LOGINالفصل الثاني
رجل يشتري الوقت في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان قبل المنبه. ولم يكن ذلك من عادتها. مدت يدها إلى الهاتف دون أن تفتح عينيها تمامًا، وكأنها كانت تعرف مسبقًا ما الذي تبحث عنه. لا رسالة. حدقت في الشاشة للحظات. ثم وضعت الهاتف على الطاولة. قالت لنفسها: "جيد." لكنها لم تعرف لماذا كانت تشعر بخيبة صغيرة. قامت من السرير، فتحت النافذة، ودخل هواء الصباح محملًا برائحة المطر الذي غسل شوارع القاهرة طوال الليل. كانت المدينة تبدو أكثر هدوءًا. أقل قسوة. كأن المطر استطاع أن يمحو مؤقتًا كل ما تراكم عليها من غبار. وقفت أمام المرآة. ثم تذكرت الأمس. آدم. المظلة. الكتاب. الرسالة. أغمضت عينيها. "لا." قالتها بصوت مسموع. كانت تعرف هذا الطريق. تعرف كيف يبدأ الأمر. اهتمام بسيط. رسالة. لقاء. ثم يصبح الشخص جزءًا من تفاصيل يومك دون أن تدرك متى حدث ذلك. كانت قد مرت بهذه التجربة من قبل. ولم تكن مستعدة لتكرارها. ارتدت ملابسها، تناولت فطورًا سريعًا، ثم خرجت. وعندما وصلت إلى مقر عملها، كانت مريم تنتظرها عند الباب. نظرت إليها مريم طويلًا. "ما بك؟" "لا شيء." "أنتِ تكذبين." "لماذا؟" "لأنك تبتسمين." توقفت ليان. "أنا أبتسم؟" "منذ أن رأيتك." "ربما لأن الجو جميل." رفعت مريم عينيها إلى السماء. "السماء رمادية." "وهذا لا يمنع أن يكون الجو جميلًا." اقتربت مريم منها. "هل أرسل؟" لم تجب. "ليان." "من؟" ضحكت مريم. "هذا السؤال وحده إجابة." دخلت ليان إلى المكتب. وضعت حقيبتها على الكرسي. ثم قالت: "لم يرسل." "حقًا؟" "نعم." "وأنتِ حزينة؟" "لا." "متأكدة؟" "مريم." "حسنًا." صمتت لحظات، ثم قالت: "لكنه اتصل بالمدير." رفعت ليان رأسها. "لماذا؟" "لا أعرف." "ماذا يريد؟" "ربما يريد شراء المعرض." "مريم!" ضحكت. "كنت أمزح." ثم أضافت: "قال إنه يريد دعوتك إلى العشاء." سكتت ليان. "وأنت ماذا قلتِ؟" "قلت له إنك مشغولة." تنفست ليان براحة. ثم سألت: "وماذا قال؟" ابتسمت مريم. "قال إنه يعرف." --- في السادسة مساءً، كانت ليان تجلس في مكتبها حين دخل المدير. قال: "ليان، هناك شخص يريد مقابلتك." رفعت عينيها عن الأوراق. "من؟" لم يجب. ثم ظهر آدم خلفه. شعرت ليان بشيء يشبه الانزعاج. ليس لأنه جاء. بل لأنه جاء في اللحظة التي كانت تحاول فيها إقناع نفسها بأنه لن يأتي. قال المدير: "سأترككما." وأغلق الباب. ظل آدم واقفًا. قالت: "هل أصبحت تأتي إلى عملي الآن؟" "هل يزعجك ذلك؟" "قليلًا." "إذن سأعتذر." لم يتحرك. نظرت إليه. "ألم تقل إنك ستعتذر؟" "اعتذرت." "وأنت ما زلت هنا." "لأنني لم أقل إنني سأغادر." تنهدت. "ماذا تريد؟" جلس أمامها. "عشاء." "لا." "قهوة." "لا." "نصف ساعة." "لا." "عشر دقائق." رفعت حاجبها. "هل تتفاوض معي؟" "أحاول شراء وقتك." "وقتي ليس للبيع." "أعرف." ثم قال بهدوء: "لذلك أحاول استئجاره." ضحكت رغمًا عنها. "أنت مستفز." "لكنني جعلتك تضحكين." "بالصدفة." "سأعتبرها