Share

٣

last update publish date: 2026-08-29 19:52:39

الفصل الثالث

الأشياء التي نخفيها عن الذين نحبهم

لم تسأل ليان آدم عن الرجل الذي كان ينتظرها في الماضي.

ليس لأنها لم تفهم معنى رسالته الأخيرة.

بل لأنها لم تكن مستعدة بعد لأن تفتح ذلك الباب.

كانت تعرف أن بعض الأسرار، حين نخرجها من أماكنها، لا تعود إلى أماكنها القديمة.

وظلت طوال ذلك اليوم تفكر في جملة واحدة قالها آدم:

"لن أطلب منك أن تحبيني اليوم."

كانت جملة بسيطة.

لكنها بقيت معها أكثر مما ينبغي.

في المساء، جلست أمام النافذة، والمدينة أسفلها تتحرك كأنها لا تعرف شيئًا عن الحروب الصغيرة التي يخوضها الناس داخل قلوبهم.

أمسكت هاتفها.

فتحت محادثته.

كتبت:

"وصلت؟"

ثم مسحتها.

كتبت:

"شكرًا على اليوم."

ثم مسحتها.

وضعت الهاتف جانبًا.

وبعد دقائق التقطته من جديد.

وجدت رسالة منه:

"هل ندمتِ لأنك سمحتِ لي بالدخول؟"

حدقت في الشاشة.

كتبت:

"لم أقل إنني سمحت."

جاء الرد:

"إذن ما زلت عند الباب."

ابتسمت.

كتبت:

"ربما."

"هذا يكفيني."

وضعت الهاتف.

لكن قلبها لم يضعه جانبًا.

---

في صباح اليوم التالي، كانت ليان في مكتبها حين دخلت مريم دون طرق.

قالت:

"لدينا مشكلة."

رفعت ليان رأسها.

"ما هي؟"

وضعت مريم هاتفها أمامها.

"شاهدي."

نظرت ليان إلى الشاشة.

كان هناك خبر منشور في أحد المواقع الاقتصادية.

صورة لآدم.

والعنوان:

"رجل الأعمال آدم السيوفي يقترب من عالم الأدب والفن."

لم تهتم.

ثم قرأت السطر التالي:

"مصادر تتحدث عن اهتمامه بوجه ثقافي شاب ظهر معه أكثر من مرة خلال الأيام الماضية."

شعرت بضيق في صدرها.

قالت:

"ما هذا؟"

"هذا ما أحاول معرفته."

"من نشره؟"

"صحفي يعرف آدم."

أغلقت ليان الهاتف.

"لا أريد هذا."

قالت مريم:

"هو لم يفعل شيئًا."

"لكن الناس ستفعل."

"ليان..."

"أنا لا أريد أن أكون خبرًا."

كانت تلك الجملة أكثر صدقًا مما أرادت.

هي لا تخشى آدم.

بل تخشى أن تصبح قصتها مع آدم ملكًا للآخرين.

أن يتحول الحب من شيء يخص شخصين إلى حكاية يتحدث عنها الغرباء.

قالت مريم:

"تحدثي معه."

"سأتحدث."

---

اتصلت به.

لم يجب.

انتظرت.

ثم اتصلت مرة أخرى.

لا شيء.

مرّت ساعة.

ثم ساعتان.

وفي الرابعة عصرًا، جاءها منه اتصال.

أجابت فورًا.

"أين كنت؟"

قال:

"في اجتماع."

"هناك خبر عني."

صمت.

ثم قال:

"رأيته."

"هل أنت من سرب الخبر؟"

"لا."

"متأكد؟"

"ليان."

"أريد إجابة."

قال بهدوء:

"لم أفعل."

شعرت بالخجل من شكها.

لكنها لم تعتذر.

قال:

"هل أنت غاضبة؟"

"نعم."

"مني؟"

"من كل شيء."

"ماذا تريدين مني أن أفعل؟"

"أن تتوقف عن الظهور معي أمام الناس."

صمت.

هذه المرة كان صمته طويلًا.

قال:

"حسنًا."

توقفت.

لم تتوقع أن يوافق بهذه السرعة.

"حسنًا؟"

"إذا كان هذا ما تريدينه."

"أنت لا تجادل."

