LOGINظلت إيميليا جالسة على سريرها، تحدق في الفراغ، بينما بقي وجه داميان عالقًا في ذاكرتها رغم استيقاظها.أغمضت عينيها بقوة، ومررت أصابعها بين خصلات شعرها المبعثرة.رائع، حتى في أحلامي لا أستطيع التخلص منك.خرج صوتها أجش، فتنهدت وسحبت الغطاء إلى خصرها. كان جسدها منهكًا، ورأسها يثقل مع كل حركة، لكن فكرة العودة إلى النوم بدت مستحيلة.لماذا ماركوس تحديدًا؟ ولماذا تحول إلى داميان؟عضت شفتها بضيق، ثم التقطت هاتفها من الطاولة المجاورة. أضاءت الشاشة، فظهرت أمامها رسالة من ماركوس يسألها إن كانت قد تناولت الدواء الذي أحضره لها في اليوم السابق.لانت ملامحها قليلًا، وبدأت تكتب أنها بخير، لكنها توقفت قبل إرسال الرسالة.كانت تكذب، بالطبع.حذفت الكلمات، واستبدلت بها جملة أخبرته فيها أنها تشعر ببعض التعب، لكنها ستتحسن بعد أن تنام.لم تمر سوى لحظات حتى رن هاتفها، وظهر اسم ماركوس على الشاشة.أجابت بصوت خافت.ألم أقل لك أن ترتاحي بدلًا من العمل حتى الإنهاك؟أبعدت الهاتف قليلًا عن أذنها، وتمتمت:وألم أقل لك أن تتوقف عن التصرف وكأنك طبيبي الشخصي؟ضحك في الطرف الآخر.طبيبك الشخصي؟ لا، أنا الرجل المسكين الذي سيض
تجمد داميان أمام الباب، بينما كانت كلمات والدته تتردد في رأسه كطلقات متتابعة. للحظة، لم يعد يسمع سوى دقات قلبه المتسارعة، وشعر بأن شيئًا داخله يتحطم ببطء. مد يده نحو المقبض، وكاد يدفع الباب بعنف. كيف استطاع والده فعل ذلك به؟ كيف أمكنه أن ينظر في عيني ابنه طوال تلك السنوات، وهو يعرف أنه السبب في جعله يتذوق أسوأ أيام حياته؟ خمس سنوات كاملة قضاها داميان غارقًا في الغضب والندم، مقتنعًا بأن إيميليا خانته، بينما كان الرجل الذي وثق به يخفي الحقيقة خلف صمته البارد. اشتدت أصابعه حول المقبض حتى ابيضت مفاصله. كان أمامه خياران لا ثالث لهما. إما أن يقتحم المكتب، ويحطم كل ما تقع عليه عيناه، ويواجه والده بما سمعه، ثم يغادر المنزل إلى الأبد، وإما أن يبتلع غضبه مؤقتًا، ويلتزم الصمت حتى يعرف بقية الحقيقة. أغمض عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا، لكن الهواء لم يخفف شيئًا من الثقل الذي يجثم على صدره. لم يكن مستعدًا لخسارة المزيد بسبب اندفاعه. فتح عينيه مجددًا، وقد تبدلت ملامحه. اختفى الاضطراب، وحل محله جمود قاسٍ جعل فكه ينقبض، وعيناه تستقران على الباب بنظرة باردة. استدار وغادر المنزل دون أن يراه أحد
ما إن سمع داميان كلمات ماركوس حتى نهض من مقعده، وتقدم نحوه بخطوتين. وضع يديه في جيبي بنطاله، واستقر نظره على وجهه بثقة هادئة.هل تريد أن أضربك مجددًا؟رفع ماركوس كتفيه بلا مبالاة، ثم أجابه بحماس متعمد:لا بأس، فأيميليا ستعتني بجراحك.طقطق داميان رقبته، وشد فكه، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة خبيثة.إذن سأستخدم بدل اللكمة كلمة.انفجر ماركوس ضاحكًا، مستمتعًا بقدرته على استفزاز الرجل الذي يخيف الجميع بنظرة واحدة.تقدم داميان خطوة أخرى، لكن ماركوس رفع كفيه مستسلمًا، ثم انسحب نحو الباب.احتفظ بتهديداتك، أيها الملياردير. لديك اجتماع مع أعصابك أولًا.غادر وهو يضحك، تاركًا داميان يحدق في الباب المغلق. اختفت ابتسامته تدريجيًا، وحل محلها عبوس ثقيل، فأرخى ربطة عنقه بضيق وألقى بنفسه على المقعد.كان آخر ما يحتاج إليه هو ماركوس، الذي يتصرف وكأن إيميليا تخصه وحده، وكأن وجوده إلى جانبها يمنحه الحق في تحدي داميان.زفر بانزعاج، ثم تناول هاتفه واتصل بجوك.أين أنت؟في طريقي إلى صالة التدريب. تعال إن كنت تريد تحطيم شيء بدلًا من تحطيم أعصاب الموظفين.أغلق داميان الهاتف، وغادر مكتبه دون رد.بعد دقائق، كانت
