Share

الفصل 4

Author: باقة الزهور
"أمي هي من فعلت ذلك!" صاحت لؤلؤة بصوت باك. "كانت تعرف جيدا أننا نعاني حساسية تجاه المانجو، ومع ذلك تعمدت أن تطعمنا إياه!"

وأومأ نور برأسه بقوة قائلا: "نعم، إنها شريرة جدا!"

قبضت أصابع قمر على إطار الباب بقوة، حتى ابيضت مفاصلها. "نور، لؤلؤة، هل تدركان ما تقولانه؟ قولا الحقيقة كاملة حالا!"

قال نادر بحدة: "كفى!" ثم نهض فجأة وقبض على معصمها بقوة كادت تسحق عظامها: "قمر، أهكذا تكونين أما؟ لا تكتفين بإيذائهما، بل تجبرينهما على الكذب أيضا؟"

ارتجف صوت قمر قليلا: "لم أفعل..."

قال بسخرية باردة: "أتريدين أن تقولي إنهما يفتريان عليك؟ إنهما لا يزالان طفلين صغيرين. ألا تملكين حتى الشجاعة لتحمل مسؤولية ما فعلت؟ كيف تستحقين أن تكوني أما؟"

انفجر الطفلان في البكاء فجأة، فتركها نادر على الفور، واستدار ليواسيهما.

لكن بكاءهما ازداد شدة، واحمر وجهاهما الصغيران.

قالت لؤلؤة وهي تنتحب: "أبي... نحن نتألم كثيرا..."

سألها نادر بصوت منخفض، وهو يمسح دموعها بأصابعه برفق: "ما الذي يمكن أن يخفف عنكما؟"

نظر نور إلى قمر بعينين محمرتين، وقال: "هي أيضا تتحسس من المانجو. اجعلها تشرب عصير المانجو أيضا! يجب أن تتألم مثلنا!"

شعرت قمر ببرودة تجتاح قلبها.

نظرت إلى نادر، فأشعرها الصقيع في عينيه ببرودة تسري في جسدها كله.

قال: "حسنا."

اعتدل واقفا، ثم فرقع بأصابعه، فاندفع حارسان إلى داخل الغرفة.

"ثبتاها."

وقبل أن تستوعب قمر ما يحدث، كان الحارسان قد أمسكا بها وثبتاها على الكرسي.

أمسك أحد الحارسين بذقنها وأجبرها على فتح فمها.

أفرغ أحد الحارسين لترا كاملا من عصير المانجو في فمها عنوة، فتسرب السائل المفرط في حلاوته إلى قصبتها الهوائية، وأخذت تسعل بعنف، فيما اشتعل حلقها ألما.

أخذ الطفح الأحمر ينتشر على جلدها بسرعة واضحة أمام أعينهم، وراح وجهها يتورم، فيما صار تنفسها يزداد صعوبة.

راحت تحك عنقها بعنف وهي تتلوى من الألم، ونظرت إلى نادر وبصرها مشوش.

كان واقفا هناك، يراقبها ببرود، من دون أي نية لإيقاف ما يحدث.

كان الطفلان قد كفا عن البكاء، وراحا يصفقان بحماسة: "هذا جزاؤها! يجب أن تتألم هي أيضا!"

وقبل أن يبتلعها الظلام، كان آخر ما رأته قمر هو نظرة نادر الباردة.

...

لم تعرف كم مضى من الوقت، ثم استيقظت قمر على سرير المستشفى.

كان حلقها يؤلمها بحرقة، وما زالت آثار الطفح التحسسي الحمراء باقية على وجهها.

تناهى إليها من خارج غرفتها في المستشفى صوت مألوف، صوت بيان.

"نادر، أنا حقا لم أكن أعرف أنهما يتحسسان... أردت فقط أن أعصر لهما كوبا من العصير..."

قال نادر بصوت حنون على نحو لا يصدق: "لا ذنب لك. لم تكوني تعرفين."