"لأنني أريدك مرتاحة."

شعرت بشيء ينكسر داخلها.

قالت:

"شكرًا."

"ليان."

"نعم؟"

"لكنني لن أتوقف عن رؤيتك."

ابتسمت رغمًا عنها.

"لم أقل ذلك."

"أعرف."

ثم أغلق الهاتف.

وضعت يدها على وجهها.

كانت تكرهه أحيانًا لأنه يعرف كيف يجعلها تبتسم وهي غاضبة.

---

بعد أسبوع، اختفى آدم من المشهد العام.

لا مطاعم.

لا حفلات.

لا صور.

لا أخبار.

لكن رسائله لم تتوقف.

كان يرسل لها كتابًا كل يومين.

لا يكتب عليه شيئًا.

فقط يضعه أمامها بطريقة ما.

وفي كل مرة كانت تكتشف أنه اختار الكتاب بناءً على شيء قالته عرضًا.

مرة أخبرته أنها تحب الشعر القديم.

في اليوم التالي وجدت ديوانًا نادرًا على مكتبها.

ومرة قالت إنها تحب الكتب التي تتحدث عن المدن.

وصلها كتاب عن مدن لم تزرها.

وفي يوم قالت له:

"أنا أحب الرسائل."

فجاءها صندوق صغير.

فتحته.

كان مليئًا بأوراق بيضاء.

ضحكت.

اتصلت به.

"ما هذا؟"

قال:

"رسائل لم تُكتب بعد."

"ولماذا أرسلتها لي؟"

"لأنني أعتقد أن بيننا أشياء كثيرة لم نقلها."

احتفظت بالصندوق.

ولم تخبره أنها بدأت تكتب بالفعل.

كانت تكتب له أحيانًا.

ثم تطوي الورقة وتضعها في الصندوق.

رسائل لا ترسلها.

كأنها كانت تتدرب على الاعتراف.

---

في إحدى الليالي، طلب منها أن تلتقي به في مكان مختلف.

"أين؟"

قال:

"محطة القطار."

ضحكت.

"لماذا محطة القطار؟"

"لأنني أريد أن آخذك إلى مكان."

"إلى أين؟"

"لو أخبرتك فلن تكون مفاجأة."

"أنا لا أحب المفاجآت."

"أعرف."

"إذن؟"

"لذلك اخترت مكانًا تستطيعين العودة منه متى شئتِ."

وافقت.

في اليوم التالي وصلت إلى المحطة.

وجدته ينتظرها.

كان يرتدي قميصًا أبيض وسترة داكنة، بعيدًا عن أناقة البدلات التي اعتاد الناس رؤيته بها.

قال:

"أنتِ متأخرة."

"خمس دقائق."

"كنت أعدها."

"أنت غريب."

"أعرف."

صعدا القطار.

جلسا متقابلين.

تحرك القطار.

كانت القاهرة تتراجع خلف الزجاج.

سألته:

"إلى أين؟"

قال:

"الإسكندرية."

نظرت إليه.

"لماذا؟"

"قلتِ مرة إنك لم تذهبي إليها منذ سنوات."

"ومن قال إنني أريد الذهاب؟"

"أنا."

ضحكت.

"هذا ليس جوابًا."

"لأنني أريد أن أعرف المدينة التي أحببتِها قبل أن أعرفك."

صمتت.

كانت الجملة أجمل من أن ترد عليها.

---

بعد ساعتين، كانا يمشيان على البحر.

الهواء بارد.

والأمواج تضرب الصخور.

توقفت ليان.

نظر آدم إليها.

"ماذا؟"

قالت:

"لا أحب البحر."

"أعرف."

"ومع ذلك أحضرتني إليه."

"أردت أن أرى إن كنتِ ستغيرين رأيك."

"لن أغيره."

جلسا على مقعد بعيد.

ظل البحر أمامهما.

قال آدم:

"أخبريني عن أول شخص أحببته."

تصلبت ملامحها.

"لماذا؟"

"لأنني أريد أن أفهم خوفك."

"لا تحتاج."

"ربما."

ثم صمت.

قالت بعد وقت:

"كان اسمه كريم."

لم يتحرك.

لم يظهر الغيرة.

فقط استمع.

