Share

الفصل 4

Author: القطة اللطيفة
"هل جئت لأمر ما؟"

في السابق، كلما جاء أيهم من تلقاء نفسه ليتبادل معي بعض الحديث، كنت أشعر كأنني حظيت بلطف نادر. وربما لأنه لم يتوقع أن أكون باردة إلى هذا الحد، فقد ذهل للحظة. وبدت على وجهه ملامح حرج خفيف.

وبدا لون وجهه غير طبيعي بعض الشيء.

"هناك أمر فعلا."

"قمر أنجزت لتوها مشروعا كبيرا، وأنا أفكر في ترقيتها، وهذا مناسب أيضا لتشجيع بقية الموظفين. ما رأيك؟"

نظر إليّ أيهم.

كان يسألني عن رأيي بلسانه، لكنني كنت أعرف جيدا أنه هذه المرة إنما يبلغني بالقرار، لا يطلب رأيي حقا.

ومع ذلك أومأت برأسي وقلت: "لا اعتراض لدي."

"لكن ما دام هناك ثواب، فلا بد أن يكون هناك عقاب أيضا، وإلا فسيصعب ضبط الفريق."

"أنت لم تنجزي أي مشروع منذ فترة طويلة، لذلك أفكر في خفضك مؤقتا إلى منصب أدنى، وعندما يحين الوقت سأعيدك إلى منصبك."

"اطمئني، لن يطول الأمر. أنا أفعل هذا أيضا من أجل المصلحة العامة. أنت خطيبتي، ومن المفترض أن تدعميني، أليس كذلك؟"

سخرت في داخلي.

إذن، حتى الآن لم يكن يعرف أنني تركت العمل بالفعل.

كان يستطيع أن يستدل من أدق العلامات على مزاج قمر، وأن يعرف من أبسط التفاصيل ما تحبه، أما أنا، خطيبته، فقد وقّع هو بنفسه على إشعار مغادرتي للشركة، ومع ذلك لم يكن يدري شيئا.

حقا، الفرق بين من يهتم ومن لا يهتم يظهر من بضع كلمات فقط.

حين رآني لا أتكلم، ظن أيهم أنني سأجادله كما كنت أفعل في السابق، فاكفهر وجهه على الفور.

"حتى إن لم توافقي، فلن يفيدك ذلك. لقد أرسلت القرار بالفعل، ومكتبك أيضا خصصته لقمر."

"إما أن تقبلي النقل، وإما أن تغادري." هددني قائلا: "لكن دعيني أنصحك، الشركة تستعد للإدراج في البورصة، ومن الأفضل أن تفكري جيدا قبل أن ترحلي."

كانت نبرته واثقة تماما من أنني لن أغادر.

حدثت مثل هذه الأمور مرات كثيرة جدا. ففي عام واحد فقط، وبسبب بضع كلمات من قمر، تراجع موقعي في الشركة مرة بعد مرة.

كنت قد تحملت كل ذلك آنذاك، ولذلك كان أيهم متأكدا أنني الآن لن أطيق فكرة الرحيل أكثر من قبل.

ابتسمت بمرارة.

"لم أقل إنني غير موافقة."

"إذن فلنعتبر الأمر مستقرا على هذا مؤقتا." بدا أيهم مرتاحا.

ما دمت لم أقل إنني غير موافقة، فذلك يعني عنده أنني وافقت.

كان على وشك المغادرة، لكنه بدا كأنه لاحظ شيئا، فعاد مرة أخرى.

"أذكر أن على مكتبك كانت هناك صورة تجمعنا. لماذا لم تعد موجودة الآن؟"

عندها فقط انتبهت.

في الحقيقة، لم تكن صورنا مقتصرة على المكتب. فقد كانت صورتنا معا خلفية لهاتفي، وكانت معلقة على جدران الغرفة، ومحفوظة في محفظتي أيضا.

كان أيهم يسخر مني من قبل، ويقول إن رأسي ممتلئ بهذه الحركات العاطفية الساذجة، لكنه لم يكن يعرف أنني كنت أذكّر نفسي طوال الوقت بأن أيهم يحبني مهما فعل بي.

لكنني لم أعرف إلا لاحقا كم كنت مثيرة للسخرية.