قالت بيان بنبرة عاجزة وهي تتابع كلامها: "لو جئت مبكرا وشرحت الحقيقة، لما اتهمت الآنسة قمر ظلما. وأنتما أيضا يا نونو ويا لولو، أنا المخطئة في كل ما حدث، فكيف ألقيتما اللوم كله على أمكما لتحمياني؟"

وصلها صوتا الطفلين بوضوح، وكانت نبرتهما مفعمة بالشكوى والمسكنة.

قالت لؤلؤة وهي تنتحب: "الخالة بيان، عرفنا خطأنا... نحن فقط... نحن فقط لا نحب أمي..."

وقال نور مؤيدا: "نعم. هي دائما تتشدد معنا، فلا تسمح لنا بتناول الوجبات الخفيفة، وتصر على أن ننام في موعد محدد... كنا نريدها أن ترحل..."

قبضت أصابع قمر على ملاءة السرير بقوة، حتى ابيضت مفاصلها.

هذان هما طفلاها اللذان حملت بهما شهورا طويلة، وكادت تموت على طاولة العمليات وهي تلدهما.

كانت تتذكر يوم ولادة نور. لم يكن خارج غرفة الولادة أحد.

أخبرتها الممرضة أن نادر كان في اجتماع مهم، ولا يستطيع المغادرة.

كانت تتلوى من شدة الألم، لكنها لم تجد إلى جانبها أحدا، فاضطرت إلى أن تجز على أسنانها وتصمد وحدها.

أما حين ولدت لؤلؤة، فكان الوضع أشد خطورة؛ تعسرت الولادة وأصيبت بنزيف حاد، حتى إن الطبيب أعلن أن حالتها حرجة وأن حياتها في خطر.

أما نادر، فقد سافر إلى الخارج بسبب صفقة استحواذ عابرة للحدود.

لكن الآن، صار الطفلان اللذان وضعت حياتها على المحك لتلدهما أشد الناس إيذاء لها في هذا العالم!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 23

    وقفت قمر على الشرفة، تنظر إلى توتة في الفناء وهي تسقي حوض الزهور.كانت الصغيرة ترتدي فستانا أصفر فاتحا، وتدندن أغنية أطفال بلا لحن واضح، وتقفز هنا وهناك، ويبدو عليها أنها سعيدة جدا."فيم تفكرين؟"أحاطها غيث بذراعيه الدافئتين من الخلف، وأسند ذقنه برفق إلى كتفها.كانت رائحة مطهرات المستشفى لا تزال تفوح من ثيابه، مما دل على أنه عاد لتوه من نوبته.قالت قمر قبل أن تلتفت، ولم تستطع منع نفسها من الابتسام: "كنت أفكر...""كنت أفكر في أول مرة التقينا فيها، حين جئت بتوتة لشراء الكتب المصورة."ضحك غيث بخفوت، وكانت عيناه خلف النظارة ذات الإطار الذهبي ممتلئتين بالحنان."قلت في نفسي آنذاك: كيف بقيت زميلتي الأصغر مني بهذا الجمال بعد كل هذه السنوات؟"قالت قمر وهي تضرب كتفه بخفة، وقد انفجرت ضاحكة: "كم تجيد الكلام المعسول!"أثار ضحكهما انتباه توتة في الفناء.ألقت الصغيرة إبريق الماء جانبا، واندفعت إلى الطابق العلوي كفراشة صغيرة."خالي! أختي قمر! بماذا تتهامسان؟"انحنى غيث وحمل ابنة أخته، ثم قبلها على خدها الصغير الملطخ بالطين."خالك كان يسأل أختك قمر هل تريد أن تبقى معنا إلى الأبد."أضاءت عينا توتة في لح

