلي. لم يسألني أحد هذا قط. لم يستجوبني أحد حول رغباتي العميقة، حول طموحاتي السرية، حول تلك الأشياء التي أدفنها في أعماقي لأنني لم أملك الوقت، ولا الفرصة، ولا الشجاعة لمواجهتها.

— أنا... لا أعرف، أهمس، وصوتي ضعيف جداً لدرجة أنه يبدو قادماً من بعيد جداً، من ذات أخرى، من زمن آخر.

— بالطبع تعرف، تيو. الجميع يعرف، في أعماقه. الجميع يحمل في داخله معرفة ما يرغب فيه حقاً. أغمض عينيك. ابحث. انزل إلى داخلك، إلى حيث لا تذهب أبداً، وانظر. انظر حقاً.

أطيع. أغمض عينيّ، وفي الظلمة خلف جفوني، تبدأ صور بالرقص، أشكال غير واضحة في البداية، ثم محيطات أكثر وضوحاً، أكثر تحديداً. والدي، حراً، يمشي في حديقة منزلنا، يضحك بصوت عالٍ كما في السابق. أمي، مبتسمة، تحضر العشاء في المطبخ وهي تدندن. أختي، غير مكترثة، تنقر على هاتفها دون ظل الحزن الذي لم يفارقها منذ الاعتقال. وهو. دائماً هو. وجهه، نظراته، يداه. أصابعه في فمي، على لساني، في قاع حلقي. حضوره الذي يملأني، يغمرني، يعرفني.

— ماذا ترى، تيو؟

— أنت.

خرجت الكلمة قبل أن أتمكن من كبتها، قبل أن يتاح لعقلي الوقت لاعتراضها، قبل أن تتمكن إرادتي من خنقها. انبجست مني كنبع طال حجزه، كحقيقة طالت إنكارها.

تفتح عيناي، مرعوبتان مما أفلتته للتو، من هذا الاعتراف الذي يجردني من آخر دفاعاتي. ينظر إليّ، وفي عينيه الرماديتين، يضيء بريق جديد، أعمق، أكثر كثافة، أكثر حرارة من كل ما رأيته حتى الآن.

— أنا؟

— أنا... لم أقصد...

— بلى، تيو. أقصدت. قلت. وهذه هي الحقيقة. تابع. توسل إليّ من أجل ماذا؟ ماذا تريد مني؟

أبحث عن الكلمات في أعماقي، تلك الكلمات الوحشية، التي لا يمكن البوح بها، التي لم أجرؤ أبداً على صياغتها، حتى في سر ليالي الوحدة. إنها هناك، مع ذلك، كانت دائماً هناك، تنتظر بصبر أن يأتي من يحررها. وصوته يناديني، نظراته تجذبني، حضوره يشجعني، وأدعها أخيراً تخرج.

— أريد... أريد منك أن تنظر إليّ. كما تنظر إليّ الآن. وكأنني الشيء الوحيد الذي يهم في العالم، الشيء الوحيد الموجود، الشيء الوحيد الذي يستحق انتباهك. أريد أن تلمسني يداك... أن تلمساني مجدداً، في كل مكان، دائماً، ألا تفارقاني أبداً. أريد أن أشعر بأصابعك في فمي، على لساني، في قاع حلقي، في كل مكان تريد الذهاب إليه. أريد... أريد أن أعطيك أكثر. كل ما لدي. كل ما أنا عليه.

— أكثر؟ ماذا أكثر، تيو؟ قل لي. لا تخف. هنا، يمكنك قول كل شيء. هنا، كل شيء مسموح، كل شيء مقبول، كل شيء مرغوب.

— لا أعرف. لا أعرف ما لدي لأعطيه، لا أعرف قيمتي، لا أعرف ما يمكنني تقديمه. لكني أريد أن أعطيك إياه. كل شيء. دون تحفظ، دون حد، دون عودة. أريد أن أكون لك، كلياً، تماماً، مطلقاً. ليس فقط لإنقاذ والدي. لأنني أريد ذلك. لأنني بحاجة إليه. لأنه لا معنى لأي شيء آخر بجانبه.

صوتي يرتجف، لكن هذا الارتجاف لم يعد ارتجاف الخوف. إنه ارتجاف الحقيقة، الحقيقة العارية، الجرداء، المرعبة، التي تخرج أخيراً من مخبئها بعد سنوات من الصمت. ارتجاف الاعتراف، الإقرار، الاستسلام.

