Mag-log inقال الجد بعزم قاطع:"لكنني أردتكِ أنتِ حفيدة لي، ولم تكن سِواكِ تلائم هذه المكانة! كان هذا الأتفاق بيننا ، لا استطيع تجاوزه ، منذ ذلك الحين ، أصبحتِ حفيدتي الحبيبة."قالت بأسى وعيناها تترقرقان بالدموع:"جدّي..."حاول الجد التخفيف عن كاهلها:"أنا لستُ مثلهم يا لمار.. لن ألقي عليكِ باللوم في أمر لم تكن لكِ فيه إرادة."ثم أردف لاهجاً بغضب مكتوم تجاه العائلة:"كيف يسوغ لهم تحميلكِ مسؤولية رحيل الطفلين، وأنتِ بالكاد كنتِ على قيد الحياة لساعات طوال؟!"وقعت الكلمة على مسامعها كصعقة كهربائية جردت جسدها من القوة!شعرت بأن الهواء يتلاشى من رئتيها وأن قلبها يتوقف عن الخفقان. أضحت الرؤية ضبابية، ولم تعد تلمح سوى وجه جدها الذي كان يبتسم بمرارة وهو يكرر:"ألم يخبروكِ عن أخيكِ من قبل؟"تمتمت بصوت واهن ومختنق:"هـ.. هل.. هل كان.. لي أـخ؟!"لم تستطع إكمال عبارتها؛ إذ بدأ رأسها يدور بجنون، وأضحي صوت جدها خافتاً وقادماً من غياهب بعيدة. أخ؟! أخيها؟! كانت الكلمة غريبة للغاية على مسامعها، وكأنها لا تنتمي لعالمها. لماذا كتموا السر؟ لماذا طمسوا وجود روح كانت تشاطرها الحياة؟في تلك اللحظة الحاسمة، دخل يمان إل
ردت بارتباك شديد: "جدي..." ابتسم الجد بمرارة وخيبة أمل جليّة: "لم يتممه إذن..." وضعت لمار كفها الدافئة فوق يد جده المستقرة على كتفها، وقالت بنعومة: "ما زلنا بعمر الشباب يا جدي، وأمامنا متسع من الوقت ليفهم كل منا الآخر.. كل شيء سيكون على ما يرام." قال الجد وهو يحمل نفسه المسؤولية: "أنا السبب في تعاستكِ.. أرى بوضوح كيف يعاملكِ يمان، فهو لا يداري رفضه لهذا الزواج، لكني خيلت لنفسي أنه سيتغير فور عقد القران.. ولكن..." قاطعته قبل أن يتم جملته: "يمان رجل يعتز بنفسه كثيراً، وسيعاني قليلاً قبل أن يستوعب الواقع، لكنه س يتقبله في النهاية.. لا تقلق يا جدي، هو ليس بهذا السوء، بل إنه يعاملني برفق." في تلك اللحظة، مرت صور قسوته وجفائه كأطياف لاذعة في مخيلتها، وشقت ابتسامة متهكمة شفتيها؛ كانت تدرك تماماً أنه لن يتغير، وسيواصل إذلالها بتلك الطريقة. غير أنها لم ترد أن تحمّل قلب الجد مزيداً من الهموم، ولم ترغب في إدخال طرف ثالث بينهما حتى لو كان حليفاً لها.. لقد عقدت العزم على مواجهة يمان وحل هذا اللغز المظلم بمفردها!تسللت نظرات لمار المترددة نحو جدها الذي كان يتأمل الأفق الممتد من نافذة الغر
سار يمان بخطى ثقيلة ومبتعدة، فصاح الجد بنبرة مكتومة:"يمان! يمان!"غير أن يمان لم يلتفت، وواصل سيره بينما كانت النيران التي تستعر في صدره أعلى صفجيها من أي نداء.بشفاه متباعدة ونظرات ترتجف بذهول، كانت لمار تتطلع في أرجاء الغرفة، تشعر بمرارة علقمية تغص في حلقها وحرقة لاذعة تسري في أرنبة أنفها.أسندت الجزء السفلي من جسدها على الباب وهوى الجزء العلوي للأمام، ثم مررت يدها بين خصلات شعرها واعتصرت شفتيها بضغط مستقيم.وبصوت مرتجف يكاد لا يبين، تمتمت غير مصدقة:"يامن..."تلفتت حولها، فلم تجد أحداً يقاسمها هذا الفراغ الموحش.تلاحقت أنفاسها، وشرع رأسها ينفجر بدوار وصداع عاتٍ. تساءلت في شرود وضبابية:"من كان يقصد بالعائلتين؟"التقطت هاتفها من فوق المنضدة بأصابع مرتعشة، وراحت تتصفح حساب يمان على منصات التواصل بعينين متسعتين علّها تجد إجابة تشفي غليلها. لم تجد شيئاً سوى منشورات رسمية تخص العمل، غير أن عبارة "الحالة الاجتماعية: معقدة" أثارت دهشتها الشديدة!تساءلت في سريرتها: "أليس متزوجاً بي بالفعل؟ ماذا يعني بـ 'معقدة'؟"تأوهت مشتية بخطوات مضطربة وهي تعتصر رأسها من شدة الألم. وقفت حافية القدمين أم
