登入في اليوم الثالث من الخصام الصامت بيننا، تعمّد خطيبي الموافقة على اقتراح مساعدته الصغيرة بالقيام برحلة طويلة بالسيارة. كان يظن أنني سأغار وأتشاجر كما كنت أفعل دائما، لكن من كان يتوقع أنه حين عاد بعد شهر، اكتشف أنني تغيرت. حين ساعد مساعدته الصغيرة على انتزاع مشروعي، لم أعد أقدّم استقالتي غيظا كما في السابق، بل أخذت أركض هنا وهناك، وأساعدها باهتمام زائد في إعداد الخطة. وحين أتلف التصميم الذي تعبت في إنجازه كي تحصل مساعدته الصغيرة على مكافأة نهاية العام، لم أعد أحاول بكل وسيلة أن أثبت الحقيقة، بل تحملت كل الاتهامات، وتركت له أن يعاقبني كما يشاء. بل حتى عندما أراد أن يتجاوز القواعد ويرقّي مساعدته الصغيرة إلى منصب المدير العام للشركة، لم أغضب، بل بادرت إلى التنازل عن كل الأسهم التي أملكها، تاركة لخطيبي حرية توزيعها كما يشاء. اغترّت المساعدة الصغيرة بنفسها. "أرأيت؟ ألم أقل لك إن شخصية أختي رؤى الراشدي لا ينفع معها الأسلوب القاسي؟ لا بد من التعامل معها ببرود حتى يؤتي الأمر ثماره. لا شك أن ابتعادك عنها هذه الفترة قد أتى بنتيجة. لقد خافت أن تخسرك، لذلك أصبحت مطيعة إلى هذا الحد." صدّق خطيبي كلامها تماما، وأخذ يثني على ذكاء مساعدته الصغيرة، ثم جاء إليّ على انفراد، يريد أن يرقّيني ويزيد راتبي، بل وعدني، على نحو غير مسبوق، بحفل زفاف لا يُنسى. لكنه بدا كأنه نسي أنه أثناء تلك الرحلة، كان قد وقّع بالفعل على اتفاق مغادرتي للشركة. وأنا أيضا كنت قد انفصلت عنه بالفعل. ومنذ ذلك الحين، قطعت علاقتي به نهائيا، ولم تعد بيننا أي صلة.
查看更多تجمد أيهم للحظة عند سماع ذلك."بعد أن نعود إلى بعضنا، ستصبح الشركة ملكا مشتركا بيننا، والدفاع عن الحقوق المشروعة أمر لا يستدعي التردد."دفعت الهاتف إلى يده.لكن أيهم ظل مترددا، ولم يضغط زر الاتصال لوقت طويل."رؤى، قمر ما زالت صغيرة. حتى إن لم تكن قد قدمت إنجازا كبيرا للشركة، فقد بذلت جهدا من أجلها على الأقل.""وأنا؟"نظرت إليه بسخرية: "أفيمرّ ما تعرضت له من ظلم آنذاك، وما تكبدته من خسائر، هكذا وكأن شيئا لم يكن؟""فضلا عن ذلك، هي ما زالت حرة طليقة من دون عقاب، فكيف أضمن ألا تكون بينك وبينها أي صلة؟""لكن إن أدخلتها السجن، فسأكون معك من دون أي قلق أو هواجس."همست بهذه الكلمات في أذنه.كوسوسة شيطان.فتح أيهم عينيه واسعا وهو ينظر إلي، وكأن هذه الكلمات منحته الشجاعة.أطلق زفرة عميقة، وصرّ على أسنانه، ثم ضغط زر الاتصال."مرحبا..."لكن في اللحظة التي اتصل فيها الخط، وقبل أن يكمل موظف الطوارئ كلامه، أغلق أيهم الهاتف فجأة بقوة، ثم رماه جانبا."لا، رؤى. أستطيع أن أوافقك على أي شيء، لكن هذا لا. هذا يتعلق بمصيرها كله. إذا دخلت السجن حقا، فستدمر حياتها إلى الأبد!"ضحكت.كنت قد توقعت اختياره منذ الب