يقوم ببطء، بتلك الرشاقة السنورية التي تميزه، ويأتي ليقف أمامي. إنه قريب جداً الآن لدرجة أن عطره يغمرني بالكامل، وحرارة جسده تلفني كرداء كبير جداً، وأشعر تقريباً بدقات قلبه عبر سمك ملابسه. يضع يده على رأسي، بلطف لا نهائي، ويمسد شعري طويلاً، ببطء، كما يمسد المرء حيواناً ثميناً، كما يهدئ كائناً مجروحاً.

— لديك كل شيء لتعطيه، تيو. لا تعرف ذلك بعد، لكن لديك كل شيء. لديك هذا الفم الذي يطاردني، هذا الصوت الذي يقلبني، هذه النظرة التي تنزع سلاحي. لديك هذه القدرة على الاستسلام، هذه الثقة التي تقدمها لي دون أن تعرف حتى. لديك كل شيء. وسآخذ كل شيء. كل شيء.

يده تنزل على طول خدي، تتبع منحنى فكي، تلامس رقبتي، تتوقف على مؤخرة عنقي. يضغط برفق، داعياً إياي لإمالة رأسي للخلف، وأقدم له حلقي، معروضاً، ضعيفاً، كلياً برحمته. أصبحت هذه إيماءة طبيعية، شبه تلقائية، وكأن جسدي يعرف الآن ما يجب فعله قبل أن يتاح لعقلي الوقت لتقريره.

— الآن، توسل إليّ أن أقبلك.

أنظر إليه، وفي عينيه، أرى أن هذا ليس أمراً، بل دعوة، طلب تقريباً. يريد سماعي أتوسل إليه، ليس لأنه بحاجة إلى هذه السلطة عليّ، بل لأنه بحاجة إلى معرفة أنني أرغب في ذلك، أنني أريده، أنني مشتاق إليه.

— أتوسل إليك... قبلني.

ينحني ببطء، ببطء شديد لدرجة أن كل مليمتر يقربنا هو أبدية، عذاب لذيذ، انتظار لا يطاق. شفتاه تقتربان من شفتيّ، أشعر بأنفاسه على فمي، دافئة، معطرة بالويسكي، شبه لهثة. ثم أخيراً، بعد ما بدا لي كساعات، تلامس شفتاه شفتيّ.

هذه ليست قبلة سيد لعبد، ليست قبلة تملك ولا هيمنة. إنها قبلة حقيقية، عميقة، حنونة، مقلقة، قبلة كائنين يكتشفان بعضهما ويدجنان بعضهما. شفتاه ناعمتان، دافئتان، تستكشفان شفتيّ ببطء يجعلك تفقد عقلك، يمحو كل ما ليس هذا الإحساس. لسانه يلامس شفتي السفلى، يطلب الدخول بخجل، وأمنحه إياه دون تردد. يدخل لسانه فمي، يلتقي بلساني، يرقص معه في حركة بطيئة، عميقة، ساحرة.

لم أقبله قط. ليس حقاً. شعرت بأصابعه، نعم، عرفت حضور بشرته في فمي. لكن ليس بشفتيه. ليس بلسانه. الأمر مختلف جداً، أكثر حميمية، أكثر إنسانية، أكثر خطورة. لأن القبلة هي التبادل، هي المشاركة، هي التبادلية. في القبلة، لا يمكنك البقاء سلبياً، لا يمكنك الاكتفاء بالتلقي. يجب أن تعطي أيضاً، أن ترد، أن تشارك.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • حرارته في فمي   الفصل 16: الفم المشتعل

    تيو---في المساء الحادي عشر، لا أستطيع نسيان كلمات المحامية فايس. رغم اعترافاته، ورغم دموعه، ورغم حقيقته، تبقى الشكوك، تنخر، تلتهم. إنها هناك، كامنة في ظل عقلي، مستعدة للظهور عند أدنى صمت، وأدنى نظرة، وأدنى إيماءة غامضة.أدخل مكتبه. لا أركع. أبقى واقفاً، ذراعاي متقاطعتان، نظراتي قاسية، فكي مشدود.— أريد أن أعرف.يرفع عينيه عن ملفاته، يتنهد. تنهيدة منهكة، متعبة، مستسلمة.— ماذا أيضاً، تيو؟— كم؟ بالضبط. كم فتى قبلي؟ أريد أرقاماً. أريد أسماء. أريد وجوهاً.يقوم، منزعجاً، محتاجاً.— تيو، لقد تحدثنا عن هذا البارحة. قلت لك الحقيقة. ماذا تريد أكثر؟— الحقيقة الكاملة. ليس تعميمات. تفاصيل. أريد أن أعرف على أي أساس أقف. أريد أن أعرف إن كنت واحداً من بين كثيرين، أم أنني حقاً مختلف. أريد أن أعرف إن كانت دموعك، مداعباتك، لياليك التي تراقبني فيها وأنا نائم، كل هذا لي أم للقادم من بعدي.يقترب، وأشعر بغضبه يرتفع، أراه في عينيه التي تغمق، في فكه الذي يشتد، في قبضتيه اللتين تتشنجان.— قلت لك إنك مختلف. قلت لك إنك الأول الذي دخل. قلت لك كل ما استطعت قوله. ماذا تريد أكثر؟ أدلة؟ أفعالاً؟ لا أستطيع أن أعط