نكس يمان رأسه بعيداً عنها، وقال بصوت خفيض يقطر بالثقل:"جدي.. أنا لا أستطيع الاهتمام بها."هز الجد رأسه بجفنين مطبقين يجرع المرارة:"ولماذا؟ انظر إليها.. إنها في حال يُرثى لها!"رد يمان بنبرة مبررة ومعذبة:"أنت أكثر من يعلم السبب يا جدي.. ومع ذلك تسألني الآن؟!"قبض الجد بكفه الهرمة على مقبض عكازه بقوة وقال:"لم يكن ذلك ذنبها إطلاقاً!"وبنبرة مشبعة بالحزن والأسى، نطق يمان:"ولم يكن ذنبي أنا أيضاً! لا أستطيع النسيان يا جدي.. لا أستطيع التقاضي عن حقيقة أنها لم تكن لي أبداً!"قال الجد بصوت ينضح بحزن أعمق:"ولكنها أضحت لك الآن."تطلع يمان إلى جده بمرارة لاذعة:"لم تكن يوماً لي.. ولن تكون! لا أستطيع تملكها يا جدي.. لا أستطيع خيانته، ولا أستطيع سلب ما كان حقاً أصيلاً له!"أمسك الجد بذراع يمان وجره بقوة خارج الغرفة، ثم أغلق الباب بهدوء بعد أن تثبت من استغراق لمار في نومها.كانت لمار متعبة إلى حد يعجز معه جفناها عن الانفتاح، غير أن حواسها المتيقظة كانت تلتقط كل شيء؛ ذلك الارتباك الفاضح في صوت الجد، وسرعة سحبه ليمان للخارج، أضرمت في صدرها شرارة فضول حارقة لم تجد لها كبحاً.أزاحت الغطاء عنها بصع
كان يمان يخطو نحو القصر حين توقف فجأة، وحوّل نظراته الحادة نحوهما بوجوم لم يكن متوقعاً. قال زياد بنبرة مهدئة وهو ينظر إليها بعطف صريح: "أنا هنا.. كان مجرد كابوس ، لا تخافي." تركت كم معطفه فور استرداد وعيها، ووضعت يدها على جبهتها تدلكها وهي تزفر بعمق لتحرر نفسها من بقايا الرعب. سألها زياد بقلق حين لاحظ احمرار وجنتيها الطارئ وشحوب بشرتها: "هل أنتِ بخير يا سيدتي؟ تبدين شاحبة للغاية." ردت وهي تحاول الترجل: "أنا بخير." في تلك اللحظة، تقدم يمان بخطوات حاسمة ودفع زياد للخلف برفق قاطع. تجمد زياد في مكانه وضم شفتيه بحدة، بينما وقف يمان أمام لمار وانحنى قليلاً ليضع راحة كفه العريضة فوق جبهتها. حاومت تفادي لمسته، غير أنه قال بصرامة قاطعة: "لا تتحركي!" تسمرت مكانها وأزاحت بصرها المرتجف عنه. أعاد يمان وضع كفه على جبهتها ليتفحص حرارتها، ثم لمس جبهته هو ليقارن الفارق، فبرقت عينه بخطورة وهتف كموبخ: "أنتِ تعانين من حمى حادة! لماذا لم تخبريني بذلك؟!" أبعدت يده عنها وشق طريقها تترجل من السيارة. استقام يمان في وقفته، وشد على فكيه بقوة، ما ان لامست قدمها الارض واستقرت عليها ،هز رأسه وانحنى م
فتحت باب الحمام قليلاً، وأخرجت رأسها تتلصص بحذر في أرجاء الغرفة. وما إن تأكدت من خلوها تماماً، حتى خرجت وهي تتنفس برعشة حادة، واتجهت نحو السرير. استلقت ببدنها الخاوي من أية طاقة، دون أن تملك رغبة في معرفة الوقت أو ما يدور حولها.. لقد سقط من ذاكرتها كلياً وعدها ليمان بالذهاب لزيارة جده. اندفع باب الغرفة بقوة وعنف أحدثا صدى مدوياً.قفزت لمار من السرير بفزع، ونظرت نحو الباب وهي ترتجف ذعراً. كان يمان يقف عند العتبة بكنزة صوفية بيضاء وبنطال أبيض مريح، وخطا نحوها بحدة وصرامة.سقطت نظراته الحادة على قدميها الحافيتين اللتين تطآن الأرض الباردة، وثيابها المجعدة من الأمس، دون أي أثر لتجهيز نفسها للرحيل.سألها بنبرة جافة:"لماذا لم تجهزي نفسكِ حتى الآن؟"نظر إلى ساعته الذهبية وقال بصرامة:"ألم تتفقدي الوقت؟ هل هناك من يغط في النوم حتى هذه الساعة؟"ثم أردف ملقياً باللوم على أهله:"يبدو أن أمي وأبي أفرطا في دلالكِ، حتى أصبحتِ بحاجة لإعادة تقويم وتأديب من جديد!"لم تنطق بكلمة. طأطأت رأسها لأسفل باستسلام، واتجهت بخطوات بطيئة نحو الحمام دون أن تنظر إليه.استوقفها بنبرة آمرة:"إلى أين تتجهين؟"أجابت ب