Home / الرومانسية / حين أحببتها... نسيت من أكون / الفصل الخامس: تحت سماء واحدة

Share

الفصل الخامس: تحت سماء واحدة

last update publish date: 2026-08-03 16:53:18

استيقظ ريان قبل شروق الشمس، وهي عادة لم يعرفها منذ سنوات. اعتاد أن يبدأ يومه متأخرًا، بعد ليلة طويلة من السهر أو العمل، لكن شيئًا ما تغيّر في الأيام الأخيرة. لم يكن السبب صفقة جديدة، ولا منافسًا في السوق، بل فتاة تعمل بين رفوف الكتب.

وقف أمام النافذة المطلة على البحر، يحتسي قهوته بصمت. كانت الأمواج تتكسر برفق على الصخور، بينما أخذت السماء تتدرج من الأزرق الداكن إلى البرتقالي الهادئ.

دخل عم حسن، كبير الخدم، حاملاً صحيفة الصباح.

قال مبتسمًا:

"يبدو أنك أصبحت تستقبل الصباح بدلًا من أن تودعه."

ابتسم ريان دون أن يرفع عينيه عن الأفق.

"ربما بدأت أكتشف أن النهار يحمل أشياء لم أكن أراها."

نظر إليه عم حسن باستغراب، لكنه لم يعلّق.

---

في الطريق إلى الشركة، كان هاتف ريان يرن باستمرار. رسائل من مديريه، ودعوات إلى اجتماعات، ومكالمات من شركاء أعمال، لكنه تجاهل معظمها.

وصل إلى مكتبه، فوجد سامي بانتظاره.

وضع ملفًا سميكًا على الطاولة وقال:

"عرفنا من يقف خلف شراء الأسهم."

رفع ريان نظره.

"ومن هو؟"

"شركة واجهة... لكن التمويل يأتي من مجموعة يملكها رجل الأعمال فؤاد العزمي."

ساد الصمت.

كان اسم فؤاد معروفًا في عالم المال، ليس فقط لنجاحه، بل أيضًا لأساليبه القاسية في المنافسة.

قال ريان بهدوء:

"إذن بدأ اللعب."

أجاب سامي:

"هل نرد بالمثل؟"

أغلق ريان الملف.

"لا... ليس بعد."

---

بعد انتهاء الاجتماعات، شعر برغبة غريبة في مغادرة البرج الزجاجي الذي يقضي فيه معظم أيامه.

قاد سيارته نحو الحي القديم، وكأن الطريق أصبح يحفظ وجهته دون أن يفكر.

عندما وصل إلى المقهى، لمح ليلى تجلس خارج المكتبة، تقرأ كتابًا بينما يحتسي الأطفال عصائرهم على الطاولات القريبة.

رفعت رأسها عندما رأته.

ابتسمت ابتسامة هادئة.

"ظننت أنك لن تأتي اليوم."

قال وهو يجلس أمامها:

"وأنا ظننت أنك ستقولين إنني أصبحت من زبائن المكان الدائمين."

ضحكت.

"هذا صحيح أيضًا."

كانت ضحكتها بسيطة، لكنها جعلته يشعر براحة لم يعهدها.

---

جلسا يتحدثان طويلًا.

عن الكتب.

عن السفر.

وعن المدن التي يحلمان بزيارتها.

اكتشف أنها لم تغادر مدينتها قط، لكنها تعرف العالم من خلال الروايات.

قالت وهي تنظر إلى كتاب بين يديها:

"أحيانًا أشعر أن القراءة تمنحنا حياة إضافية."

سألها:

"وأنت... لو أتيحت لك فرصة السفر، إلى أين ستذهبين؟"

ابتسمت.

"إلى مكان لا يعرفني فيه أحد."

"ولماذا؟"

"لأن البدايات الجديدة جميلة."

صمت ريان للحظة.

كان يشعر أن تلك الجملة تصفه أكثر مما تصفها.

---

مع اقتراب الغروب، خرجا من المكتبة وسارا بمحاذاة النهر.

كانت الأشجار تتحرك مع النسيم، والسماء تكتسي بلون ذهبي دافئ.

قالت ليلى:

"من الغريب أنني لا أعرف عنك الكثير."

ابتسم.

"اسألي."

"هل لديك إخوة؟"

"لا."

"ووالداك؟"

تنهد.