  • حرارته في فمي   الفصل 15: غيرة القصر

    تيو---في اليوم العاشر، ينقلب كل شيء.إنه بعد الظهر. أحد تلك الظهائر الرمادية حيث تبدو السماء تثقل على المدينة كغطاء. أنا في قصر العدل لإجراء معاملة إدارية، واحدة من تلك الإجراءات التي لا تعد ولا تحصى التي يتطلبها ملف والدي، ورقة لتوقيعها، استمارة لملئها، خانة لوضع علامة فيها. أمشي في الممرات التي بدأت أعرفها عن ظهر قلب، هذه الممرات الطويلة بنيوناتها الطنانة، وأبوابها الخشبية الداكنة، وألواحها النحاسية البالية بفعل الزمن.وفجأة، أراها.تخرج من مكتب القاضي. الباب 312، ذلك الذي أعرفه جيداً، الذي أدفعه كل مساء في الثامنة تماماً. تخرج منه بثقة هادئة، وكأنها في منزلها، وكأن لها كل الحقوق.المحامية كارول فايس. محامية جنائية مشهورة، معروفة في جميع أنحاء نقابة المحامين بمرافعاتها المتألقة وفتوحاتها المتألقة بنفس القدر. امرأة في الأربعينيات من عمرها، شعر أحمر ناري، ترتدي الأحمر من رأسها إلى قدميها، أحمر كالنار، أحمر كالخطر، أحمر كالإغراء. كعبها يرن على رخام الممر بسلطة طبيعية، بثقة لن أمتلكها أبداً.إنها جميلة. بجمال عدواني، استفزازي، يجذب كل الأنظار، ويحبسها، ويتحداها. جمال محاربة، غازية، مف

  • حرارته في فمي   الفصل 14: الآثار

    تيو---في المساء التاسع، عندما استيقظت على الأريكة في المكتب، في منتصف الليل، كان الظلام لا يزال حالكاً. المصباح لا يزال مضاءً على المكتب، يلقي بدائرته المألوفة من الضوء، لكن كرسي القاضي كان فارغاً. فارغاً. أين هو؟ توقف قلبي عن النبض للحظة، أصابني هلع سخيف.ثم شعرت بحضور قريب جداً مني. قريب جداً، قريب لدرجة أنني أدركت حرارته حتى قبل أن أراه. أدرت رأسي ببطء لا نهائي، وكأن أدنى حركة يمكن أن تحطم السحر، ورأيته.إنه جالس على الأرض، بجانب الأريكة، رأسه موضوع بالقرب من رأسي على حافة الوسادة، وهو ينظر إليّ. عيناه مفتوحتان، مثبتتان عليّ، تلمعان في شبه الظلمة بضوء لا ينتمي إلا لهما. وأصابعه... أصابعه في شعري، تداعبه بنعومة لا نهائية، بحنان لم أعرفه فيه، ولم أكن لأتخيله ممكناً في هذا الرجل القاسي، البارد، المنيع.لم أقل شيئاً. لم أتحرك. لم أرد كسر هذه اللحظة، ولم أردها أن تتوقف، ولم أرد أن يدرك ما يفعله ويسحب يده. تركته يفعل، تركته يلمسني، تركته يحبني بطريقته، الصامتة، الليلية، شبه المذنبة.تنساب أصابعه من شعري إلى جبهتي، ببطء شديد، وكأنه يستكشف أرضاً مقدسة. تلامس حاجبيّ، تتبع منحناهما، ترسم ش