"كنا نعرف بعضنا منذ الجامعة."

سكتت قليلًا.

"أحببته."

كانت تلك أول مرة تقولها بصوت واضح منذ سنوات.

"وماذا حدث؟"

"انتهى."

"كيف؟"

نظرت إلى البحر.

"اكتشفت أنه كان يحب فكرة وجودي أكثر مما يحبني."

سكت آدم.

قالت:

"كان يحب أن أكون معه، أن أكون جزءًا من صورته، أن أكون المرأة التي يفتخر بها أمام الآخرين."

"ولم يحبك أنتِ؟"

"أعتقد أنه أحبني."

"لكن؟"

"لكنه لم يعرف كيف يحبني دون أن يمتلكني."

خفض آدم عينيه.

قال:

"وهذا هو خوفك مني."

لم تجب.

كان الجواب نعم.

قال:

"أن أصبح مثله."

"ربما."

"لن أفعل."

نظرت إليه.

"لا تعدني."

"لماذا؟"

"لأن الوعود سهلة."

قال:

"إذن لن أعدك."

"وماذا ستفعل؟"

"سأدعك ترين."

---

في طريق العودة، كان الليل قد حل.

جلست ليان بجوار النافذة.

كان آدم في المقعد المقابل.

لم يتحدثا كثيرًا.

لكن الصمت بينهما لم يعد ثقيلًا.

كان مريحًا.

وحين وصل القطار، خرجا معًا.

توقفت أمام السيارة.

قال:

"هل أراك غدًا؟"

"لا أعرف."

"حسنًا."

ثم فتح لها باب السيارة.

لكنها لم تدخل.

قالت:

"آدم."

"نعم؟"

"أنا سعيدة اليوم."

ابتسم.

"هذا يكفيني."

دخلت السيارة.

وقبل أن يغلق الباب، قالت:

"لكن لا تفسد الأمر."

ضحك.

"سأحاول."

---

في اليوم التالي، حدث ما لم تتوقعه.

كانت ليان تجلس في مكتبها عندما دخل رجل لم تره منذ سنوات.

توقفت أنفاسها.

كريم.

كان واقفًا أمامها.

لم يتغير كثيرًا.

ربما أصبح أكثر نضجًا.

لكن عينيه كانتا كما تتذكرهما.

قال:

"مرحبًا، ليان."

لم تستطع الرد.

قال:

"اشتقت إليك."

ابتلعت ريقها.

"ماذا تريد؟"

"أن نتحدث."

"ليس لدينا ما نتحدث عنه."

"بل لدينا."

اقترب خطوة.

"أنا لم أنسك."

ضحكت بمرارة.

"أنا فعلت."

"لا."

"ماذا؟"

"أنت لم تنسيني."

ثم أخرج هاتفه.

وأراها صورة.

كانت لها.

قديمة.

من أيام الجامعة.

شعرت بالغضب.

"احذفها."

"لماذا؟"

"لأنها من الماضي."

"وأنا أيضًا."

سكتت.

قال:

"لكنني أريد فرصة."

نظرت إليه.

"متأخر."

"أعرف."

"إذن لماذا جئت؟"

قال:

"لأنني عرفت أنك مع رجل آخر."

شعرت بالبرودة تسري في جسدها.

"هذا لا يعنيك."

"يعنيني."

"لا."

ثم اقترب منها وقال:

"لأنني أعرف هذا الرجل."

توقفت.

"ماذا تقصد؟"

قال:

"آدم السيوفي."

رفعت عينيها إليه.

"كيف تعرفه؟"

ابتسم.

"هذه قصة أطول مما تتخيلين."

---

في المساء، جلست ليان وحدها.

كانت كلمات كريم تعود إليها.

"أنا أعرف آدم السيوفي."

اتصلت بآدم.

أجاب من الرنة الأولى.

"ليان."

"أريد أن أسألك شيئًا."

"اسألي."

"هل تعرف كريم؟"

صمت.

صمت طويل.

حتى شعرت أن الصمت نفسه أصبح إجابة.

قال أخيرًا:

"نعم."

أغمضت عينيها.

"منذ متى؟"

"قبل أن أعرفك."

"كيف؟"

"الأمر معقد."

"أنا لا أحب هذه الكلمة."