"أمي تعيش خارج المدينة معظم الوقت... أما والدي فقد رحل منذ سنوات."

انخفض صوتها.

"آسفة."

هز رأسه.

"لا بأس."

ثم سألها هو:

"وأنت؟"

أجابت بابتسامة هادئة تخفي شيئًا من الحزن:

"أنا وأمي وأخي فقط."

---

وصلا إلى جسر حجري قديم يطل على النهر.

وقفا يتأملان المياه بصمت.

قطع الصمت صوت موسيقي شاب يعزف على الكمان في الساحة القريبة.

ابتسمت ليلى وقالت:

"أحب هذا اللحن."

نظر إليها ريان، ثم مد يده قائلًا بابتسامة خفيفة:

"هل ترقصين؟"

اتسعت عيناها بدهشة.

"هنا؟"

"ولِمَ لا؟"

ضحكت وهي تنظر حولها.

"سنصبح حديث الحي."

قال مازحًا:

"إذن لنرقص لدقيقة واحدة فقط."

ترددت لحظة، ثم وضعت يدها في يده.

دارا ببطء على أنغام الكمان، وسط المارة الذين كانوا يبتسمون للمشهد.

لم تكن رقصة كاملة، ولا استعراضًا.

كانت لحظة عفوية، جعلت كليهما ينسى العالم من حوله.

عندما انتهى اللحن، سحبت يدها بخجل، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة لم تستطع إخفاءها.

أما ريان، فشعر بأن قلبه أصبح أخف مما كان عليه منذ سنوات.

---

لكن تلك اللحظة لم تمر دون أن يلاحظها أحد.

في سيارة سوداء متوقفة على الجانب الآخر من الشارع، كان رجل يحمل كاميرا يلتقط صورًا لهما.

أرسلها فورًا إلى رقم مجهول.

وبعد دقائق، رن هاتفه.

قال الصوت على الطرف الآخر:

"استمر في مراقبتهما... ولا تتدخل الآن."

أغلق الرجل الهاتف، وأعاد تشغيل محرك السيارة، بينما كانت عيناه تتابعان ريان وليلى وهما يسيران ببطء على ضفة النهر، غير مدركين أن قصتهما بدأت تجذب أنظار أشخاص لا يريدون لها أن تستمر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتها... نسيت من أكون   ٢١٧

    حين أحببتها نسيت من أكونالفصل 217: الكذبة الأولى— أنت لم تكن صادقًا معي منذ البداية.ظل صوت ليان يتردد في أرجاء المدينة البيضاء.ريان لم يتحرك.كان يعرف أن السؤال الذي طرحه ريان الأول لم يكن عاديًا.لم يكن يريد منه أن يتذكر كذبة عابرة.كان يريد منه أن يتذكر شيئًا دفنه هو نفسه في أعمق مكان من ذاكرته.قال ريان:— ليان!لا جواب.ركض بين الشوارع البيضاء.كل شيء كان متشابهًا.المباني.النوافذ.الأبواب.حتى السماء.لم يكن هناك طريق يعرفه.وفجأة ظهرت أمامه عشرات النسخ من ليان.واحدة تضحك.أخرى تبكي.ثالثة غاضبة.رابعة تنظر إليه بصمت.قالت إحداهن:— أي واحدة تبحث عنها؟توقف.— الحقيقية.ضحكت النسخ كلها.قالت إحداها:— وهل تعرف أيهما حقيقية؟أجاب:— نعم.— كيف؟— لأنها الوحيدة التي تجعلني أخاف من فقدانها.اختفت جميع النسخ.وبقيت واحدة.كانت ليان.لكنها كانت واقفة بعيدًا.قالت:— اقترب.مشى نحوها.كلما اقترب، ابتعدت.— لماذا تهربين؟— لأنك لم تجب.— عن ماذا؟— عن الكذبة.توقف ريان.قال:— لا أتذكر.أجابته:— بل تتذكر.ثم اختفت.---وجد ريان نفسه في مكان مختلف.كان داخل دار الحكمة.لكنها كانت