بداية جيدة." ثم وضع أمامها ظرفًا صغيرًا. نظرت إليه. "ما هذا؟" "دعوة." فتحت الظرف. كانت بطاقة لحفل موسيقي يقام في دار الأوبرا. قالت: "لا أذهب إلى الحفلات." "لماذا؟" "لا أحب الأماكن المزدحمة." "هذا الحفل هادئ." "ولا أحب الرجال الذين يرسلون لي دعوات." "لم أرسلها." نظرت إليه. "ماذا؟" "اشتريتها لك." "هذا أسوأ." ابتسم. "إذن أعيديها." أمسكت البطاقة. "سأعيدها." "متى؟" نظرت إليه. "أنت تعرف الإجابة." "عندما تريدين رؤيتي." قالتها مريم بالأمس. لكنه لم يكن موجودًا. والآن هو يعيدها إليها. وضعت البطاقة على المكتب. "أنت واثق جدًا." "لا." قالها فجأة. اختفت ابتسامته. "أنا فقط أعرف ما أريده." "وهذا ليس الشيء نفسه." "أعرف." سكت قليلًا. ثم قال: "وأنت؟" "ماذا؟" "ماذا تريدين؟" نظرت إليه. كان السؤال بسيطًا. لكنها شعرت أنه أخطر من كل أسئلته السابقة. قالت: "أريد حياة هادئة." "وأنا؟" "أنت لست هدوءًا." ابتسم. "ربما أستطيع أن أكون." هزت رأسها. "لا أظن." نهض. "سأترك البطاقة هنا." "قلت إنني سأعيدها." "لم أطلب منك الاحتفاظ بها." ثم اتجه إلى الباب. وقبل أن يخرج، التفت إليها. "ليان." "نعم؟" "أنا لا أريد منك وعدًا." "ماذا تريد؟" "فرصة." ثم خرج. ظلت تنظر إلى الباب المغلق. وبقيت البطاقة أمامها. --- مر يومان. لم تتصل به. ولم يتصل بها. لكنها كانت تفكر فيه. وهذا كان أسوأ. في اليوم الثالث، ذهبت إلى دار الأوبرا وحدها. أقنعت نفسها أنها لم تذهب من أجله. كانت تحب الموسيقى. هذه حقيقة. وأن آدم هو من أعطاها البطاقة لا يعني أنها ذهبت لأجله. جلست في مقعدها. بدأ الحفل. الأضواء خافتة. الموسيقى ارتفعت تدريجيًا. وبعد دقائق، شعرت ليان بأنها نسيت كل شيء. ثم، في منتصف المقطوعة، سمعت صوتًا بجوارها: "كنت أعرف أنك ستأتين." التفتت. آدم. نظرت إليه بدهشة. "أنت؟" "أنا." "كيف عرفت أنني سأأتي؟" "لم أعرف." "إذن؟" "كنت أتمنى." سكتت. قال: "هل تسمحين؟" أشار إلى المقعد بجوارها. كانت هناك مقاعد فارغة. قالت: "اجلس." جلس. ولم يتحدث. وهذا ما فاجأها. لم يحاول استغلال اللحظة. لم يقترب. لم يقل شيئًا. ظل يستمع إلى الموسيقى. بعد وقت، همست: "لماذا أتيت؟" قال دون أن ينظر إليها: "لأنني أحب أن أعرف كيف يكون الصمت عندما تكونين بجانبي." نظرت إليه. لم تجد ردًا. بعد انتهاء الحفل، خرجا إلى الشارع. كانت القاهرة مضاءة. السيارات تتحرك ببطء. الناس يتحدثون. والليل بدا أكثر دفئًا مما ينبغي. قال آدم: "هل تريدين العشاء؟" "لا." "قهوة؟" "ربما." ابتسم. "هذا تقدم." ذهبا إلى مقهى هادئ بعيدًا عن الضوضاء. جلسا إلى طاولة قرب النافذة. قال آدم: "أخبريني شيئًا لا يعرفه الناس عنك." "لماذا؟" "لأنني أريد أن أعرفك." "أنا أعمل في الكتب." "أعرف." "أحب القراءة." "أعرف." "وأكره الأسئلة." ضحك. "عرفت ذلك." "إذن لماذا تسأل؟" "لأنني أريد أن أسمع الإجابة منك." صمتت. ثم قالت: "أخاف من البحر." نظر إليها باستغراب. "البحر؟" "نعم." "لم