Share

الفصل 3

Author: باقة الزهور
في اليوم الأول الذي انتقلت فيه بيان إلى البيت، أخذت تملي على الخدم كيف يعيدون ترتيب غرفة المعيشة.

قالت وهي تمرر أصابعها النحيلة بخفة على الأريكة الجلدية: "هذه الأريكة كئيبة جدا." ثم التفتت إلى نادر وابتسمت له برقة. "نادر، ما رأيك أن نستبدلها بأخرى بلون بيج فاتح؟"

لم يطرف نادر بعينه، بل أمر رئيس الخدم مباشرة: "افعلوا كما تقول الآنسة بيان."

وقفت قمر عند منعطف الدرج، تراقب العمال وهم يحملون الأريكة التي اختارتها بعناية قبل نصف عام ويخرجونها.

كان نور ولؤلؤة يلتصقان ببيان أينما ذهبت، كأنهما ظلاها الصغيران، ويشيران بحماسة هنا وهناك. "الخالة بيان، يجب أن نغير وسادة الزينة هذه أيضا! هذه التي اشترتها أمي قبيحة جدا!"

مسحت بيان على رأسيهما بلطف. "حسنا، سنغيرها كلها."

انقبضت أصابع قمر قليلا، لكنها سرعان ما أرختها.

تلك الوسائد كانت قد خاطتها بيديها غرزة غرزة حين كانت حاملا. وكانت قد اختارت لها حشوة ناعمة مضادة للحساسية، لأن بشرتهما كانت شديدة الحساسية في صغرهما.

والآن، ألقيت كلها في سلة المهملات بلا أدنى رحمة.

في الأيام التالية، أخذ هذا البيت يبدو غريبا عنها أكثر فأكثر.

على مائدة الطعام، كانت بيان تجلس في المكان الذي كان في الأصل يخص قمر، وتضع الطعام في طبقي الطفلين بحنان.

وكان نادر أحيانا يصب لها فنجان قهوة بنفسه، ثم يدفعه إليها بخفة بأصابعه الطويلة، وفي عينيه لين لم تنله قمر قط.

وفي المساء، كانت أضواء غرفة المعيشة تخفت، ويجلس الأربعة متلاصقين على الأريكة يشاهدون فيلما.

كانت لؤلؤة تتكور في حضن بيان، وكان نور يستند إلى كتف نادر، وكانت ضحكاتهم تتردد بلا انقطاع.

وحين كانت قمر تمر من هناك، لم يكن أحد منهم يلتفت إليها ولو بنظرة، كأنها مجرد شخص شفاف.

والأكثر سخرية أن نادر ونور ولؤلؤة كانوا في السابق شديدي التطلب في تفاصيل معيشتهم إلى حد لا يطاق.

أما الآن؟

كانت ترى بيان ترمي ساعة باتيك فيليب الخاصة به، التي تبلغ قيمتها عشرات الملايين، على طاولة القهوة كيفما اتفق، ووجه الساعة إلى الأسفل، ثم يلتقطها هو ويلبسها بابتسامة متسامحة ملؤها الدلال. وكانت ترى الطفلين يذهبان إلى المدرسة بسعادة مرتديين الزي المدرسي الذي رمته بيان عشوائيا في الغسالة، وما زالت على الياقة بقعة صلصة من يوم أمس. وكانت ترى بيان تفرغ طعاما طلبته من الخارج في الصحون، ثم تزعم أنه من صنع يديها، من دون أن يفضحها أحد.

والأشد سخرية أنهم أغدقوا على بيان من الدلال ما لا يصدق.

"بيان، لا تلمسي هذه الأعمال الشاقة." أوقف نادر بيان حين همت بترتيب أدوات الشاي، وأمسك معصمها برفق بأصابعه الطويلة. "يداك خلقتا للعزف على البيانو."

"الخالة بيان، سأحمل حقيبتك!" سارع نور بتملق إلى أخذ حقيبة يدها محدودة الإصدار. كانت تلك الهيئة المتملقة شيئا لم تره قمر قط على وجه ابنها أمامها.

قال رئيس الخدم باحترام، وهو يمد إليها بزوج من النعال الإيطالية المصنوعة يدويا: "ما عليك يا آنسة بيان إلا أن ترتاحي جيدا. أما بقية الأمور فاتركيها لنا."

يا للسخرية.

لقد خدمت هذا البيت ست سنوات كأنها مربية، ومع ذلك تعاملوا مع كل ما فعلته كأنه غير موجود.