  • حين أحببتها... نسيت من أكون   ٢١٦

    حين أحببتها نسيت من أكونالفصل 216: مدينة النسيانلم يكن الليل قد حل عندما أدرك ريان أن دار الحكمة لم تعد كما تركها.وقف أمام النافذة، ينظر إلى الشارع الهادئ.كل شيء يبدو طبيعيًا.المارة.السيارات.المحال القديمة.حتى صوت بائع الجرائد في الشارع المقابل.لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.الناس كانوا يمرون أمام دار الحكمة دون أن ينظروا إليها.كأنهم نسوا أنها موجودة.التفت ريان إلى ليان.— هل لاحظتِ ذلك؟قالت:— ماذا؟— المكتبة.— ماذا بها؟— الناس.نظرت من النافذة.— ماذا عنهم؟— لا أحد ينظر إليها.ابتسمت.— ربما لم يعد أحد يهتم بالمكتبات.هز ريان رأسه.— ليس هذا.ثم أشار إلى اللافتة.كانت كلمة دار الحكمة قد اختفت.حل مكانها فراغ أبيض.تجمدت ليان.— كانت هنا.— نعم.— لماذا اختفت؟اقترب ريان من الباب.وجد الجد واقفًا خلفه.قال:— لأنها بدأت تُنسى.التفت ريان.— ماذا يعني ذلك؟أجاب الجد:— المدينة الجديدة بدأت تعمل.— مدينة النسيان؟أومأ.— نعم.---دخل الأب مسرعًا.كان يحمل ورقة.قال:— وجدتها.سأله ريان:— ماذا؟وضع الورقة على الطاولة.كانت خريطة.لكنها لم تكن لمدينة النسيان.كانت خريطة لم

  • حين أحببتها... نسيت من أكون   ٢١٥

    حين أحببتها نسيت من أكونالفصل 215: ذاكرة ليانظل ريان واقفًا أمام الباب السابع، غير قادر على الحركة.كانت الجملة ما تزال مضيئة أمامه:«ريان وُلد من ذاكرة ليان.»قرأها مرة أخرى.ثم قال:— هذا مستحيل.جاءه صوت أمه من خلف الباب:— كنت أعرف أنك ستقول ذلك.— كيف يمكن لإنسان أن يولد من ذاكرة؟— ليس الإنسان العادي.— وأنا لست إنسانًا عاديًا؟— أنت إنسان.توقف صوتها لحظة.— لكن بداية حياتك لم تكن مثل بداية حياة الآخرين.نظر ريان إلى ليان.كانت شاحبة.قالت:— ماذا تعني؟أجاب الصوت:— اسألي نفسك لماذا كنتِ تتذكرين ريان قبل أن تلتقي به.خفضت ليان عينيها.بدأت دموعها تتجمع.قال ريان:— ليان؟رفعت عينيها إليه.— كنت أشعر دائمًا أنك مألوف.— وأنا كنت أشعر أنك المكان الوحيد الذي أستطيع العودة إليه.قالت أمه:— لأنكما لم تلتقيا بالصدفة.ثم أضافت:— أحدكما كان يعيش داخل ذاكرة الآخر.---جلس ريان على الأرض.لم يعد قادرًا على الوقوف.قال:— أريد الحقيقة كاملة.أجابته أمه:— إذن اسمع.بدأت الصور تظهر على الجدران.قبل دار الحكمة.قبل التجربة.قبل كل الأبواب.كان هناك رجل شاب يقف أمام امرأة.وكان الرجل هو

  • حين أحببتها... نسيت من أكون   214

    حين أحببتها نسيت من أكونالفصل 214: الطفل الذي لم يكن ريانلم يستطع ريان أن يبعد عينيه عن الصورة.كان والده يقف وسط أنقاض دار الحكمة، يحمل طفلًا صغيرًا بين ذراعيه.لكن الطفل لم يكن هو.كان هناك شيء في المشهد كله يشعره بأنه قريب جدًا من الحقيقة، وقريب جدًا من شيء حاولت ذاكرته دفنه.قالت ليان:— ريان... من الطفل؟لم يجب.كان والده في الصورة يرفع عينيه نحوهما، وكأنه يستطيع رؤيتهما رغم أن المشهد مجرد بوابة إلى حياة أخرى.ثم قال الأب:— إذا دخلتما هذا الباب، ستعرفان كل شيء.تقدم ريان خطوة.— هذا ما أريده.صرخ الأب:— لا!توقّف.قال الأب:— الحقيقة ليست دائمًا نجاة.أجاب ريان:— لكنها أفضل من الكذبة.ساد صمت طويل.ثم ابتسم الأب بحزن.— كنت أعرف أنك ستقول ذلك.وفجأة تغيرت الصورة.لم يعد الأب يحمل طفلًا واحدًا.كان يحمل طفلين.أحدهما في ذراعه اليمنى.والآخر في ذراعه اليسرى.تراجعت ليان.— طفلان؟قال ريان:— نعم.لكن وجهه شحب.كان يعرف أحدهما.لم يعرف الآخر.اقترب من البوابة.وفجأة سمع صوتًا من خلفه.— لا تدخل.استدار.كان ريان الأول.يقف عند الأبواب السبعة.قال ريان:— لماذا؟— لأنك إذا عرفت