أتوقع." "الناس يظنون أن الخوف يجب أن يكون من شيء منطقي." "وماذا يخيفك فيه؟" "اتساعه." "أنتِ تخافين من الأشياء التي لا تستطيعين السيطرة عليها." نظرت إليه. "ربما." قال: "وأنا أخاف من شيء آخر." "ماذا؟" "أن أصل إلى كل شيء أريده، ثم أكتشف أنني لم أكن أريد شيئًا." تغير وجهها. للمرة الأولى شعرت أنه لا يتحدث عن نفسه كرجل الأعمال الذي تعرفه الصحف. كان يتحدث كرجل. فقط رجل. سألت: "هل وصلت إلى كل شيء؟" ابتسم بسخرية. "تقريبًا." "والباقي؟" "أنتِ." رفعت عينيها إليه. لم تقل شيئًا. قال: "كنت أمزح." لكنها عرفت أنه لم يكن يمزح. --- بعد تلك الليلة، بدأت المسافة بينهما تضيق دون اتفاق. لم يصبحا عاشقين. ولم تتغير قواعد ليان. لكن آدم صار يظهر في تفاصيل أيامها. رسالة صباحية قصيرة. كتاب يتركه لها. دعوة إلى معرض. مكالمة لا تتجاوز خمس دقائق. وفي كل مرة كان يحترم حدودها. وهذا تحديدًا ما جعلها أكثر ارتباكًا. لأنها كانت مستعدة لمقاومة رجل يحاول اقتحام حياتها. لكن آدم لم يقتحم. كان يطرق الباب. وينتظر. --- في أحد الأيام، وجدت ليان كتابًا على مكتبها. كان الغلاف أبيض. وعليه ورقة صغيرة. فتحتها. "إلى المرأة التي تقول إنها لا تثق بالرجال... ربما لا أطلب منك أن تثقي بي. فقط لا تحكمي عليّ قبل أن تعرفيني." ظلت تقرأها. ثم فتحت الكتاب. وجدت في الصفحة الأولى جملة بخط يده: "أنا لا أريد أن أكون الرجل الذي تنسينه بعد أن تغلقي الكتاب." أغلقت الكتاب. وضغطت عليه بيدها. كانت تشعر بشيء لم تعرف كيف تسميه. ربما بداية حب. وربما مجرد خوف من أن يصبح الحب ممكنًا مرة أخرى. في المساء، اتصل بها. قال: "هل وصل الكتاب؟" "نعم." "هل أعجبك؟" "لم أقرأه." "لماذا؟" "لأنني خائفة." صمت. ثم قال: "مني؟" "من نفسي." لم يجب للحظات. ثم قال: "ليان..." "نعم؟" "لا تخافي." أغمضت عينيها. "هذه أسوأ جملة يمكن أن تقولها لشخص خائف." "لماذا؟" "لأن الخوف لا يختفي عندما نطلب منه ذلك." قال بهدوء: "إذن لا تطلبي منه أن يختفي." "ماذا أفعل؟" "خذي يده." سكتت. ثم قالت: "يد من؟" ضحك. "يد الخوف." "وأين يقودني؟" "ربما إلى مكان لم تذهبي إليه من قبل." أنهت المكالمة بعد دقائق. لكنها بقيت جالسة في الظلام. تذكرت الماضي. الرجل الذي أحبته. الوعد الذي صدقته. اليوم الذي اكتشفت فيه أن الحب بالنسبة إليه كان شيئًا يمكن التخلي عنه عندما يصبح ثقيلًا. كانت قد وعدت نفسها ألا تعطي قلبها مرة أخرى. لكنها الآن بدأت تكتشف المشكلة. القلب لا يلتزم بالوعود التي نقسمها ونحن مجروحون. --- في صباح الجمعة، رن جرس شقتها. لم تكن تنتظر أحدًا. فتحت الباب بحذر. وجدت آدم. تراجعت خطوة. "ماذا تفعل هنا؟" رفع كيسًا ورقيًا. "أحضرت فطورًا." "لماذا؟" "لأنك قلتِ أمس إنك لم تأكلي." "أنت تتذكر كل شيء." "ما يخصك، نعم." نظرت إليه. "لا يمكنك أن تأتي إلى بيتي بهذه الطريقة." "أعرف." "إذن لماذا أتيت؟" "لأعتذر." "عن ماذا؟" "عن أنني جعلتك تشعرين أنني أقترب أكثر مما