"أعرف."

"أريد الحقيقة."

صمت.

ثم قال:

"غدًا."

"لماذا غدًا؟"

"لأنني أريد أن أخبرك وجهًا لوجه."

"قل الآن."

"لا."

"لماذا؟"

"لأنني لا أريد أن يكون أول اعتراف حقيقي بيننا عبر الهاتف."

أغلقت عينيها.

كان هناك شيء في صوته أخافها.

ليس لأنه بدا مذنبًا.

بل لأنه بدا حزينًا.

قال:

"ثقي بي حتى الغد."

ثم أغلق.

جلست ليان في الظلام.

وبجانبها كان صندوق الرسائل.

مدت يدها وأخرجت إحدى الأوراق التي كتبتها له.

فتحتها.

كانت قد كتبت:

"أخاف أن أحبك، لأنني لا أعرف إن كنت ستبقى عندما تعرف كل شيء عني."

نظرت إلى الكلمات.

ثم قلبت الورقة.

وأضافت:

"لكنني أخاف أكثر أن ترحل قبل أن تعرف أنني أحببتك فعلًا."

وضعتها في الصندوق.

وأغلقت الغطاء.

وفي مكان آخر، كان آدم يجلس وحده في مكتبه.

أمامه ملف قديم.

على غلافه اسم واحد:

كريم منصور.

فتح الملف.

توقفت عيناه عند صورة قديمة.

ثم همس:

"سامحيني يا ليان."

لأن الحقيقة التي لم تعرفها بعد كانت أكبر من مجرد معرفة قديمة.

كريم لم يكن مجرد رجل من ماضيها.

وآدم لم يدخل حياتها مصادفة.

وللمرة الأولى، بدأ الحب الذي ظنته بداية جديدة يكشف لها أن بعض البدايات...

تكون امتدادًا لقصة لم تنتهِ بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحبك رغم المسافة   ٢٠

    الفصل العشرونالحقيقة التي تأخرت عشرين عامًالم تنم ليان طوال الليل.كانت جملة محمود الأخيرة تدور في رأسها بلا توقف:«هو ليس والدك فقط.»لم تكن تعرف ماذا يقصد.لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا.أنها لم تعد مستعدة لتصديق أي شخص لمجرد أنه يحمل اسمًا تعرفه أو وجهًا أحبته.جلست في غرفة المعيشة، والدفتر الأسود أمامها.كان آدم يقف بجوار النافذة.يوسف جلس في المقعد المقابل.أما سيف، أو كريم كما عرفوه لسنوات، فكان صامتًا تمامًا.لم يكن أحد منهم يعرف ماذا يقول.وأخيرًا قال آدم:"لن نذهب إلى الرجل الذي أرسل الصورة."رفعت ليان رأسها."لماذا؟""لأن محمود قال لا."قال يوسف:"ولأن محمود أخفى عنا أشياء كثيرة."نظر آدم إليه."أعرف."قال سيف:"المشكلة ليست في الرجل.""إذن في ماذا؟""في أن الرسالة وصلت إلى ليان وحدها."قالت:"ماذا تقصد؟"أجاب:"لو كان يريد مقابلتنا جميعًا، لكان أرسل الرسالة للجميع."قال آدم:"صحيح."قال يوسف:"إذن يريد ليان لسبب محدد."قالت ليان:"ربما لأنه أبي."صمت الجميع.قال سيف:"أو لأنه يريدك أن تظني ذلك."وضعت يدها على الدفتر."إذن لنذهب."قال آدم فورًا:"لا."نظرت إليه."لن أسمح لك