امتلأت أروقة شركة نوفاتِك بالتهاني بعد إعلان ترقية إيميليا، وراح الموظفون يتبادلون الابتسامات، وكأنهم احتفلوا بانتصار طال انتظاره.قالت إحدى الموظفات وهي ترتب ملفاتها: أخيرًا، حصلت إيميليا على المكانة التي تستحقها. لو رأيتم كيف كانت تعمل طوال الأسبوع!أجابها زميلها ضاحكًا: الأهم أننا تخلصنا من سيرينا، تلك المرأة كانت تعتقد أن منصبها يسمح لها بإهانة الجميع.تعالت ضحكات مكتومة، بينما تبادل الموظفون نظرات الارتياح. لم يكن أحد منهم مستعدًا للدفاع عن مديرة اعتادت التقليل من جهود الآخرين ونسب إنجازاتهم إلى نفسها.أما سيرينا، فكانت تقف داخل مكتبها السابق، تحدق في بطاقة اسم إيميليا الموضوعة على الباب.قبضت أصابعها على حافة المكتب، واحمر وجهها من شدة الغيظ.كيف تجرؤ تلك المتسولة على أخذ منصبي؟ألقت ملفًا أرضًا، ثم استدارت نحو الموظفة الواقفة عند الباب.ألا يفعل أحد شيئًا؟ هل ستتركونها تستولي على كل شيء بنيته؟خفضت الموظفة عينيها، وأجابتها ببرود مهذب: أعتقد أن القرار صدر عن الإدارة، آنسة سيرينا.خرجت قبل أن تسمع ردها، تاركة سيرينا تواجه حقيقة لم تتخيلها يومًا. لقد خسرت منصبها، ولم يعد أحد يخشى
مرّ أسبوع كامل منذ بدء العمل على المشروع، وكان ضغط المواعيد يزداد يومًا بعد آخر، حتى أصبحت مكاتب شركة نوفاتِك أشبه بساحة معركة لا يجرؤ أحد على مغادرتها قبل إنجاز نصيبه.وفي مساء ذلك اليوم، غادر الموظفون تباعًا، حاملين حقائبهم وأمنياتهم بنوم طويل، بينما بقيت إيميليا وحدها أمام شاشة حاسوبها، تحاول إنهاء التعديلات الأخيرة.حدّقت في الأرقام والرسومات، ثم فركت عينيها بإرهاق. كانت أصابعها تتحرك ببطء، ورأسها يثقل شيئًا فشيئًا، لكن موعد التسليم لم يكن يسمح لها بالاستسلام.همست لنفسها:قليلًا فقط، إيميليا، ثم يمكنك النوم.غير أن جسدها كان قد اتخذ قراره قبلها.انحنى رأسها فوق ذراعيها، واستسلمت للنوم دون أن تشعر، بينما بقيت الشاشة مضاءة أمامها، تعرض مشروعًا لم يكتمل بعد.كان داميان يمر بالقرب من مكتبها حين لمحها نائمة.توقفت خطواته.تأمل وجهها الشاحب، والخصلات المتناثرة فوق جبينها، ثم انتقلت عيناه إلى الملفات المفتوحة على الشاشة.أطلق زفرة خافتة.ألا تعرف هذه المرأة متى تتوقف؟اقترب منها، وخلع سترته ووضعها برفق فوق كتفيها، محاولًا ألا يوقظها. ثم سحب كرسيًا وجلس إلى جوارها، يتفحص ما أنجزته بعينين
في اليوم التالي؛ كان المطر يهطل بغزارة حين خرجت إيميليا من أحد المتاجر الصغيرة، تحمل كيسًا ورقيًا وتبحث عن سيارتها المتوقفة في الجهة المقابلة من الشارع.توقفت تحت المظلة، وحدقت في السماء بامتعاض.رائع، ينقصني فقط أن تسقط السماء فوق رأسي ليكتمل يومي.سيارة سوداء توقفت أمامها فجأة، وانخفض زجاج النافذة ليظهر وجه داميان.اركبي.نظرت إليه بدهشة سرعان ما تحولت إلى برود.هل أصبحت تعمل سائقًا أيضًا؟ابتسم بسخرية خفيفة.لا، لكنني أقدم خدمات إنقاذ مجانية للنساء اللواتي يخرجن في المطر دون مظلة.نظرت إيميليا إلى يده، فوجدتها تمسك بمظلة سوداء.ثم رفعت عينيها إليه.ومن قال إنني أحتاج إلى الإنقاذ؟أغلق داميان عينيه للحظة، وكأنه يستدعي صبرًا لم يعد يمتلكه.إيميليا، أنا أقف في منتصف الشارع، والمطر يغرق ملابسي، وأنت تخوضين معي نقاشًا فلسفيًا حول استقلاليتك.ألقت نظرة إلى ملابسه الجافة تمامًا، ثم إلى المظلة التي تحميه.أنت داخل السيارة.نظر إلى ملابسه، ثم إليها.تفاصيل غير مهمة.كادت تضحك، لكنها استدارت لتغادر. في اللحظة نفسها، مرت سيارة مسرعة فوق بركة ماء، فاندفع الماء نحو الرصيف.لم يفكر داميان. فتح







