LOGIN
الفصل الأول
الرجل الذي لم يشترِ كتابًا كانت ليان تؤمن أن بعض اللقاءات لا تبدأ حين نرى أصحابها، بل قبل ذلك بكثير. ربما تبدأ حين نقرأ جملة تشبهنا في كتاب لا نعرف لماذا اخترناه. أو حين نسمع أغنية في سيارة أجرة، فنشعر فجأة أن الكلمات كُتبت لنا وحدنا. أو حين نغير طريقنا المعتاد دون سبب واضح، ثم نكتشف أن الطريق الجديد كان ينتظر شخصًا لم نكن نعرف أننا سنلتقيه. لهذا، عندما استيقظت ليان في ذلك الصباح، لم تكن تعرف أن يومها قد قرر أن يغيّر شيئًا في حياتها. كل ما كانت تعرفه أنها تأخرت عشر دقائق عن موعدها. وعشر دقائق بالنسبة لامرأة مثل ليان كانت كافية لتجعلها تشعر بأنها فقدت السيطرة على اليوم كله. فتحت عينيها على ضوء شاحب يتسلل من بين ستائر غرفتها. ظلت للحظات تحدق في السقف، قبل أن تمد يدها نحو الهاتف. السابعة وأربعون دقيقة. جلست في سريرها دفعة واحدة. "ممتاز." قالتها لنفسها بسخرية. اليوم هو افتتاح معرض الكتاب الذي عملت عليه منذ أكثر من شهر، وهي التي يفترض أن تكون أول الموجودين. لكنها كانت قد قضت نصف الليل تقرأ رواية جديدة، رغم أنها أقنعت نفسها بأن الفصل الأخير فقط هو الذي يستحق القراءة. وكانت تعرف، مثل كل القراء، أن عبارة "الفصل الأخير فقط" واحدة من أكثر الأكاذيب التي نصدقها بإرادتنا. نهضت واتجهت إلى الحمام. لم تكن ليان من النساء اللواتي يقفن طويلًا أمام المرآة. كانت تعرف وجهها جيدًا. وجه هادئ، عينان واسعتان تحملان شيئًا من الحزن حتى حين تبتسم، وشعر بني طويل كانت تتركه غالبًا منسدلًا على كتفيها. كانت في التاسعة والعشرين. العمر الذي يبدأ فيه الناس بسؤال المرأة عن الزواج كما لو كان مشروعًا تأخر موعد تسليمه. لكن ليان كانت قد توقفت عن الإجابة. في البداية كانت تقول: "لم أجد الشخص المناسب." ثم أصبحت تقول: "ليس الآن." ثم، بعد سنوات من الأسئلة نفسها، اكتفت بابتسامة. فالناس لا يريدون إجابة. إنهم يريدون قصة. وليان لم تعد ترغب في إعطاء أحد قصتها. ارتدت فستانًا أسود بسيطًا، فوقه معطف بلون بيج، وتركت شعرها كما هو. وقبل أن تخرج، عادت إلى غرفتها والتقطت رواية كانت ملقاة على الطاولة. ترددت قليلًا. ثم وضعتها في حقيبتها. لم تكن تعرف لماذا أخذتها. ربما لأنها كانت تشعر أن بعض الكتب تصلح كرفاق سفر. أغلقت باب شقتها خلفها، ونزلت الدرج بدلًا من انتظار المصعد. كانت تحب الدرج. الصعود والنزول بين الطوابق يمنحها وقتًا قصيرًا لترتيب أفكارها. أما المصعد، فكان سريعًا أكثر مما ينبغي. وفي حياتها، لم تكن ليان تحب الأشياء السريعة. لا الحب. ولا الوعود. ولا الرجال الذين يتحدثون عن المستقبل في اللقاء الأول. خرجت إلى الشارع. كانت القاهرة قد بدأت يومها بالفعل. السيارات تتدافع. المقاهي تمتلئ. أصوات الباعة تتداخل مع أبواق السيارات. والشمس تحاول أن