  • حين أحببتها... نسيت من أكون   213

    حين أحببتها نسيت من أكونالفصل 213: الحياة التي لم نعشهالم يكن الباب أبيض هذه المرة.كان شفافًا.كأنه مصنوع من الماء، وخلفه مدينة كاملة تتحرك ببطء، رغم أن لا أحد منهم كان يعرف أين تقع.ظل ريان ممسكًا بيد ليان.كانت ساكنة، عيناها مغمضتان، لكن أصابعها كانت تتحرك قليلًا بين أصابعه.قال ريان الأول:— إذا عبرت هذا الباب، لن تكون قادرًا على العودة بسهولة.— ماذا يوجد خلفه؟— الحياة التي كان يمكن أن تعيشها ليان لو لم تعرفك.نظر ريان إليها.— ولماذا أذهب إليها؟— لأنك قلت إنك ستبحث عنها حتى لو نسيتك.— قلت ذلك.— إذن أثبت أنك تعنيه.قال الأب:— ريان، لا تدخل.التفت إليه.— لماذا؟— لأن هذا الباب لا يأخذك إلى الماضي.— أعرف.— بل يأخذك إلى احتمال لم يحدث.صمت ريان.ثم قال:— ربما هذا هو المكان الوحيد الذي يمكنني أن أجدها فيه.---اقتربت المرأة العجوز.قالت:— هناك قاعدة واحدة.— ما هي؟— عندما تدخل، لن تعرفها.— ماذا؟— سترى ليان، لكنها لن تكون ليان التي تعرفها.— ستكون شخصًا آخر؟— ستكون النسخة التي كان يمكن أن تصبحها.— وهل ستتذكرني؟— لا.— وهل سأعرف نفسي؟صمتت.ثم قالت:— في البداية لا.ا

  • حين أحببتها... نسيت من أكون   212

    حين أحببتها نسيت من أكونالفصل 212: الصفحة التي اختفت— ليان!خرج اسمها من فم ريان قبل أن يفكر.ركض بين الرفوف، يصطدم بالكتب المتساقطة، بينما كان الضوء الأبيض يملأ الممرات.— ليان!لم يجبه أحد.كان يسمع أصوات الآخرين خلفه، لكن صوتها اختفى تمامًا.وصل إلى المكان الذي كانت تقف فيه.لم يجدها.وجد فقط الكتاب الأبيض.كان مفتوحًا على الأرض.وعلى الصفحة الأولى ظهرت جملة واحدة:«حين تفقد من تحب، ستعرف أخيرًا لماذا أحببتها.»انحنى ريان والتقط الكتاب.صرخ:— أعدها!جاء صوت ريان الأول من بعيد:— لا أستطيع.التفت.كان واقفًا عند نهاية الممر.— أنت أخذتها.— لا.— إذن أين هي؟— في الصفحة.رفع ريان الكتاب.— أي صفحة؟ابتسم ريان الأول.— الصفحة التي لم تُكتب بعد.---اندفع ريان نحوه.لكن قبل أن يصل إليه، أغلقت رفوف الكتب الطريق.ظهر جدار كامل من الكتب بينهما.ضرب ريان الجدار.— جبان!ضحك الصوت.— الغضب لن يعيدها.— ماذا تريد؟— أن تقرأ.— ماذا؟— الكتاب.نظر ريان إلى الكتاب الأبيض.قال:— وإذا قرأته؟— ستعرف أين ذهبت.— وهل ستعود؟سكت الصوت.ثم قال:— إذا استطعت الوصول إلى الصفحة الأخيرة.فتح ريان ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status