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 22

    هطلت أمطار كثيرة على مدينة السحاب في الفترة الأخيرة، حتى إن الإقبال على "مكتبة القمر الصافي" صار أقل بكثير.لكن سيارة مايباخ ظلت متوقفة أمام الباب أياما متتالية، وبقي من فيها يترقبون عند المدخل من دون أن يغادروا."أختي قمر، انظري إلى الرسم الذي رسمته!" رفعت توتة رسمة بالألوان الشمعية، وأقبلت نحوها بخطوات وثابة مفعمة بالفرح، لكنها توقفت فجأة عندما رأت تعبير وجهها.سألتها توتة بحذر: "أختي، هل أنت حزينة مرة أخرى؟"تكلفت قمر ابتسامة، ولم تجب، بل أخذت الورقة منها وقالت: "رسم جميل جدا. هل هذا أرنب صغير؟""نعم!" أومأت توتة بقوة، ثم أدارت يدها الصغيرة وأشارت إلى خارج النافذة."هل أنت حزينة لأن أولئك الأشرار عادوا مرة أخرى؟"خرج غيث من خلف رفوف الكتب، وفي يده كوب من شاي الزهور يتصاعد منه البخار.وقف بهدوء أمام النافذة، حاجبا قمر عن أنظار من في السيارة المقابلة.سأل بصوت خافت، وقد اتجه نظره إلى تلك السيارة الفارهة التي كانت متوقفة هناك منذ أسبوع كامل: "هل تريدين أن نتصل بالشرطة؟"ومن خلال ستار المطر، كان يمكنهما أن يلمحا طفلين صغيرين ملتصقين بزجاج السيارة، يتطلعان بلهفة نحو المكتبة.هزت قمر رأسه

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 21

    داخل استوديو الخزف، كان كل شيء قد عاد إلى الهدوء.كانت قمر تعبث بالطين بين يديها بحركات آلية، وقد ابيضت مفاصل أصابعها من شدة ما كانت تضغط عليه.جلست توتة بهدوء إلى جانبها، تنظر إليها بين حين وآخر بقلق.لم تستطع الصغيرة أن تصمت أكثر، فنادتها وقد ارتسم القلق في عينيها اللامعتين: "أختي قمر...""هل أنت حزينة جدا؟ أختي، تبدين غير سعيدة."توقفت يد قمر لحظة، ثم أجبرت نفسها على ابتسامة. "لا يا توتة. لا تقلقي على. تابعي صنع وعائك الصغير."مد غيث إليها كوبا من الماء الدافئ في صمت، ووضعه برفق إلى جانبها، ثم قال: "هل تريدين أن تستريحي قليلا؟"هزت رأسها، واستقر نظرها على الوعاء الخزفي الذي لم تكمل تشكيله بعد.كان شكله ملتويا وغير متناسق، تماما كحالها المضطربة في تلك اللحظة.لم تفارق مخيلتها صورة عيني نور ولؤلؤة المحمرتين من البكاء، فشعرت بضيق مكتوم في صدرها.قالت بصوت خافت، كأنها تحدث نفسها أكثر مما تحدث غيرها: "إنهما... يبدوان أنحف من قبل."لم يرد غيث، بل بقي إلى جانبها بهدوء.تسللت أشعة الشمس عبر النافذة الزجاجية، وانسكبت على طاولة العمل. وكان الوعاء الصغير الذي صنعته توتة يتلألأ بلمعان خافت تحت

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 20

    فتحت فمها قليلا، ثم سألت بابتسامة مريرة:"ألم تكونا أنتما من دفعني من أعلى الدرج واتهماني بأنني أطعمتكما المانجو؟ ألم تفعلا كل ذلك بنفسيكما؟""ألم تقولا بنفسيكما إنكما لا تريدانني أما لكما، وإنكما لا تريدان سوى بيان أما؟""قد لا أكون أما مثالية، لكنني كنت دائما أبذل كل ما في وسعي لأعتني بكما بإخلاص وأحبكما.""ولا أدري لماذا كان هذا هو ما جنيته في النهاية."احمر وجهاهما خجلا، وعجزا عن الكلام. لكن نور لم يرد أن يستسلم، فتوسل مرة أخرى:"أمي، كنا في السابق صغيرين طائشين ولم نكن ندرك ما نفعله... أما الآن فقد عرفت أنني أخطأت. أرجوك، سامحينا."قبل أن تتمكن قمر من الكلام، قالت توتة فجأة بصوت خجول متردد:"أختي قمر..."كانت يدها الصغيرة تقبض بقوة على طرف ثوب قمر، وكانت عيناها الكبيرتان الجميلتان ممتلئتين بالدموع."هل سترحلين؟"انحنى غيث وحمل ابنة أخته، وواساها بصوت خافت: "توتة، لا تخافي. أختك قمر لن تتخلى عنك... وأيا كان المكان الذي تختار الذهاب إليه، فعلينا أن نحترم اختيارها.""وحتى إن لم تبق هنا، فستأتي كثيرا لزيارتك واللعب معك."نظر نادر إلى هذا المشهد، فاشتعل في صدره غضب لا يعرف مصدره.بأي ح