تثبت وجودها خلف طبقة خفيفة من الغيوم. استقلت سيارة أجرة، وجلست في المقعد الخلفي. قال السائق: "رايحة فين؟" أعطته العنوان. ثم أخرجت هاتفها. رسالة من صديقتها مريم: "أين أنت؟" كتبت: "في الطريق." جاء الرد سريعًا: "أنتِ دائمًا في الطريق." ابتسمت ليان. كتبت: "لأنني لا أحب الوصول." "كذابة." "لماذا؟" "لأنك منذ ثلاث سنوات تهربين من الوصول إلى شيء واحد فقط." توقفت أصابع ليان فوق الشاشة. لم تحتج أن تسألها ما هو. كانت تعرف. الحب. أغلقت المحادثة. وأدارت وجهها نحو النافذة. كانت هناك أشياء لا تريد حتى التفكير فيها. الأفضل أن تظل بعض الأبواب مغلقة. ليس لأن خلفها أشباحًا. بل لأننا نعرف أننا إذا فتحناها، فسندخل مرة أخرى. --- كان المعرض مزدحمًا عندما وصلت. نزلت من السيارة، حملت حقيبتها، ودخلت المبنى. وجدت مريم تنتظرها عند المدخل. كانت مريم أقصر منها بقليل، وأكثر صخبًا منها بكثير. قالت فور رؤيتها: "أخيرًا!" "صباح الخير." "لا يوجد صباح خير. هناك كارثة." "ما الكارثة؟" "المدير يريدك." "هذا ليس جديدًا." "بل الجديد أن هناك رجلًا ينتظرك منذ نصف ساعة." رفعت ليان حاجبها. "رجل؟" "رجل." "ماذا يريد؟" "لا أعرف." "كيف شكله؟" ابتسمت مريم. "آه، وصلنا إلى السؤال المهم." "لم أسأل لهذا السبب." "طبعًا." ثم اقتربت منها وقالت: "طويل." "وماذا أيضًا؟" "وسيم." تنهدت ليان. "كل الرجال في رأيك وسيمون." "ليس كلهم." "إذن؟" "هذا تحديدًا يستحق أن تتأخري عن العمل من أجله." ضحكت ليان رغمًا عنها. "أنا لا أتأخر من أجل الرجال." "أعرف. الرجال هم الذين يتأخرون من أجلك." نظرت إليها ليان نظرة تحذير. "مريم." "حسنًا، حسنًا." ثم أشارت إلى القاعة. "إنه هناك." دخلت ليان القاعة. كان معرض الكتب يبدو كمدينة صغيرة. أرفف طويلة. طاولات تحمل إصدارات جديدة. ملصقات على الجدران. قراء يتنقلون بين الكتب. طلاب يحملون أكياسًا مليئة بالروايات. أطفال يركضون بين الممرات. ورائحة الورق الجديدة تختلط برائحة القهوة. كانت ليان تحب هذه الفوضى. الكتب وحدها كانت قادرة على جعل الفوضى تبدو جميلة. تقدمت نحو الجناح الذي تعمل فيه. ثم رأته. كان واقفًا أمام رف الروايات العربية. لم يكن يفعل شيئًا. وهذا أكثر ما لفت انتباهها. لم يكن يقلب الكتب. لم يكن يقرأ العناوين. كان فقط واقفًا، كأنه ينتظر شيئًا. كان في أواخر الثلاثينيات. طويلًا، عريض الكتفين، يرتدي بدلة رمادية داكنة دون ربطة عنق. ساعته تبدو باهظة. حذاؤه لامع. لكن أكثر ما لفت انتباهها كان هدوءه. ذلك النوع من الهدوء الذي لا يشبه اللامبالاة. بل يشبه رجلًا اعتاد أن يعرف ماذا يريد. وحين اقتربت منه، رفع عينيه. التقت عيناه بعينيها. لم يبتسم. ولم تقل شيئًا. كانت لحظة قصيرة. لكنها بدت أطول مما ينبغي. قالت: "هل تبحث عن كتاب معين؟" نظر إلى الرف، ثم عاد