أما بيان، فما إن جاءت حتى أصبحت أميرة يلتف حولها الجميع.

حتى الخدم كانوا يتهامسون فيما بينهم.

"السيد يعامل الآنسة بيان بلطف شديد. لم أره يعامل السيدة قمر هكذا من قبل."

"والطفلان متعلقان بها أيضا. أظن أن سيدة هذا البيت ستتغير عاجلا أم آجلا!"

كان قلب قمر قد صار رمادا منذ زمن، فلم تعد تسأل عن شيء ولا تتدخل في شيء، واكتفت بأن تجمع أغراضها بصمت.

إلى أن جاء عصر ذلك اليوم، حين بدأ هاتفها يهتز فجأة على نحو محموم.

"سيدتي! السيد الصغير نور والآنسة لؤلؤة أصيبا بنوبة حساسية في المدرسة! سيارة الإسعاف نقلتهما للتو إلى المستشفى!"

حين وصلت قمر إلى المستشفى، كان الطفلان قد أُدخلا غرفة الإسعاف.

كان نادر واقفا في الممر، وسترة بدلته معلقة بإهمال على ذراعه، وربطة عنقه مرتخية حول رقبته، وفي عينيه غضب بارد كان يغلي بصمت.

قال بصوت منخفض، محملا بغضب مكبوت: "قمر. ماذا تفعلين بالضبط؟"

تجمدت قمر لحظة. "ماذا؟"

اقترب نادر منها خطوة، وظل جسده الطويل يطغى عليها بظله. "ألا تعرفين أنهما يتحسسان من المانجو؟ لماذا جعلتهما يشربان عصير المانجو؟"

قالت قمر وهي تنظر في عينيه مباشرة: "لست أنا! أنا لا أشتري المانجو للبيت أبدا."

منذ أن دخل الطفلان المستشفى أول مرة بعد تناولهما المانجو، صارت شديدة الحذر. أوصت الجميع ألف مرة وأكدت لهم ألا يعطوا الطفلين المانجو، بل كانت تطلع بنفسها حتى على قائمة طعام مقصف المدرسة. فكيف يمكن أن ترتكب خطأ بدائيا كهذا؟

قال نادر بسخرية باردة: "لست أنت؟ إذن من؟ الخدم؟ أم أنهما أرادا أن يقتلا نفسيهما؟"

فتحت قمر فمها وكادت تتكلم، لكن الممرضة خرجت من الباب وقالت: "استفاق الطفلان."

في غرفة المرضى، كان نور ولؤلؤة مستلقيين على السريرين بوجهين شاحبين. وحين رأياهما يدخلان، ارتبكت نظراتهما للحظة.

سأل نادر بصوت عميق: "ماذا حدث؟"

تبادل الطفلان النظرات، ثم أشارا فجأة في الوقت نفسه إلى قمر. "إنها أمي! كانت هناك مانجو في الحلوى التي اشترتها لنا من قبل!"

تصلب جسد قمر كله، ونظرت إليهما غير مصدقة. "ماذا تقولان؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 23

    وقفت قمر على الشرفة، تنظر إلى توتة في الفناء وهي تسقي حوض الزهور.كانت الصغيرة ترتدي فستانا أصفر فاتحا، وتدندن أغنية أطفال بلا لحن واضح، وتقفز هنا وهناك، ويبدو عليها أنها سعيدة جدا."فيم تفكرين؟"أحاطها غيث بذراعيه الدافئتين من الخلف، وأسند ذقنه برفق إلى كتفها.كانت رائحة مطهرات المستشفى لا تزال تفوح من ثيابه، مما دل على أنه عاد لتوه من نوبته.قالت قمر قبل أن تلتفت، ولم تستطع منع نفسها من الابتسام: "كنت أفكر...""كنت أفكر في أول مرة التقينا فيها، حين جئت بتوتة لشراء الكتب المصورة."ضحك غيث بخفوت، وكانت عيناه خلف النظارة ذات الإطار الذهبي ممتلئتين بالحنان."قلت في نفسي آنذاك: كيف بقيت زميلتي الأصغر مني بهذا الجمال بعد كل هذه السنوات؟"قالت قمر وهي تضرب كتفه بخفة، وقد انفجرت ضاحكة: "كم تجيد الكلام المعسول!"أثار ضحكهما انتباه توتة في الفناء.ألقت الصغيرة إبريق الماء جانبا، واندفعت إلى الطابق العلوي كفراشة صغيرة."خالي! أختي قمر! بماذا تتهامسان؟"انحنى غيث وحمل ابنة أخته، ثم قبلها على خدها الصغير الملطخ بالطين."خالك كان يسأل أختك قمر هل تريد أن تبقى معنا إلى الأبد."أضاءت عينا توتة في لح