  • حين أحبك رغم المسافة   ١٩

    الفصل التاسع عشرتحت شجرة الليمونلم يكن الممر السري طويلًا.لكنه بدا لهم أطول من عشرين عامًا.كان ضيقًا، تتدلى من سقفه أسلاك قديمة، وتغطي جدرانه طبقة من الغبار، بينما كانت خطواتهم تتردد كأن شخصًا آخر يسير خلفهم.في المقدمة كان محمود.خلفه آدم.ثم ليان.ثم يوسف وكريم.لم يتحدث أحد.كان كل واحد منهم يحاول استيعاب حقيقة واحدة فقط:أصبحوا أربعة.أربعة أطفال فصلتهم يد واحدة، ثم أعادتهم إليها بعد سنوات طويلة.لكن ليان لم تستطع أن تتوقف عن النظر إلى كريم.أو إلى سيف.لم تكن تعرف أي الاسمَين يجب أن تناديه به.كان يمشي أمامها ببطء، كتفاه مثقلتان بشيء أكبر من جسده.ربما كان يحاول هو الآخر أن يفهم كيف يمكن لإنسان أن يقضي نصف حياته باسم، ثم يكتشف فجأة أن الاسم لم يكن له.اقتربت منه.قالت:"سيف."توقف.لم يلتفت.قالت مرة أخرى:"سيف."أغمض عينيه.ثم استدار.كانت عيناه ممتلئتين بشيء لم تره فيهما من قبل.الخوف.قال:"لا أعرف هذا الاسم."ابتسمت بحزن."لكنك كنت تحبه.""كنت طفلًا.""وأنا أيضًا.""هل تتذكرينني حقًا؟"اقتربت منه."أتذكر يدك."نظر إليها."يدي؟""كنت تمسك يدي عندما نخاف."سأل:"وماذا كنت أ

  • حين أحبك رغم المسافة   ١٨

    الفصل الثامن عشرأبي الذي عاد من الموتلم تتحرك ليان.كانت تنظر إلى الرجل الواقف أمامها، وكأن عقلها يرفض أن يمنح عينيها الإذن بتصديق ما تراه.الرجل لم يكن صورة.ولم يكن تسجيلًا قديمًا.ولم يكن ذكرى مدفونة في عقلها.كان حيًا.يقف أمامها.يتنفس.ينظر إليها بالطريقة نفسها التي كانت تتذكرها من طفولتها.نفس العينين.نفس الهدوء.حتى الندبة الصغيرة فوق حاجبه الأيسر كانت موجودة.الندبة التي كانت تلمسها بأصابعها عندما كانت طفلة وتسأله دائمًا:"هل تؤلمك؟"وكان يجيبها:"تؤلمني فقط عندما تخافين."ارتجفت شفتاها.قالت بصوت بالكاد خرج:"أبي؟"لم يجب.فقط نظر إليها.ثم تحرك خطوة.تراجعت هي.توقفت عيناه عند حركتها.وفهم.قال:"كنت أعرف أنك ستفعلين ذلك."سألته:"كيف؟""لأنك كبرتِ.""أنت حي.""نعم.""كل هذه السنوات؟""نعم.""كنت تراقبني؟"خفض رأسه."أحيانًا."ضحكت.لكن ضحكتها كانت مليئة بالألم."أحيانًا؟"لم يجب.اقترب آدم منه.قال:"أنت تعرف من أنا."رفع محمود عينيه إليه.ابتسم بحزن."عرفتك قبل أن تعرف نفسك.""أنت أبي.""نعم.""لماذا لم تقل لي؟""لأنني لم أكن أملك الحق."صرخ آدم:"أنا ابنك!""وأنا من س

  • حين أحبك رغم المسافة   ١٧

    الفصل السابع عشرالاسم الذي لم يكن يجب أن يكون هناكلم تفهم ليان.حدقت في الصفحة الأخيرة من الدفتر، ثم رفعت عينيها ببطء نحو مريم.كان الاسم واضحًا.ليان.لا مجال للخطأ.لا مجال لتفسير آخر.كان اسمها مكتوبًا بخط محمود، وتحت الاسم دائرة سوداء كثيفة، كأن الرجل الذي كتبها كان يريد أن يمنحها معنى أكبر من مجرد اسم.قال آدم بصوت خافت:"هذا مستحيل."لم تجبه.مد يده نحو الدفتر، لكنه لم يلمسه.قال:"ليان، انظري إليّ."رفعت عينيها إليه.كان وجهه هادئًا، لكنه لم يكن هدوءًا طبيعيًا.كان هدوء رجل يحاول أن يمنع نفسه من الانهيار.قال:"أنت لم تقتلي أبي."قالت:"لكن اسمي هنا.""أعرف.""ومحمود كتبه.""أعرف.""إذن ماذا يعني؟"نظر إلى مريم.قالت:"يعني أن محمود كان يعرف أنها ستصل إلى هذه الصفحة."قال آدم:"وهذا لا يفسر شيئًا."أجابت مريم:"بل يفسر كل شيء."اقتربت منها ليان."قولي."تنهدت مريم."اسمك لم يكن مكتوبًا باعتبارك قاتلة.""إذن؟""كان مكتوبًا باعتبارك المفتاح.""مفتاح ماذا؟"نظرت مريم إلى الدفتر."لمحمود عادة غريبة."قالت ليان:"أي عادة؟""كان عندما يخشى أن تقع أوراقه في يد شخص آخر، يكتب اسم الشخ