إليها. "ربما." "ما عنوانه؟" "لم أجده بعد." "كيف تعرف إذن أنك تبحث عنه؟" ظهرت ابتسامة صغيرة عند طرف فمه. "لأنني أعرف ما أشعر به عندما أجده." لم يعجبها الرد. أو ربما أعجبها أكثر مما ينبغي. قالت: "هذه ليست طريقة جيدة لشراء الكتب." "أنا لا أشتري الكتب عادة." نظرت إلى يده. لم يكن يحمل كتابًا. "إذن ماذا تفعل هنا؟" قال بهدوء: "أبحث." "عن ماذا؟" "عن امرأة." سكتت. ثم قالت: "أظن أنك أخطأت المكان." ضحك للمرة الأولى. وكانت ضحكته هادئة، قصيرة. "ربما." "المعرض مليء بالنساء." "لكن واحدة فقط هي التي أبحث عنها." لم تعرف ماذا تقول. فقال: "ليان؟" تجمدت. "من أخبرك باسمي؟" "مريم." نظرت خلفها. كانت مريم تقف بعيدًا وتراقبهما، وعندما التقت عيناها بعيني ليان، ابتسمت ابتسامة عريضة ثم اختفت بين الناس. تمتمت ليان: "سأقتلها." قال الرجل: "لا أنصحك." نظرت إليه. "ولماذا؟" "لأنها الوحيدة التي جعلتني أعرف أنك هنا." "وهذا يفترض أن يجعلني أشكرها؟" "ربما." "وأنت؟" "آدم." قالها وكأنه لا يحتاج إلى أكثر. لكن ليان كانت قد سمعت اسمه من قبل. آدم السيوفي. رجل أعمال ظهر اسمه كثيرًا في الصحف الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة. استثمارات. شركات. فنادق. مشروعات عقارية. لم تكن تهتم بعالم رجال الأعمال. لكنها كانت تعرف اسمه. قالت: "أنت آدم السيوفي." "للأسف." ابتسمت. "لماذا للأسف؟" "لأنني كنت أفضل أن أكون مجرد آدم." "وماذا يمنعك؟" "الناس." ثم أضاف: "وأنت؟ هل تستطيعين أن تكوني مجرد ليان؟" سؤال غريب. سؤال لا يحق له أن يسأله في اللقاء الأول. ومع ذلك، لم تجد ليان إجابة جاهزة. قالت: "أنا دائمًا مجرد ليان." نظر إليها طويلًا. ثم قال: "لا أظن." وقبل أن تسأله ماذا يقصد، جاء صوت من خلفهما. "أستاذة ليان، المدير يريدك الآن." التفتت. ثم عادت بعينيها إلى آدم. "سعدت بلقائك." قال: "لم تقولي ذلك." "ماذا؟" "لم تقولي سعدت بلقائك." "لأنني لم أشعر بذلك بعد." للمرة الثانية ابتسم. "إذن سأنتظر." "لا تنتظر." "أنا جيد في الانتظار." ثم ابتعدت. لكنها، وهي تسير نحو مكتب المدير، شعرت بنظراته تتبعها. ولم تلتفت. كانت تعرف أن الالتفات هو أول تنازل. وهي لم تكن مستعدة لتقديم تنازلات لرجل لا تعرف عنه سوى اسمه. --- استمر اليوم طويلًا. مقابلات. قراء. صحفيون. مناقشات. توقيعات. مئات الأسئلة. لكن وسط كل ذلك، كان هناك شيء واحد يتسلل إلى ذهنها رغمًا عنها. آدم. كانت تحاول ألا تفكر فيه. فكانت تفكر فيه أكثر. في الساعة الخامسة، خرجت من الجناح وهي تحمل كوب قهوة. وجدته جالسًا في مقهى صغير داخل المعرض. وحده. أمامه كتاب. توقفت. لماذا لا يغادر؟ ثم انتبهت إلى الكتاب. كان هو نفسه الكتاب الذي كانت قد أخذته من شقتها صباحًا. اقتربت. قال دون أن يرفع عينيه: "كتاب جيد." نظرت إليه. "من أين حصلت عليه؟" "اشتريته." "قلت إنك لا تشتري الكتب." "غيرت رأيي." "بسرعة." "أحيانًا يستحق الإنسان أن يغير رأيه." جلست أمامه دون أن تعرف لماذا. وضع الكتاب على الطاولة. قال: "أنتِ لا تحبين القهوة عندما تكون باردة." نظرت إلى كوبها. كان باردًا بالفعل. "كيف عرفت؟" "منذ ساعة وأنتِ تحملين الكوب نفسه." "كنت تراقبني؟" "كنت أراك." "هذا فرق؟" "كبير." لم تعرف لماذا شعرت بالارتباك. قالت: "ماذا تريد مني يا آدم؟" كانت تلك أول مرة تناديه باسمه. لاحظ ذلك. فقال: "سؤال مباشر." "أنا لا أحب الدوران." "وأنا لا أحب أن أكذب." "إذن؟" مال إلى الخلف. "أريد أن أتعرف عليك." ضحكت ضحكة قصيرة. "وهذا كل شيء؟" "في الوقت الحالي." "ولماذا أنا؟" "لأنك لا تنظرين إليّ كما ينظر الآخرون." "وكيف ينظر إليك الآخرون؟" "بما أملك." "وأنا؟" "تنظرين إليّ كأنك تحاولين معرفة ما أخفيه." صمتت. قالت: "ربما لأنني لا أثق بالرجال الذين يملكون كل شيء." "وأنا لا أثق بالنساء اللواتي لا يردن شيئًا." "أنا لا أريد شيئًا منك." "هذا تحديدًا ما يعجبني." رفعت حاجبها. "أنت متناقض." "وأنتِ متحفزة." "أنا حذرة." "من ماذا؟" توقفت. ثم قالت: "من الأشخاص الذين يدخلون حياتي وهم يظنون أنهم يستطيعون تغييرها." أصبح وجهه أكثر جدية. قال: "وأنا لا أريد تغيير حياتك." "ماذا تريد؟" "أن أكون جزءًا منها." صمتت. كانت الجملة بسيطة. لكنها لم تكن بريئة. نهضت. "يجب أن أذهب." "إلى أين؟" "إلى البيت." "هل أوصلك؟" "لا." "سيارة؟" "لا." "إذن سأكتفي بأن أقول لك مساء الخير." نظرت إليه. "مساء الخير." قال: "ليان." توقفت. "نعم؟" "الكتاب الذي معك صباحًا." "ماذا عنه؟" "أعيديه لي." "لماذا؟" "لأنني اشتريته." ابتسمت للمرة الأولى بصدق. "ليس ملكك." "كيف؟" "لأنني اشتريته قبلك." "إذن..." توقفت. قال: "نحتاج إلى تسوية." "أي تسوية؟" "نتقابل مرة أخرى." نظرت إليه طويلًا. ثم قالت: "هذا ليس تفاوضًا." "أعرف." "ومع ذلك تقوله كأنه كذلك." "لأنني رجل أعمال." "وأنا لست صفقة." "أعرف." قالها هذه المرة دون ابتسامة. "ولهذا تحديدًا لا أريد أن أتعامل معك كصفقة." خرجت. وفي الطريق إلى الباب، كانت غاضبة من نفسها. ليس منه. من نفسها. لأنها كانت تبتسم. --- في الخارج، كانت السماء قد بدأت تمطر. وقفت ليان تحت المظلة أمام المعرض. أخرجت هاتفها. وجدت رسالة من مريم: "لا تسأليني." كتبت: "ماذا فعلتِ؟" "أنا؟ لا شيء." "مريم." "حسنًا... قلت له إنك هنا." "ولماذا؟" "لأنه سأل عنك." "كان يستطيع أن يسألني." "وأنا أحب قصص الحب." كتبت ليان: "هذه ليست قصة حب." جاء الرد: "كل قصة حب تبدأ بهذه الجملة." أغلقت الهاتف. ثم بدأت تمشي تحت المطر. كانت قد قطعت نصف الطريق تقريبًا عندما سمعت صوت سيارة تسير ببطء إلى جوارها. تجاهلتها. ثم توقفت السيارة. انخفض زجاج النافذة. آدم. قال: "ليان." تابعت السير. "سأتركك وشأنك، لكن على الأقل خذي المظلة." نظرت إلى يده. كان يحمل مظلة سوداء. قالت: "وأنت؟" "لدي أخرى." "هل تحمل مظلتين دائمًا؟" "لا." "إذن؟" "اشتريت هذه منذ خمس دقائق." ضحكت رغمًا عنها. "أنت رجل غريب." "قيل لي ذلك." مد يده بالمظلة. ترددت. ثم أخذتها. قال: "احتفظي بها." "سأعيدها." "أعرف." "متى؟" نظر إليها. "عندما تريدين أن تريني مرة أخرى." أغلقت المظلة بسرعة. ثم مشت. لكنها هذه المرة لم تكن غاضبة. كانت خائفة. ليس منه. بل من نفسها. --- في تلك الليلة، عادت ليان إلى شقتها في الحادية عشرة. وضعت حقيبتها على الأريكة. خلعت معطفها. ثم تذكرت المظلة. كانت لا تزال في يدها. وضعتها قرب الباب. دخلت المطبخ وأعدت كوب شاي. ثم جلست قرب النافذة. كان المطر ما يزال يهطل. أخرجت الكتاب من حقيبتها. فتحته. وجدت ورقة صغيرة بين صفحاته. توقفت. لم تكن الورقة موجودة صباحًا. فتحتها. كان مكتوبًا عليها بخط واضح: "بعض الناس نلتقيهم لأننا نبحث عنهم، وبعضهم لأنهم يبحثون عنا." عرفت الخط. آدم. وضعت الورقة على الطاولة. ثم عادت إلى الكتاب. لكنها لم تستطع القراءة. ظلت عيناها معلقتين بالسطر نفسه. بعد دقائق، أخذت هاتفها. فتحت جهات الاتصال. لم يكن رقمه موجودًا. فجأة وصلتها رسالة. رقم مجهول. "هل وصلتِ؟" نظرت إلى الشاشة. كتبت: "كيف حصلت على رقمي؟" جاء الرد: "لدي طرق كثيرة." حذفت الرسالة. ثم أعاد إرسال واحدة: "تصبحين على خير، ليان." وضعت الهاتف جانبًا. ثم عادت وأخذته. كتبت: "وأنت من أهله." توقفت. حدقت في الرسالة طويلًا. ثم ضغطت إرسال. بعدها وضعت الهاتف بعيدًا كأنها ارتكبت خطأ. لكنها ابتسمت. وفي مكان آخر من المدينة، كان آدم ينظر إلى الرسالة نفسها. قرأها مرة. ثم مرة ثانية. ولأول مرة منذ سنوات، شعر أن امرأة لا تعرفه استطاعت أن تجعله ينتظر كلمة واحدة منها طوال اليوم. أما ليان، فكانت تعرف شيئًا واحدًا فقط. أنها في الصباح لم تكن تعرف آدم. وفي الليل أصبح لاسمه مكان في هاتفها. وكان ذلك، بالنسبة لامرأة مثلها، بداية خطيرة جدًا. لأن الحب لا يبدأ دائمًا بقبلة. أحيانًا يبدأ برسالة قصيرة. بمظلة سوداء. بكتاب مشترك. وبرجل يقول لك إنه لا يريد تغيير حياتك... ثم يقضي بقية الأيام محاولًا أن يصبح أجمل جزء فيها.الفصل 50: الاسم الذي سبق عابدكان الظلام كاملًا.معتز واقف في مكانه، وظهره ناحية الباب، وصوت الشخص المجهول لسه بيرن في ودانه.معتز:"مين؟"ماجاش رد.معتز:"أنا عارف إنك هنا."صمت.معتز مد إيده ناحية الدرج، وقفل القفل بسرعة.الصوت:"بتخبّي الاسم لحد إمتى؟"معتز اتجمد.معتز:"إنت عارف إن الاسم مش بتاعك."الصوت:"ولا بتاعك."معتز:"إنت مش فاهم."الصوت:"أنا فاهم أكتر منك."معتز:"لو كنت فاهم، ما كنتش جيت هنا."الصوت:"أنا ما جيتش عشان الاسم."معتز:"أمال؟"الصوت:"جيت عشان آدم."