ログインانتهى يوم تسليم المشروع متأخرًا، لكن دولت لم تغادر مكتبها قبل أن تراجع النسخة الأخيرة بنفسها. قرأت الصفحات مرة، ثم عادت إلى الأرقام والملاحظات، وتأكدت أن كل تعديل اتفقوا عليه قد نُفذ. لم يكن النجاح هذه المرة مجرد عرض جيد أو إشادة عابرة؛ كانت قد تحملت المسؤولية كاملة، وواجهت التعثر دون أن تنتظر من ينقذها.وصلتها رسالة من مدير المشروع يشكرها على تسليم العمل في موعده، ويبلغها أن الإدارة قررت استمرارها مسؤولة عن المرحلة التالية. ابتسمت، ثم وضعت الهاتف جانبًا. أرادت أن تحتفظ بالخبر لنفسها قليلًا قبل أن تشاركه مع أحد.في طريق عودتها، اشترت لآسر اللعبة الخشبية التي ظل يشير إليها كلما مروا بالمحل.وصلت إلى البيت، ووجدت آسر نائمًا على الأريكة، وقد انحنى رأسه الصغير على الوسادة. كانت سلوي قد بقيت معه حتى عودتها، وتركت لها الطعام في المطبخ. خفضت دولت صوتها وهي تشكرها، ثم اقتربت من ابنها وعدلت الغطاء فوقه.قالت سلوي وهي تجمع حقيبتها:واضح إن اليوم كان طويل.جلست دولت على طرف الأريكة.طويل، بس خلص على خير.ابتسمت سلوي.كنت عارفة إنك هتقدري تكمليه.شعرت أنها أنجزت شيئًا لنفسها، لا لتثبت شيئًا لعبدا
استيقظت دولت في الصباح وهي تعرف أنها مطالبة بالرد على رسالة عبدالرحمن، لكنها لم تكن تعرف ماذا تكتب.فتحت المحادثة، قرأت كلماته مرة أخرى، ثم أغلقت الهاتف دون أن ترسل شيئًا. لم تكن تريد أن تتجاهله، لكنها لم تعد قادرة على الدخول في أحاديث طويلة تنتهي عند نقطة واحدة: ماذا لو حاولنا من جديد؟كانت تعرف أن السؤال الحقيقي ليس إن كانا يفتقدان بعضهما، بل إن كانا يستطيعان العيش معًا دون أن يتحول كل خلاف إلى استدعاء للماضي.في المطبخ، كان آسر يجلس على كرسيه الصغير، يحاول تناول قطع الخبز بيده. اقتربت منه ومسحت بقايا الطعام عن فمه.قال:ماما، كتاب.ناولته الكتاب المصور الذي اشترته له، ففتحه على الصفحة التي تحتوي على صورة القطة. ظل يشير إليها ويكرر اسمها، ثم انتقل إلى صورة الكلب.ابتسمت دولت:شاطِر يا آسر.كان ذلك كافيًا ليعيدها إلى يومها. جهزت حقيبته، أوصلته إلى الحضانة، ثم ذهبت إلى العمل.لم يكن المشروع قد انتهى بعد. كان العميل قد وافق على التعديلات الأخيرة، لكن التنفيذ بدأ يكشف تفاصيل لم تظهر في مرحلة التخطيط. قضت الصباح في مراجعة تقرير جديد، ثم اجتمعت مع المدير لمناقشة تقدم العمل.قال لها:الإدا
لم يتغير شيء في صباح اليوم التالي، على الأقل في الظاهر.استيقظت دولت، أعدت إفطار آسر، وجهزت حقيبته للحضانة، ثم خرجت إلى عملها كعادتها. لم تتصل بعبدالرحمن لتسأله عن حديث الأمس، ولم تنتظر منه رسالة تشرح ما لم يقله. كان كل منهما قد قال ما يكفي، وربما كان الصمت بعد ذلك أفضل من محاولة انتزاع إجابة لم تنضج بعد.في المكتب، وجدت فريق المشروع مجتمعًا حول شاشة كبيرة. كان موعد التسليم الأول يقترب، وظهرت مشكلة في الجدول الزمني بعدما تأخر أحد الأقسام في إنهاء جزء أساسي من العمل.قال المدير فور دخولها:إحنا عندنا مشكلة في المرحلة التانية. لو استنينا التقرير الناقص، هنأخر التسليم يومين على الأقل.اقتربت دولت من الشاشة وراجعت التفاصيل.ممكن نبدأ في الجزء اللي اكتمل، ونخلي المراجعة النهائية بعد وصول التقرير. كده مش هنوقف كل الفريق.اعترض أحد الموظفين:بس لو التقرير غيّر بعض الأرقام، هنضطر نعيد الشغل.أجابته:مش هنبدأ في الجزء المرتبط بالأرقام. هنشتغل في المهام اللي مش هتتأثر بيها، ونحدد نقطة توقف واضحة قبل اعتماد النسخة النهائية.نظر المدير إلى الخطة، ثم طلب من الفريق توزيع المهام وفق الترتيب الجديد.