كل صورة من تلك الصور كانت تسخر مني، وتكشف كم كنت أضحوكة.

لم أرغب في الإكثار من الشرح، فقلت بهدوء: "انكسر الإطار دون قصد، فحفظت الصورة بعيدا."

"لماذا أنت خرقاء هكذا في كل ما تفعلينه؟"

قطب أيهم حاجبيه باشمئزاز، ثم خفض رأسه فورا ليتفقد ما إذا كانت هناك شظايا زجاج تحت قدميه.

"تذكري أن تنظفي المكان جيدا عندما تجدين وقتا، حتى لا يتأذى أحد."

ربما لأنه رأى أنني لم أعد مشحونة ومستعدة للمواجهة، فقد لانت نبرته قليلا، ثم نهض بعد أن قال ذلك وخرج من غرفة المكتب.

نظرت إلى ظهره، فلم أتمالك نفسي من الضحك بسخرية من ذاتي.

بالطبع لم يكن يهتم بي. كان معنى كلامه واضحا: لا تجعلي قمر تتأذى بشظايا الزجاج.

كان هذا بيتنا نحن، وكانت شؤون البيت كلها بيدي. إلى أن وجدت قبل بضعة أشهر ربطة شعر صغيرة ملقاة على أرضية مكتبه، ورأيت أن وسادة غرفة النوم قد حُرّكت من مكانها، فعرفت عندها أنه كان قد أحضر قمر إلى بيتنا مرات كثيرة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين تساقطت الأزهار ولم نلتقِ   الفصل 12

    تجمد أيهم للحظة عند سماع ذلك."بعد أن نعود إلى بعضنا، ستصبح الشركة ملكا مشتركا بيننا، والدفاع عن الحقوق المشروعة أمر لا يستدعي التردد."دفعت الهاتف إلى يده.لكن أيهم ظل مترددا، ولم يضغط زر الاتصال لوقت طويل."رؤى، قمر ما زالت صغيرة. حتى إن لم تكن قد قدمت إنجازا كبيرا للشركة، فقد بذلت جهدا من أجلها على الأقل.""وأنا؟"نظرت إليه بسخرية: "أفيمرّ ما تعرضت له من ظلم آنذاك، وما تكبدته من خسائر، هكذا وكأن شيئا لم يكن؟""فضلا عن ذلك، هي ما زالت حرة طليقة من دون عقاب، فكيف أضمن ألا تكون بينك وبينها أي صلة؟""لكن إن أدخلتها السجن، فسأكون معك من دون أي قلق أو هواجس."همست بهذه الكلمات في أذنه.كوسوسة شيطان.فتح أيهم عينيه واسعا وهو ينظر إلي، وكأن هذه الكلمات منحته الشجاعة.أطلق زفرة عميقة، وصرّ على أسنانه، ثم ضغط زر الاتصال."مرحبا..."لكن في اللحظة التي اتصل فيها الخط، وقبل أن يكمل موظف الطوارئ كلامه، أغلق أيهم الهاتف فجأة بقوة، ثم رماه جانبا."لا، رؤى. أستطيع أن أوافقك على أي شيء، لكن هذا لا. هذا يتعلق بمصيرها كله. إذا دخلت السجن حقا، فستدمر حياتها إلى الأبد!"ضحكت.كنت قد توقعت اختياره منذ الب