معتز شد قبضته.معتز:"ابعد عنه."الصوت:"إنت اللي قربته من كل ده."معتز:"أنا حميته."الصوت:"أنت دفنته."معتز:"دفنت اسمه، مش ابني."الصوت:"والفرق إيه؟"معتز:"الفرق إن ابني لسه عايش."سكت الصوت لحظة.ثم قال:"لكن دلوقتي هو بيدور."معتز:"وعشان كده لازم تسيبه."الصوت:"هو خلاص وصل."معتز:"لسه."الصوت:"عرف سليم."معتز:"عارف."الصوت:"وعرف إنه أول عابد."معتز:"عارف."الصوت:"وعرف إن فيه واحد قبله."معتز سكت.الصوت:"وهنا المشكلة."معتز:"هو لسه ما يعرفش الاسم."الصوت:"بس هيفتكره."معتز:"مش لو أنا وصلت له ال
الفصل 49: الحارس رقم سبعةكان المفتاح الصغير لسه واقع على الأرض قدام آدم وليان.رقم سبعة محفور عليه بوضوح.آدم انحنى والتقطه.ليان:"ما تمسكوش."آدم:"ليه؟"ليان:"إنت مش شايف إن كل مفتاح لمسناه فتح لنا مصيبة؟"آدم:"ده مفتاح."ليان:"لا، ده مفتاح في دار النور."آدم:"ودي نقطة مهمة."ليان:"مهمة ليه؟"آدم:"لأن كل مفاتيح المرآة كانت بتفتح أبواب."ليان:"والباب ده هيفتح إيه؟"آدم:"مش عارف."ليان:"يبقى ما نستخدموش دلوقتي."آدم:"متأكدة؟"ليان:"أيوه."آدم:"مع إنك من شوية كنتِ بتقولي نفتش كل حاجة."ليان:"أيوه، بس مش كل حاجة لازم نفتحها أول ما نلاقيها."آدم:"بدأتي تتعلمي."ليان:"أنا اتعلمت منك."آدم:"ودي مش مجاملة."ليان:"ولا هي مجاملة."ابتسم آدم رغم التوتر.ثم رفع المفتاح أمام الضوء.آدم:"سبعة."ليان:"نفس الرقم."آدم:"الخاتم."ليان:"وسيدون."آدم:"وسليم."ليان:"وسليم عابد."آدم:"الاسم اللي افتكرته."ليان:"بس لسه مش عندنا دليل إن سيدون هو سليم عابد."آدم:"عندي وجهه."ليان:"إنت شفته في ذكرى طفل."آدم:"وشفته بعد كده في صورة."ليان:"الصورة ممكن تكون مزورة."آدم:"وعشان كد
الفصل 48: أول عابدنزل آدم وليان الدرج المؤدي للمشرحة القديمة، وكل درجة كانت بتصدر صوت مكتوم كأن المبنى نفسه بيحاول يحذرهم من الاستمرار.آدم:"إنتِ سامعة؟"ليان:"سامعة إيه؟"آدم:"الصوت."ليان:"صوت إيه؟"آدم:"مش عارف."ليان:"يمكن المواسير."آدم:"لأ."ليان:"إنت متأكد؟"آدم:"أيوه."ليان:"طب وقف."وقف آدم.سكت الاتنين.المكان رجع هادي تمامًا.ليان:"مفيش حاجة."آدم:"كان فيه صوت."ليان:"يمكن ذاكرتك."آدم:"ممكن."ليان:"إحنا من أول ما دخلنا هنا وإنت بتفتكر حاجات مش موجودة قدامك."آدم:"لأن المكان ده مرتبط بيا."ليان:"أو مرتبط بمعتز."آدم:"أو بالاتنين."ليان:"نكمل؟"آدم:"نكمل."واصلوا النزول.وصلوا إلى باب حديدي عريض.كان مكتوبًا عليه بخط قديم:"المشرحة القديمة — ممنوع الدخول."ليان:"واضح إننا أول ناس مش هتلتزم بالتحذير."آدم:"بعد كل اللي شفناه، التحذيرات مبقتش بتخوفني."ليان:"أنا مش التحذير اللي خايفة منه."آدم:"أمال؟"ليان:"اللي وراه."مد آدم يده للمقبض.وقبل ما يفتحه، سمع صوتًا خافتًا.صوت رجل."آدم."تجمد.ليان:"سمعت؟"آدم:"أيوه."ليان:"ده صوت مين؟"آدم:"مش عارف.