لم تستطع دولت أن تنسى مكالمة عبدالرحمن الأخيرة. لم تكن كلماته غريبة عنها، لكنها كانت المرة الأولى منذ فترة طويلة التي يطلب فيها الحديث معها دون أن يكون آسر أو موعد استلامه هو السبب.لم تعرف إن كانت مستعدة لذلك أم لا.مر يومان دون أن يتصل بها في أمر شخصي، والتزما خلالهما بالحديث المعتاد عن ابنهما. كان آسر قد عاد إلى الحضانة بانتظام، واستقرت مواعيد العمل نسبيًا، حتى إن دولت وجدت مساء الخميس وقتًا لترتب بعض الأشياء التي ظلت تؤجلها منذ أسابيع.كانت تضع ملابس آسر في الخزانة حين وجدت قميصًا قديمًا لعبدالرحمن بين الملابس التي احتفظت بها دون انتباه. توقفت يدها فوقه. لم يكن للقميص قيمة خاصة، لكنه أعاد إليها صورة رجل كان يترك ملابسه في كل مكان، ويطلب منها أن تذكره بمواعيده، ويعود إلى البيت متوقعًا أن يجدها هناك.أعادته إلى كيس الملابس، وأغلقت الخزانة.لم تعد تلك التفاصيل دليلًا على حياة يمكن استرجاعها. كانت مجرد ذكريات، بعضها جميل وبعضها مؤلم، وكلها تخص زمنًا لم يعد موجودًا.في صباح الجمعة، اتصل عبدالرحمن ليسأل عن موعد رؤيته لآسر. اتفقا على أن يأتي بعد الظهر ويقضي معه بعض الوقت، ثم يعيده قبل ال
بدأ الأسبوع الأول من مسؤولية دولت الجديدة بإيقاع أسرع مما توقعت. لم تعد تكتفي بإنجاز الجزء المطلوب منها، بل صارت تتابع ما ينجزه الآخرون، وتراجع التقارير، وترد على استفسارات العميل. كانت تعرف أن أي تأخير صغير قد ينعكس على الفريق كله، ولذلك وصلت إلى المكتب مبكرًا يوم الثلاثاء، وفتحت جدول المتابعة قبل أن يصل بقية الموظفين.في منتصف الصباح، اتصل بها عبدالرحمن.أنا هخلص بدري النهارده، فهكون عند الحضانة في المعاد. آسر جاهز؟قالت:أيوه، شنطته فيها هدومه والمياه. بس خليه ياكل قبل ما يخرج، هو ساعات بيرفض الأكل لو اتأخر.ضحك بخفة:عارف يا دولت، بقيت حافظ حركاته.لم تضحك، لكنها لم تنزعج من الجملة أيضًا.تمام. هكلمك بعد الاجتماع لما أعرف هخلص إمتى.كان اجتماع المتابعة مقررًا في الواحدة، لكنه امتد بسبب اختلاف بين فريق التنفيذ والقسم المالي حول ترتيب بعض الخطوات. حاولت دولت أن تمنع النقاش من التحول إلى تبادل اتهامات، فطلبت من كل طرف تحديد ما يحتاجه تحديدًا، ثم أعادت ترتيب النقاط على الشاشة.قال أحد الموظفين:إحنا مش هنقدر نلتزم بالموعد لو كل تعديل هيتطلب موافقة جديدة.ردت دولت:مش كل تعديل. التغيير
وصل رد العميل قبل منتصف النهار. كانت دولت تراجع بعض الملاحظات على مكتبها حين ظهر إشعار البريد، ففتحته بسرعة. قرأت السطر الأول، ثم عادت إلى بدايته كأنها لم تستوعب المعنى من المرة الأولى: تمت الموافقة على المشروع وفق التعديلات الأخيرة، ويمكن للفريق البدء في التنفيذ.استندت إلى ظهر الكرسي وأخرجت نفسًا طويلًا. لم يكن الأمر مجرد موافقة على ملف عمل؛ كان أول مشروع تتولى مسؤوليته من بدايته، وأول مرة تشعر أن اسمها صار مرتبطًا بنتيجة واضحة داخل الشركة.دخل المدير بعد دقائق، وقد وصلته الرسالة هو الآخر.مبروك يا دولت. تعبك جاب نتيجة.ابتسمت:الحمد لله. هنبدأ إمتى؟من الأسبوع الجاي. وفي حاجة تانية عايز أتكلم معاكي فيها.أشار إلى المكتب المقابل، ثم جلس وقال إن الإدارة قررت أن تتولى دولت متابعة التنفيذ اليومي للمشروع، وأنها ستكون مسؤولة عن التواصل مع العميل وتنسيق العمل بين الأقسام. المنصب لم يكن ترقية رسمية بعد، لكنه خطوة قد تقود إليها إذا نجحت المرحلة الأولى.قالت دولت:دي مسؤولية كبيرة.وده سبب إننا اخترناكي. بس لازم تعرفي إن أول شهر هيكون ضغطه أعلى. فيه اجتماعات متابعة مرتين في الأسبوع، وممكن نح