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 22

    هطلت أمطار كثيرة على مدينة السحاب في الفترة الأخيرة، حتى إن الإقبال على "مكتبة القمر الصافي" صار أقل بكثير.لكن سيارة مايباخ ظلت متوقفة أمام الباب أياما متتالية، وبقي من فيها يترقبون عند المدخل من دون أن يغادروا."أختي قمر، انظري إلى الرسم الذي رسمته!" رفعت توتة رسمة بالألوان الشمعية، وأقبلت نحوها بخطوات وثابة مفعمة بالفرح، لكنها توقفت فجأة عندما رأت تعبير وجهها.سألتها توتة بحذر: "أختي، هل أنت حزينة مرة أخرى؟"تكلفت قمر ابتسامة، ولم تجب، بل أخذت الورقة منها وقالت: "رسم جميل جدا. هل هذا أرنب صغير؟""نعم!" أومأت توتة بقوة، ثم أدارت يدها الصغيرة وأشارت إلى خارج النافذة."هل أنت حزينة لأن أولئك الأشرار عادوا مرة أخرى؟"خرج غيث من خلف رفوف الكتب، وفي يده كوب من شاي الزهور يتصاعد منه البخار.وقف بهدوء أمام النافذة، حاجبا قمر عن أنظار من في السيارة المقابلة.سأل بصوت خافت، وقد اتجه نظره إلى تلك السيارة الفارهة التي كانت متوقفة هناك منذ أسبوع كامل: "هل تريدين أن نتصل بالشرطة؟"ومن خلال ستار المطر، كان يمكنهما أن يلمحا طفلين صغيرين ملتصقين بزجاج السيارة، يتطلعان بلهفة نحو المكتبة.هزت قمر رأسه

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 21

    داخل استوديو الخزف، كان كل شيء قد عاد إلى الهدوء.كانت قمر تعبث بالطين بين يديها بحركات آلية، وقد ابيضت مفاصل أصابعها من شدة ما كانت تضغط عليه.جلست توتة بهدوء إلى جانبها، تنظر إليها بين حين وآخر بقلق.لم تستطع الصغيرة أن تصمت أكثر، فنادتها وقد ارتسم القلق في عينيها اللامعتين: "أختي قمر...""هل أنت حزينة جدا؟ أختي، تبدين غير سعيدة."توقفت يد قمر لحظة، ثم أجبرت نفسها على ابتسامة. "لا يا توتة. لا تقلقي على. تابعي صنع وعائك الصغير."مد غيث إليها كوبا من الماء الدافئ في صمت، ووضعه برفق إلى جانبها، ثم قال: "هل تريدين أن تستريحي قليلا؟"هزت رأسها، واستقر نظرها على الوعاء الخزفي الذي لم تكمل تشكيله بعد.كان شكله ملتويا وغير متناسق، تماما كحالها المضطربة في تلك اللحظة.لم تفارق مخيلتها صورة عيني نور ولؤلؤة المحمرتين من البكاء، فشعرت بضيق مكتوم في صدرها.قالت بصوت خافت، كأنها تحدث نفسها أكثر مما تحدث غيرها: "إنهما... يبدوان أنحف من قبل."لم يرد غيث، بل بقي إلى جانبها بهدوء.تسللت أشعة الشمس عبر النافذة الزجاجية، وانسكبت على طاولة العمل. وكان الوعاء الصغير الذي صنعته توتة يتلألأ بلمعان خافت تحت