تريدين." صمتت. قال: "إذا أردتِ مني أن أبتعد، سأبتعد." كانت الجملة هادئة. بلا ضغط. بلا محاولة لاستعطافها. وهذا جعلها أكثر ألمًا. لأنها اكتشفت أنها لا تريد منه أن يبتعد. قالت: "ادخل." رفع عينيه إليها. "متأكدة؟" "لا تجعلني أندم." دخل. وضعت الطعام على الطاولة. جلسا. لم يتحدثا في البداية. ثم قالت: "آدم." "نعم؟" "أنا لا أعرف ماذا يحدث." "ولا أنا." "هذا يخيفني." "وأنا أيضًا." نظرت إليه بدهشة. "أنت؟" "نعم." "لماذا؟" ابتسم. "لأنني للمرة الأولى لا أعرف كيف أنتهي." "ماذا تقصد؟" نظر إليها مباشرة. "أنا معتاد أن أعرف بداية كل شيء ونهايته." ثم سكت لحظة. "معك، لا أعرف النهاية." كانت تلك أول مرة تشعر فيها ليان أن الرجل الذي يبدو واثقًا إلى حد الغرور قد يكون خائفًا مثلها. وربما أكثر. مدت يدها نحو فنجان القهوة. لكن يدها توقفت في منتصف الطريق. كانت يد آدم قريبة. لم تلمسه. ولم يمد يده نحوها. بقيت المسافة بينهما كما هي. مسافة صغيرة جدًا. ومع ذلك، كانت تحمل كل ما لم يقلاه. قال آدم: "لن أطلب منك أن تحبيني اليوم." رفعت عينيها إليه. "ولا غدًا." ثم أضاف: "لكنني سأكون هنا ما دمتِ تريدينني هنا." سألته: "وماذا لو لم أرد؟" ابتسم بحزن. "سأرحل." "بسهولة؟" "لا." "إذن؟" "سأرحل بصعوبة." صمتت. وفي تلك اللحظة، فهمت ليان أن المشكلة لم تعد في آدم. المشكلة أنها بدأت تريد أن يبقى. وأن المرأة التي قضت ثلاث سنوات تبني جدارًا حول قلبها بدأت، دون أن تنتبه، تبحث عن باب. أما آدم، فلم يكن يعرف أن وراء ذلك الجدار قصة لم تخبره بها بعد. قصة ستغير كل شيء عندما يعرفها. وفي مكان بعيد من المدينة، كان رجل آخر يراقب اسم ليان على شاشة هاتفه. ثم قال: "إذن عادت إلى الحب." وأغلق الهاتف. كانت هناك أشياء من الماضي لم تمت. فقط انتظرت. وكان آدم، دون أن يعرف، قد بدأ يقترب من حياة امرأة لم تكن تخشى الحب وحده... بل تخشى الشخص الذي قد يعود معها من الماضي.الفصل العشرونالحقيقة التي تأخرت عشرين عامًالم تنم ليان طوال الليل.كانت جملة محمود الأخيرة تدور في رأسها بلا توقف:«هو ليس والدك فقط.»لم تكن تعرف ماذا يقصد.لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا.أنها لم تعد مستعدة لتصديق أي شخص لمجرد أنه يحمل اسمًا تعرفه أو وجهًا أحبته.جلست في غرفة المعيشة، والدفتر الأسود أمامها.كان آدم يقف بجوار النافذة.يوسف جلس في المقعد المقابل.أما سيف، أو كريم كما عرفوه لسنوات، فكان صامتًا تمامًا.لم يكن أحد منهم يعرف ماذا يقول.وأخيرًا قال آدم:"لن نذهب إلى الرجل الذي أرسل الصورة."رفعت ليان رأسها."لماذا؟""لأن محمود قال لا."قال يوسف:"ولأن محمود أخفى عنا أشياء كثيرة."نظر آدم إليه."أعرف."قال سيف:"المشكلة ليست في الرجل.""إذن في ماذا؟""في أن الرسالة وصلت إلى ليان وحدها."قالت:"ماذا تقصد؟"أجاب:"لو كان يريد مقابلتنا جميعًا، لكان أرسل الرسالة للجميع."قال آدم:"صحيح."قال يوسف:"إذن يريد ليان لسبب محدد."قالت ليان:"ربما لأنه أبي."صمت الجميع.قال سيف:"أو لأنه يريدك أن تظني ذلك."وضعت يدها على الدفتر."إذن لنذهب."قال آدم فورًا:"لا."نظرت إليه."لن أسمح لك