  • حين تساقطت الأزهار ولم نلتقِ   الفصل 11

    "لماذا جئت إلى هنا مرة أخرى؟"نظرت إليه بهدوء، كما لو أنني أنظر إلى غريب.يبدو أن أيهم شعر بذلك أيضا، فأطبق شفتيه بشدة، ولم يقل إلا بعد وقت طويل: "رؤى، انفصلت عن قمر.""فكرت في الأمر من جديد. أنا مستعد لأن أتخلى عن كل شيء وأبقى معك في الخارج.""أعرف أنك ما زلت غاضبة مني، لكنني عرفت خطئي بالفعل. سأجد طريقة لتسوية أمر الشركة في الوطن، ثم ننسى كل شيء ونبدأ من جديد."نظرت إلى عينيه الثابتتين، ولم أشعر إلا أن الأمر مضحك."هل أنت حقا من سيجد طريقة لتسوية أمرها، أم أن الشركة أصلا على وشك إعلان الإفلاس والتصفية؟"رغم أنني لم أعد أتابع أخبار أيهم، فإن بعض الزملاء الذين كنت قد أضفتهم سابقا ما زالوا يراسلونني من وقت إلى آخر للدردشة.أخبرتني إحداهن أنه بعد رحيلي بوقت قصير، ظهر خلل خطير في الخطة التي كانت قمر مسؤولة عنها، وكان لا بد من دفع مبلغ كبير كتعويض.ولأجل ذلك، ظل أيهم وقمر يلاحقان الجهة المتعاونة ويتوسلان إليها.لاحقا، ضاقت الجهة المتعاونة ذرعا من إلحاحهما، فوافقت أخيرا على منحهما فرصة أخرى، وطلبت إعادة تنفيذ هذا المشروع.وكان ذلك بالضبط في الفترة التي اتصل بي فيها أيهم عبر الفيديو في المرة

  • حين تساقطت الأزهار ولم نلتقِ   الفصل 10

    "رؤى، لقد عجزت عن مجاراتك حقا. عليك أن تعرفي أن هذه أول مرة أتنازل فيها من أجل امرأة، فاعتبري نفسك محظوظة.""صبري على قمر لا يبلغ حتى عُشر صبري عليك..."وحين بدا أن أيهم سيواصل كلامه بزهو وحماسة، قاطعته:"لقد أسأت الفهم."أخذت وثيقة إقامتي التي كانت بجانبي، ورفعتها أمام الكاميرا: "لقد هاجرت، ولن أعود أبدا."عندما أنهيت المكالمة، بدا أيهم على الطرف الآخر كأنه لم يستوعب الأمر بعد.تجمد في مكانه، وسقط صندوق الخاتم من يده على الأرض محدثا صوتا حادا.لكنني كنت أعرف.سيستوعب الأمر.وسيستعيد توازنه سريعا.منذ أن بدأ يقف في صف قمر ويدافع عنها، ويضيّق عليّ بكل طريقة ممكنة، كان عليه أن يتوقع أن يأتي هذا اليوم.هذه المرة لم يعد أمر أيهم يؤثر فيّ. ألقيت تلك المكالمة وراء ظهري، وكرست نفسي بالكامل للبحث.وربما لأنه فهم أيضا أنني عقدت العزم نهائيا على الانفصال، لم يحاول أيهم استعادتي مرة أخرى.بدأ يسافر مع قمر إلى كل مكان بلا أي تحفظ، ويستعرض علاقتهما، وينشر لحظاتهما الرومانسية على إنستغرام أولا بأول.كنا كمسارين سرديين متزامنين في مسلسل تلفزيوني.حين كانا يحتفلان بالفوز بالمشروع ويتناولان عشاء على ضو

  • حين تساقطت الأزهار ولم نلتقِ   الفصل 9

    لاحقا، ومع مرور الوقت، تبدلت اهتماماته مرارا.أما أنا، فكنت أغوص أكثر فأكثر في البحث يوما بعد يوم، حتى صرت عاجزة عن التوقف عنه.وخلال هذه السنوات، رغم أنني بقيت طوال الوقت في شركة أيهم، وأؤدي عملا لا علاقة له بالروبوتات على الإطلاق، فإنني كنت ما زلت أتابع في أوقات فراغي التطورات في هذا المجال.لذلك، حين عدت إلى دراسته من جديد، لم أجد الأمر مرهقا إلى ذلك الحد.خلال ذلك، أرسل إليّ أيهم بضع رسائل أخرى. كان معناها العام أنه ما زال لا يظن أنني سأتركه حقا، كما منحني أكثر من فرصة للنزول عن موقفي.لم أرد عليه.ثم أرسل إليّ أيهم بضع صور.كان إشعارا بنقل قمر إلى وظيفة أخرى."لقد تحققت من الأمر. لم أكن أنا من وافق على طلب استقالتك، بل وافقت عليه قمر بالخطأ أثناء معالجة الطلب، ولم تكن تعرف أنك أنت مقدمة الطلب.""لقد نقلتها الآن إلى قسم الخدمات الإدارية، ولن أسمح لها بعد الآن بالتدخل في شؤون الشركة. لقد غضبت وعاندت بما يكفي حتى الآن، أليس كذلك؟"وسرعان ما أرسلت إلي قمر أيضا رسالة اعتذار.كانت رسالة طويلة مطولة، تبدو في ظاهرها صادقة ومخلصة.لكنني مع ذلك استطعت أن أرى أنها كتبت بطريقة تخفي عبارة أخرى