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 19

    هبطت طائرة نادر الخاصة في مطار مدينة السحاب في ذلك اليوم نفسه.كانت الشمس حارقة وشديدة السطوع حتى آلمت العينين. ضيق نادر عينيه وهو يراقب الحارسين الشخصيين يحملان الطفلين وينزلان بهما من الطائرة.رفعت لؤلؤة وجهها الصغير وسألته: "أبي، هل سنرى أمي حقا؟"كانت عيناها تلمعان بالترقب والقلق.قال نادر وهو يرتب ثيابه، بصوت هادئ واثق: "بالتأكيد.""ستفرح أمكما كثيرا حين تراكما."جاء المساعد بخطوات سريعة، وقدم له ملفا. "السيد نادر، تمكنا من تحديد مكان السيدة قمر. إنها الآن في استوديو طين ومرح للخزف شرقي المدينة، برفقة... ذينك الشخصين."كان في الملف صورة ملتقطة خلسة.كانت قمر تجلس القرفصاء أمام طفلة صغيرة، وتمسح برفق بقع الطين عن وجهها.وإلى جوارها وقف رجل طويل ممشوق القوام يرتدي نظارة، يراقبهما بابتسامة.تسللت أشعة الشمس عبر النافذة الزجاجية وغمرت الثلاثة، فبدا المشهد حميميا ودافئا على نحو آلمه.اشتدت قبضة نادر على الصورة من غير قصد، حتى تجعدت حافتها بين أصابعه.كان نادر يعرف جيدا معنى النظرة التي رمق بها ذلك الرجل قمر؛ فقد كان ذلك هو الحنان الذي لم يمنحها إياه قط.قال ببرود: "جهزوا السيارة.""سنذ

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 18

    وقف نادر أمام النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف في غرفة المكتب، يطرق سطح المكتب المصنوع من خشب الماهوجني بمفاصل أصابعه.تناثرت الصور التي أحضرها المساعد للتو على سطح المكتب. وكانت كل صورة منها كأنها سكين تنغرس في عينيه.سأل بصوت منخفض مخيف: "هل تأكدت أنها هي؟"مسح المساعد العرق عن طرف جبينه وقال: "نعم، بلا أدنى شك. افتتحت السيدة قمر مكتبة في مدينة السحاب، وتلقى المكتبة إقبالا جيدا. هذه الصور التقطناها الأسبوع الماضي."في الصور، كانت قمر واقفة أمام مكتبة اسمها "مكتبة القمر الصافي".تسلل ضوء الشمس عبر أوراق أشجار الدلب، فرسم عليها بقعا متداخلة من الضوء والظل.كانت ترتدي فستانا بسيطا من الكتان، وكان شعرها أقصر قليلا مما كان عليه حين غادرت. وكانت منحنية تحدث فتاة صغيرة في الخامسة أو السادسة من عمرها.وكان قد ارتسم على ملامحها لطف لم يره منذ زمن طويل.لكن أكثر ما وخز عينيه كان الرجل الواقف إلى جوارها.كان طويل القامة ممشوق القوام، وكانت نظراته من خلف نظارته ذات الإطار الذهبي تستقر على قمر بلطف.كان الرجل يحمل تلك الفتاة الصغيرة بين ذراعيه. أما مشهدهم الثلاثة واقفين معا، فبدا متناغما إلى حد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status