الفصل التاسع عشرتحت شجرة الليمونلم يكن الممر السري طويلًا.لكنه بدا لهم أطول من عشرين عامًا.كان ضيقًا، تتدلى من سقفه أسلاك قديمة، وتغطي جدرانه طبقة من الغبار، بينما كانت خطواتهم تتردد كأن شخصًا آخر يسير خلفهم.في المقدمة كان محمود.خلفه آدم.ثم ليان.ثم يوسف وكريم.لم يتحدث أحد.كان كل واحد منهم يحاول استيعاب حقيقة واحدة فقط:أصبحوا أربعة.أربعة أطفال فصلتهم يد واحدة، ثم أعادتهم إليها بعد سنوات طويلة.لكن ليان لم تستطع أن تتوقف عن النظر إلى كريم.أو إلى سيف.لم تكن تعرف أي الاسمَين يجب أن تناديه به.كان يمشي أمامها ببطء، كتفاه مثقلتان بشيء أكبر من جسده.ربما كان يحاول هو الآخر أن يفهم كيف يمكن لإنسان أن يقضي نصف حياته باسم، ثم يكتشف فجأة أن الاسم لم يكن له.اقتربت منه.قالت:"سيف."توقف.لم يلتفت.قالت مرة أخرى:"سيف."أغمض عينيه.ثم استدار.كانت عيناه ممتلئتين بشيء لم تره فيهما من قبل.الخوف.قال:"لا أعرف هذا الاسم."ابتسمت بحزن."لكنك كنت تحبه.""كنت طفلًا.""وأنا أيضًا.""هل تتذكرينني حقًا؟"اقتربت منه."أتذكر يدك."نظر إليها."يدي؟""كنت تمسك يدي عندما نخاف."سأل:"وماذا كنت أ
الفصل الثامن عشرأبي الذي عاد من الموتلم تتحرك ليان.كانت تنظر إلى الرجل الواقف أمامها، وكأن عقلها يرفض أن يمنح عينيها الإذن بتصديق ما تراه.الرجل لم يكن صورة.ولم يكن تسجيلًا قديمًا.ولم يكن ذكرى مدفونة في عقلها.كان حيًا.يقف أمامها.يتنفس.ينظر إليها بالطريقة نفسها التي كانت تتذكرها من طفولتها.نفس العينين.نفس الهدوء.حتى الندبة الصغيرة فوق حاجبه الأيسر كانت موجودة.الندبة التي كانت تلمسها بأصابعها عندما كانت طفلة وتسأله دائمًا:"هل تؤلمك؟"وكان يجيبها:"تؤلمني فقط عندما تخافين."ارتجفت شفتاها.قالت بصوت بالكاد خرج:"أبي؟"لم يجب.فقط نظر إليها.ثم تحرك خطوة.تراجعت هي.توقفت عيناه عند حركتها.وفهم.قال:"كنت أعرف أنك ستفعلين ذلك."سألته:"كيف؟""لأنك كبرتِ.""أنت حي.""نعم.""كل هذه السنوات؟""نعم.""كنت تراقبني؟"خفض رأسه."أحيانًا."ضحكت.لكن ضحكتها كانت مليئة بالألم."أحيانًا؟"لم يجب.اقترب آدم منه.قال:"أنت تعرف من أنا."رفع محمود عينيه إليه.ابتسم بحزن."عرفتك قبل أن تعرف نفسك.""أنت أبي.""نعم.""لماذا لم تقل لي؟""لأنني لم أكن أملك الحق."صرخ آدم:"أنا ابنك!""وأنا من س
الفصل السابع عشرالاسم الذي لم يكن يجب أن يكون هناكلم تفهم ليان.حدقت في الصفحة الأخيرة من الدفتر، ثم رفعت عينيها ببطء نحو مريم.كان الاسم واضحًا.ليان.لا مجال للخطأ.لا مجال لتفسير آخر.كان اسمها مكتوبًا بخط محمود، وتحت الاسم دائرة سوداء كثيفة، كأن الرجل الذي كتبها كان يريد أن يمنحها معنى أكبر من مجرد اسم.قال آدم بصوت خافت:"هذا مستحيل."لم تجبه.مد يده نحو الدفتر، لكنه لم يلمسه.قال:"ليان، انظري إليّ."رفعت عينيها إليه.