  • حين تساقطت الأزهار ولم نلتقِ   الفصل 8

    هذه المرة لم أعد أعجز عن الكلام من شدة غضبي منه، بل أخرجت هاتفي."إذن قل هذا الكلام أمام الشرطة."لم أكن أنوي إثارة مشكلة معه، لكنني كنت مستعدة أيضا، إن أصر على المراوغة والتشبث بالباطل، لأن أمزق آخر خيط من المجاملة بيننا.وحين رأى أيهم أنني اتصلت فعلا بالشرطة، تغير وجهه من شدة الفزع.تقدم بخطوات سريعة، وانتزع هاتفي من يدي، وأنهى المكالمة."رؤى، هل جننت؟""لم أجن. أنا فقط أريد أن أسأل هل كلامك هذا له سند في القانون أم لا؟"ربما لأنه لم يرني من قبل أضغط عليه خطوة بعد خطوة بهذا الشكل، فقد بدا ارتباك أيهم واضحا للعين.شد شفتيه وقال: "حسنا يا رؤى، كفى إثارة للمشاكل. أعرف أن مسألة قمر تضايقك. إذن ابتداء من الغد، لن أقابلها على انفراد مرة أخرى، هل يكفيك هذا؟""أما حفل زفافنا، فسأحجزه الآن."أخرج هاتفه وقال: "هذه شركة تصميم وتنظيم حفلات الزفاف، وكنت أتابعها منذ وقت طويل. وبعد عودتي من رحلة العمل هذه المرة، كنت أريد أيضا أن أناقش معك أمر الزفاف. انظري..."وهو يقول ذلك، مد الهاتف أمامي، ليريني سجل محادثته مع خدمة العملاء.ألقيت نظرة سريعة.كانت بالفعل محادثة بينه وبين خدمة العملاء، يدور فيها ال

  • حين تساقطت الأزهار ولم نلتقِ   الفصل 7

    تصلب جسد أيهم قليلا.أما عينا قمر فلمعتا للحظة.وارتسمت على شفتيها في الحال ابتسامة ظافرة، كأنها نالت ما أرادت.ورغم أنها سرعان ما عادت إلى طبيعتها، فإنني رأيت ذلك بوضوح تام."أختي رؤى، كلامك هذا فيه شيء من القسوة. فأنتما في النهاية...""كفى يا قمر، اخرجي أولا."قبل أن تكمل قمر كلامها، قاطعها أيهم بصوت فاتر.علقت بقية كلمات قمر في فمها، ثم تظاهرت بالطيبة، ونصحت أيهم بألا يغضب وأن يتحدثا بهدوء إن كان هناك ما يجب الحديث عنه، وبعد ذلك نزلت إلى الطابق السفلي راضية.بعد أن غادرت، رمقني أيهم بنظرة باردة حادة."رؤى، هل تستغلين تساهلي معك وتتمادين؟ لقد وافقت على الزواج منك، فماذا تريدين أكثر؟ ولماذا تفتعلين المشاكل؟""تراجعي عن كلامك بشأن الانفصال. أما طلب الاستقالة فلن أوقعه. مزقيه الآن، وسأعتبر أنني لم أر شيئا."حين رأيت ثقته بنفسه، لم أشعر إلا بالسخرية.ومع ذلك شعرت بالحزن أيضا.كنت أعرف جيدا أن تساهلي معه في الماضي كان سببا في أن يصبح هكذا.حدثت مثل هذه الأمور كثيرا من قبل، وفي كل مرة كان أيهم يمنحني مخرجا، فأستجيب له وأنزل عن موقفي، ونواصل الحفاظ على وهم أننا ما زلنا حبيبين متحابين.كنت أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status