  • حين أحبك رغم المسافة   ١٦

    الفصل السادس عشرالرجل الذي كان قريبًاظل الهاتف في يد آدم بعد أن انقطع الاتصال.لم يقل شيئًا.ولم تسأله ليان في البداية.كانت تعرف أن بعض الأخبار تحتاج إلى لحظة صمت قبل أن تجد طريقها إلى الكلام.قالت أخيرًا:"أمك قالت إنك تعرف أخاك."لم يجب."وقالت إنه الرجل الذي قتل أبي."ظل صامتًا.ثم رفع عينيه إليها."كريم."قالت ليان:"هذا ما أفكر فيه.""وأنا أيضًا.""لكن كريم قال إن أخي هو شخص آخر.""كريم قال أشياء كثيرة.""وأنت؟"تنهد."أنا لم أعد أعرف من أصدق."كان ذلك أول اعتراف صريح بالخوف تسمعه منه.آدم الذي كان دائمًا يتقدم أمامها.آدم الذي كان يتعامل مع كل خطر كأنه شيء يمكن كسره.آدم الذي لم يسمح لنفسه يومًا بأن يبدو ضعيفًا.كان الآن واقفًا أمامها كإنسان فقد الخريطة.اقتربت منه."إذن لنصدق شيئًا واحدًا."نظر إليها."ماذا؟""أننا لن نسمح لهم بتفريقنا."ظل ينظر إليها.ثم ابتسم.ابتسامة صغيرة متعبة."أنت تعرفين أنني أحب هذه الجملة منك.""أي جملة؟""لن نسمح لهم."قالت:"لأنني أقصدها."أمسك يدها."وأنا أيضًا."---عادا إلى المنزل قبل الفجر بقليل.كانت نورا تنتظرهما.لكنها لم تكن وحدها.كانت مر

  • حين أحبك رغم المسافة   ١٥

    الفصل الخامس عشرالأخ الذي لم يمتلم تنم ليان تلك الليلة.لم تستطع.كانت مستلقية على السرير، وعيناها معلقتان بالسقف، بينما تتردد في رأسها جملة واحدة:كان لك أخ توأم.لم تكن تعرف لماذا كانت تلك الجملة تحديدًا أكثر رعبًا من كل ما عرفته خلال الأيام الماضية.ربما لأن الإنسان يستطيع أن يتقبل كذبة عن أبيه.يمكنه أن يكتشف أن شخصًا أحبه خانه.يمكنه حتى أن يعرف أن حياته كلها بُنيت على أسرار.لكن أن يخبرك أحدهم بأن شخصًا خرج من رحم أمك معك، ثم عاش في مكان ما من العالم دون أن تعرفه...فهذا ليس سرًا.هذا جزء مفقود من روحك.نهضت من السرير.فتحت النافذة.كان الفجر لم يظهر بعد، والمدينة غارقة في زرقة داكنة.في الجهة الأخرى من الغرفة كان آدم واقفًا.لم تنم عيناه هو الآخر.قال دون أن يلتفت:"كنت أعرف أنك لن تنامي."قالت:"وأنت؟""كنت أحاول أن أفهم.""هل تصدق ما قالته نور؟"استدار إليها."لا أعرف.""أنا أصدقها."اقترب."لماذا؟""لأنني منذ بدأت هذه القصة وأنا أشعر أن هناك شيئًا ناقصًا.""شيئًا في ماذا؟""في حياتي."جلس على حافة السرير.قال:"أنا أيضًا."نظرت إليه."هل تتذكر شيئًا عن طفولتك؟"صمت طويلًا.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status