الفصل 47: المستشفى التي بدأت منها الحكايةكانت الساعة قرب منتصف الليل، والطريق المؤدي إلى المستشفى القديم شبه خالٍ.مبنى رمادي ضخم، جزء كبير من واجهته مغطى بالأتربة، والنوافذ القديمة مكسورة أو مغلقة بألواح خشبية. المستشفى كان متوقفًا عن العمل من سنين طويلة، لكن اللافتة القديمة ما زالت معلقة فوق المدخل، والحروف الباهتة بالكاد تُقرأ تحت ضوء عمود إنارة وحيد.وقف آدم أمام البوابة الحديدية، وبص للحظة طويلة للمبنى.ليان كانت واقفة جنبه.ليان:"إنت متأكد إن دي المستشفى؟"آدم:"أيوه."ليان:"معتز قال لك المكان ده بالاسم؟"آدم:"قال المستشفى القديمة اللي اتولدت فيها."ليان:"غريبة."آدم:"إيه اللي غريب؟"ليان:"إنه اختار المكان ده بالذات."آدم:"أنا كمان حاسس بكده."ليان:"يعني لو كان عايز يقابلك، كان ممكن يختار أي مكان تاني."آدم:"بس هو ما طلبش مني أقابله هنا."ليان بصت له.ليان:"أمال؟"آدم:"قال لي إنه هيشرح لي هنا ليه اسم عابد اتدفن."سكتت ليان لحظة.ليان:"وده معناه إن الإجابة مش عند معتز نفسه."آدم:"يمكن الإجابة أقدم منه."ليان:"أقدم من معتز عابد؟"آدم:"أيوه."ليان:"أول عابد."آدم:
الفصل 46: الحقيقة التي أخفاها معتزكانت الساعة تجاوزت منتصف الليل بقليل، لكن آدم لم يكن يشعر بالوقت.كان واقفًا أمام النافذة، والورقة التي تحمل اسم والده بين أصابعه.معتز عابد.لأول مرة، لم يعد الاسم مجرد حرفين مبهمين.م.ع.معتز عابد.اسم كامل.اسم لرجل حقيقي.رجل عاش.رجل اختفى.رجل ترك ابنه خلفه.ورجل ظل طوال سنوات يراقبه من بعيد دون أن يسمح لنفسه بالاقتراب.خلفه، كانت ليان جالسة على طرف الأريكة.راقبته لدقائق قبل أن تتكلم.ليان:"إنت بقالك ساعة واقف كده."لم يرد.ليان:"آدم."ظل صامتًا.ليان:"بصلي."استدار إليها ببطء.آدم:"سمعتي اسمه."ليان:"أيوه."آدم:"معتز عابد."ليان:"أيوه."آدم:"غريب."ليان:"إيه اللي غريب؟"آدم:"إني طول عمري كنت بدور على شخص مش عارف اسمه."ليان:"ودلوقتي عرفت."آدم:"لا."اقتربت منه.ليان:"إزاي يعني لا؟"آدم:"عرفت اسمه، بس لسه معرفتش هو مين."سكتت ليان.آدم:"فاهمة قصدي؟"ليان:"فاهمة."آدم:"معتز عابد ده كان أب."ليان:"أبوك."آدم:"وكان موظف في دار النور."ليان:"أيوه."آدم:"وكان واحد من الناس اللي بدأوا المشروع."ليان:"أيوه."آدم:"وبعدين قلب عل
الفصل 45: م. ع. — الاسم الذي أخفته المرآةظل آدم ينظر إلى الورقة الصغيرة التي تركها الرجل خلفه.كان العنوان القديم مكتوبًا في أعلاها، وتحت العنوان الحرفان نفسيهما اللذان ظهرا في كل الملفات:م. ع.هذه المرة لم يشعر آدم بالحيرة.شعر بشيء آخر.شيء يشبه الاقتراب من باب ظل مغلقًا سنوات طويلة.وضعت ليان يدها فوق الورقة.ليان:"الحرفان."رفع آدم عينيه إليها.آدم:"نعم."ليان:"لم يعودا مجرد دليل."آدم:"أعرف."اقترب محمود منهما.محمود:"قبل أن نذهب إلى العنوان، هناك شيء يجب أن تعرفه."نظر آدم إليه.آدم:"ماذا؟"محمود:"الحرفان م. ع. لم يكونا اختصارًا اخترعته المرآة."تغير وجه آدم.آدم:"إذن ماذا كانا؟"محمود:"كانا بداية اسمك الحقيقي."توقفت ليان.ليان:"اسم والد آدم."أومأ محمود.محمود:"نعم."قال آدم ببطء:آدم:"م. ع."محمود:"الحرف الأول من اسمه."آدم:"والثاني؟"محمود:"الحرف الأول من اسم عائلته."أغمض آدم عينيه.ثم فتحهما.آدم:"إذن الاسم يبدأ بميم."محمود:"نعم."آدم:"واسم العائلة يبدأ بعين."محمود:"نعم."قالت ليان:ليان:"إذن كل ما ظهر لنا كان يشير إلى الشخص نفسه."محمود:"منذ البدا