كان وجهه هادئًا، لكنه لم يكن هدوءًا طبيعيًا.كان هدوء رجل يحاول أن يمنع نفسه من الانهيار.قال:"أنت لم تقتلي أبي."قالت:"لكن اسمي هنا.""أعرف.""ومحمود كتبه.""أعرف.""إذن ماذا يعني؟"نظر إلى مريم.قالت:"يعني أن محمود كان يعرف أنها ستصل إلى هذه الصفحة."قال آدم:"وهذا لا يفسر شيئًا."أجابت مريم:"بل يفسر كل شيء."اقتربت منها ليان."قولي."تنهدت مريم."اسمك لم يكن مكتوبًا باعتبارك قاتلة.""إذن؟""كان مكتوبًا باعتبارك المفتاح.""مفتاح ماذا؟"نظرت مريم إلى الدفتر."لمحمود عادة غريبة."قالت ليان:"أي عادة؟""كان عندما يخشى أن تقع أوراقه في يد شخص آخر، يكتب اسم الشخ
الفصل السادس عشرالرجل الذي كان قريبًاظل الهاتف في يد آدم بعد أن انقطع الاتصال.لم يقل شيئًا.ولم تسأله ليان في البداية.كانت تعرف أن بعض الأخبار تحتاج إلى لحظة صمت قبل أن تجد طريقها إلى الكلام.قالت أخيرًا:"أمك قالت إنك تعرف أخاك."لم يجب."وقالت إنه الرجل الذي قتل أبي."ظل صامتًا.ثم رفع عينيه إليها."كريم."قالت ليان:"هذا ما أفكر فيه.""وأنا أيضًا.""لكن كريم قال إن أخي هو شخص آخر.""كريم قال أشياء كثيرة.""وأنت؟"تنهد."أنا لم أعد أعرف من أصدق."كان ذلك أول اعتراف صريح بالخوف تسمعه منه.آدم الذي كان دائمًا يتقدم أمامها.آدم الذي كان يتعامل مع كل خطر كأنه شيء يمكن كسره.آدم الذي لم يسمح لنفسه يومًا بأن يبدو ضعيفًا.كان الآن واقفًا أمامها كإنسان فقد الخريطة.اقتربت منه."إذن لنصدق شيئًا واحدًا."نظر إليها."ماذا؟""أننا لن نسمح لهم بتفريقنا."ظل ينظر إليها.ثم ابتسم.ابتسامة صغيرة متعبة."أنت تعرفين أنني أحب هذه الجملة منك.""أي جملة؟""لن نسمح لهم."قالت:"لأنني أقصدها."أمسك يدها."وأنا أيضًا."---عادا إلى المنزل قبل الفجر بقليل.كانت نورا تنتظرهما.لكنها لم تكن وحدها.كانت مر
الفصل الخامس عشرالأخ الذي لم يمتلم تنم ليان تلك الليلة.لم تستطع.كانت مستلقية على السرير، وعيناها معلقتان بالسقف، بينما تتردد في رأسها جملة واحدة:كان لك أخ توأم.لم تكن تعرف لماذا كانت تلك الجملة تحديدًا أكثر رعبًا من كل ما عرفته خلال الأيام الماضية.ربما لأن الإنسان يستطيع أن يتقبل كذبة عن أبيه.يمكنه أن يكتشف أن شخصًا أحبه خانه.يمكنه حتى أن يعرف أن حياته كلها بُنيت على أسرار.لكن أن يخبرك أحدهم بأن شخصًا خرج من رحم أمك معك، ثم عاش في مكان ما من العالم دون أن تعرفه...فهذا ليس سرًا.هذا جزء مفقود من روحك.نهضت من السرير.فتحت النافذة.كان الفجر لم يظهر بعد، والمدينة غارقة في زرقة داكنة.في الجهة الأخرى من الغرفة كان آدم واقفًا.لم تنم عيناه هو الآخر.قال دون أن يلتفت:"كنت أعرف أنك لن تنامي."قالت:"وأنت؟""كنت أحاول أن أفهم.""هل تصدق ما قالته نور؟"استدار إليها."لا أعرف.""أنا أصدقها."اقترب."لماذا؟""لأنني منذ بدأت هذه القصة وأنا أشعر أن هناك شيئًا ناقصًا.""شيئًا في ماذا؟""في حياتي."جلس على حافة السرير.قال:"أنا أيضًا."نظرت إليه."هل تتذكر شيئًا عن طفولتك؟"صمت طويلًا.