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 20

    فتحت فمها قليلا، ثم سألت بابتسامة مريرة:"ألم تكونا أنتما من دفعني من أعلى الدرج واتهماني بأنني أطعمتكما المانجو؟ ألم تفعلا كل ذلك بنفسيكما؟""ألم تقولا بنفسيكما إنكما لا تريدانني أما لكما، وإنكما لا تريدان سوى بيان أما؟""قد لا أكون أما مثالية، لكنني كنت دائما أبذل كل ما في وسعي لأعتني بكما بإخلاص وأحبكما.""ولا أدري لماذا كان هذا هو ما جنيته في النهاية."احمر وجهاهما خجلا، وعجزا عن الكلام. لكن نور لم يرد أن يستسلم، فتوسل مرة أخرى:"أمي، كنا في السابق صغيرين طائشين ولم نكن ندرك ما نفعله... أما الآن فقد عرفت أنني أخطأت. أرجوك، سامحينا."قبل أن تتمكن قمر من الكلام، قالت توتة فجأة بصوت خجول متردد:"أختي قمر..."كانت يدها الصغيرة تقبض بقوة على طرف ثوب قمر، وكانت عيناها الكبيرتان الجميلتان ممتلئتين بالدموع."هل سترحلين؟"انحنى غيث وحمل ابنة أخته، وواساها بصوت خافت: "توتة، لا تخافي. أختك قمر لن تتخلى عنك... وأيا كان المكان الذي تختار الذهاب إليه، فعلينا أن نحترم اختيارها.""وحتى إن لم تبق هنا، فستأتي كثيرا لزيارتك واللعب معك."نظر نادر إلى هذا المشهد، فاشتعل في صدره غضب لا يعرف مصدره.بأي ح

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 19

    هبطت طائرة نادر الخاصة في مطار مدينة السحاب في ذلك اليوم نفسه.كانت الشمس حارقة وشديدة السطوع حتى آلمت العينين. ضيق نادر عينيه وهو يراقب الحارسين الشخصيين يحملان الطفلين وينزلان بهما من الطائرة.رفعت لؤلؤة وجهها الصغير وسألته: "أبي، هل سنرى أمي حقا؟"كانت عيناها تلمعان بالترقب والقلق.قال نادر وهو يرتب ثيابه، بصوت هادئ واثق: "بالتأكيد.""ستفرح أمكما كثيرا حين تراكما."جاء المساعد بخطوات سريعة، وقدم له ملفا. "السيد نادر، تمكنا من تحديد مكان السيدة قمر. إنها الآن في استوديو طين ومرح للخزف شرقي المدينة، برفقة... ذينك الشخصين."كان في الملف صورة ملتقطة خلسة.كانت قمر تجلس القرفصاء أمام طفلة صغيرة، وتمسح برفق بقع الطين عن وجهها.وإلى جوارها وقف رجل طويل ممشوق القوام يرتدي نظارة، يراقبهما بابتسامة.تسللت أشعة الشمس عبر النافذة الزجاجية وغمرت الثلاثة، فبدا المشهد حميميا ودافئا على نحو آلمه.اشتدت قبضة نادر على الصورة من غير قصد، حتى تجعدت حافتها بين أصابعه.كان نادر يعرف جيدا معنى النظرة التي رمق بها ذلك الرجل قمر؛ فقد كان ذلك هو الحنان الذي لم يمنحها إياه قط.قال ببرود: "جهزوا السيارة.""سنذ

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 18

    وقف نادر أمام النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف في غرفة المكتب، يطرق سطح المكتب المصنوع من خشب الماهوجني بمفاصل أصابعه.تناثرت الصور التي أحضرها المساعد للتو على سطح المكتب. وكانت كل صورة منها كأنها سكين تنغرس في عينيه.سأل بصوت منخفض مخيف: "هل تأكدت أنها هي؟"مسح المساعد العرق عن طرف جبينه وقال: "نعم، بلا أدنى شك. افتتحت السيدة قمر مكتبة في مدينة السحاب، وتلقى المكتبة إقبالا جيدا. هذه الصور التقطناها الأسبوع الماضي."في الصور، كانت قمر واقفة أمام مكتبة اسمها "مكتبة القمر الصافي".تسلل ضوء الشمس عبر أوراق أشجار الدلب، فرسم عليها بقعا متداخلة من الضوء والظل.كانت ترتدي فستانا بسيطا من الكتان، وكان شعرها أقصر قليلا مما كان عليه حين غادرت. وكانت منحنية تحدث فتاة صغيرة في الخامسة أو السادسة من عمرها.وكان قد ارتسم على ملامحها لطف لم يره منذ زمن طويل.لكن أكثر ما وخز عينيه كان الرجل الواقف إلى جوارها.كان طويل القامة ممشوق القوام، وكانت نظراته من خلف نظارته ذات الإطار الذهبي تستقر على قمر بلطف.كان الرجل يحمل تلك الفتاة الصغيرة بين ذراعيه. أما مشهدهم الثلاثة واقفين معا، فبدا متناغما إلى حد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status