  • حرارته في فمي   الفصل 13: الليلة الأولى

    تيو---للمرة الأولى منذ بداية هذه العلاقة الغريبة، منذ ذلك المساء الأول الذي لمست فيه ركبتاي الوسادة الحمراء، لا يطردني القاضي في نهاية جلستنا.لقد تأخر الوقت، تأخر جداً، بعد منتصف الليل بكثير. مكاتب قصر العدل صامتة، أكثر صمتاً من المعتاد، وكأن حتى الجدران نائمة. الممرات مهجورة، مضاءة فقط بأضواء الأمان التي تنشر ضوءاً برتقالياً، شبحياً. المدينة، من خلال النافذة، نامت هي أيضاً، أضواءها تنطفئ واحدة تلو الأخرى، وأصواتها تتلاشى في الليل.نحن وحدنا في العالم، هو وأنا، في هذه الجزيرة من الضوء التي يشكلها مصباحه على مكتبه، ذلك المصباح الذي رآنا نولد، نكبر، نتحول. وحدنا مع صمتنا، وما لم يُقل، ورغباتنا التي لا نبوح بها.يقوم، يفتح خزانة لم أنتبه إليها، مخبأة في المكتبة خلف صف من القوانين التي كنت أظنها أصلية. يخرج منها ملاءات، بطانية سميكة، وسادة. ملاءات بيضاء، بسيطة، تفوح منها رائحة اللافندر، وكأنها أعدت منذ زمن، وكأنه توقع هذه اللحظة، وكأنه تمنّاها، وانتظرها، وأعدّها.يحملها إلى زاوية من المكتب لم أنظر إليها حقاً قط، زاوية مظلمة يوجد فيها أريكة قديمة، مغطاة بمخمل أخضر، بالية بفعل الزمن لكنه

  • حرارته في فمي   الفصل 12: زاوية الشفاه

    تيو---في المساء الثامن، بعد عشرة أيام من هذه الطقوس التي أصبحت حياتي، بعد هذه الليالي من الركوع والتوسل، بعد هذه القبلات المسروقة وهذه الاعترافات المسجلة، بعد هذه اليد الموضوعة على مؤخرة عنقي لمدة ساعة كاملة، بعد هذا الشكر الذي جعل القاضي يبكي في شعري، لم أعد أعرف جيداً من أنا، ولا ماذا أفعل هنا، ولا ما أشعر به حقاً تجاه هذا الرجل الذي قلب وجودي رأساً على عقب.أدخل مكتبه في الثامنة مساءً، كالعادة، وكأن جسدي استوعب هذا الإيقاع الجديد، هذه الساعة الداخلية التي أعادت ضبط نفسها عليه. أطرق طرقتين، ليستا قويتين جداً ولا ضعيفتين جداً، فقط ما يكفي للإعلان عن وجودي دون إزعاج الصمت الذي يسود هذا المعبد. أدخل دون انتظار الرد، لأنه قال لي إنني لم أعد بحاجة للانتظار، وأن مكاني هنا، وأن مجيئي أصبح الآن طبيعياً كشروق الشمس، حتمياً كالمدّ الصاعد.أركع على الوسادة الحمراء، تلك الوسادة التي تأقلمت مع شكل ركبتيّ، التي تحتفظ بأثر وزني، التي أصبحت مكاني، منطقتي، ملجئي. أنتظر حتى يتكلم، كالعادة، يديّ على فخذيّ، نظري منخفض، في وضعية الخضوع هذه التي أصبحت مألوفة جداً لدرجة أنني أستطيع اعتمادها وعيناي مغمضت

  • حرارته في فمي   الفصل 11: الأب يتقدم

    تيو---في المساء السابع، أصل بقلق جديد، خوف لم أعرفه من قبل. النهار كان صعباً، أصعب من كل الأيام التي سبقته. أمي أصيبت بنوبة بكاء أثناء الإفطار، انهارت فجأة على طاولة المطبخ، تهزها شهقات عنيفة لدرجة أنني ظننت أنها ستغمى عليها. أختي صفعت باب غرفتها وهي تصرخ بأنها سئمت، وأنها لم تعد تتحمل هذه الحياة، وأنها تريد حياة طبيعية مثل كل شباب في عمرها. أما أنا، فتحملت، وعزيت، وكذبت، ووعدت بأشياء لست متأكداً من قدرتي على الوفاء بها. كالعادة.أدخل مكتبه، منهكاً، مفرغاً، في نهاية قواي. أركع دون كلمة، دون حتى النظر إليه. طقس.ينظر إليّ، وأرى في عينيه أنه يعرف. يعرف كل شيء. يعرف يومي، وقلقي، وأكاذيبي، ووعودي المستحيلة. يعرف دائماً كل شيء. هذه هي قوته، لعنته ربما.— لدي خبر سار، تيو.أرفع عينيّ نحوه، قلبي يدق فجأة، الأمل يولد مجدداً رغم أنفي.— والدك سيحصل على حق الزيارة. بعد يومين. بفضل تدخلي، ببعض المكالمات في الأماكن الصحيحة، وبعض الضغوط المطبقة في الأماكن المناسبة.يتوقف العالم. يتجمد الزمن. تتردد الكلمات في رأسي كموسيقى سماوية. والدي. حق الزيارة. سأتمكن من رؤيته، لمسه، التحدث إليه، ضمه بين ذراع

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status