"لماذا جئت إلى هنا مرة أخرى؟"نظرت إليه بهدوء، كما لو أنني أنظر إلى غريب.يبدو أن أيهم شعر بذلك أيضا، فأطبق شفتيه بشدة، ولم يقل إلا بعد وقت طويل: "رؤى، انفصلت عن قمر.""فكرت في الأمر من جديد. أنا مستعد لأن أتخلى عن كل شيء وأبقى معك في الخارج.""أعرف أنك ما زلت غاضبة مني، لكنني عرفت خطئي بالفعل. سأجد طريقة لتسوية أمر الشركة في الوطن، ثم ننسى كل شيء ونبدأ من جديد."نظرت إلى عينيه الثابتتين، ولم أشعر إلا أن الأمر مضحك."هل أنت حقا من سيجد طريقة لتسوية أمرها، أم أن الشركة أصلا على وشك إعلان الإفلاس والتصفية؟"رغم أنني لم أعد أتابع أخبار أيهم، فإن بعض الزملاء الذين كنت قد أضفتهم سابقا ما زالوا يراسلونني من وقت إلى آخر للدردشة.أخبرتني إحداهن أنه بعد رحيلي بوقت قصير، ظهر خلل خطير في الخطة التي كانت قمر مسؤولة عنها، وكان لا بد من دفع مبلغ كبير كتعويض.ولأجل ذلك، ظل أيهم وقمر يلاحقان الجهة المتعاونة ويتوسلان إليها.لاحقا، ضاقت الجهة المتعاونة ذرعا من إلحاحهما، فوافقت أخيرا على منحهما فرصة أخرى، وطلبت إعادة تنفيذ هذا المشروع.وكان ذلك بالضبط في الفترة التي اتصل بي فيها أيهم عبر الفيديو في المرة
"رؤى، لقد عجزت عن مجاراتك حقا. عليك أن تعرفي أن هذه أول مرة أتنازل فيها من أجل امرأة، فاعتبري نفسك محظوظة.""صبري على قمر لا يبلغ حتى عُشر صبري عليك..."وحين بدا أن أيهم سيواصل كلامه بزهو وحماسة، قاطعته:"لقد أسأت الفهم."أخذت وثيقة إقامتي التي كانت بجانبي، ورفعتها أمام الكاميرا: "لقد هاجرت، ولن أعود أبدا."عندما أنهيت المكالمة، بدا أيهم على الطرف الآخر كأنه لم يستوعب الأمر بعد.تجمد في مكانه، وسقط صندوق الخاتم من يده على الأرض محدثا صوتا حادا.لكنني كنت أعرف.سيستوعب الأمر.وسيستعيد توازنه سريعا.منذ أن بدأ يقف في صف قمر ويدافع عنها، ويضيّق عليّ بكل طريقة ممكنة، كان عليه أن يتوقع أن يأتي هذا اليوم.هذه المرة لم يعد أمر أيهم يؤثر فيّ. ألقيت تلك المكالمة وراء ظهري، وكرست نفسي بالكامل للبحث.وربما لأنه فهم أيضا أنني عقدت العزم نهائيا على الانفصال، لم يحاول أيهم استعادتي مرة أخرى.بدأ يسافر مع قمر إلى كل مكان بلا أي تحفظ، ويستعرض علاقتهما، وينشر لحظاتهما الرومانسية على إنستغرام أولا بأول.كنا كمسارين سرديين متزامنين في مسلسل تلفزيوني.حين كانا يحتفلان بالفوز بالمشروع ويتناولان عشاء على ضو
لاحقا، ومع مرور الوقت، تبدلت اهتماماته مرارا.أما أنا، فكنت أغوص أكثر فأكثر في البحث يوما بعد يوم، حتى صرت عاجزة عن التوقف عنه.وخلال هذه السنوات، رغم أنني بقيت طوال الوقت في شركة أيهم، وأؤدي عملا لا علاقة له بالروبوتات على الإطلاق، فإنني كنت ما زلت أتابع في أوقات فراغي التطورات في هذا المجال.لذلك، حين عدت إلى دراسته من جديد، لم أجد الأمر مرهقا إلى ذلك الحد.خلال ذلك، أرسل إليّ أيهم بضع رسائل أخرى. كان معناها العام أنه ما زال لا يظن أنني سأتركه حقا، كما منحني أكثر من فرصة للنزول عن موقفي.لم أرد عليه.ثم أرسل إليّ أيهم بضع صور.كان إشعارا بنقل قمر إلى وظيفة أخرى."لقد تحققت من الأمر. لم أكن أنا من وافق على طلب استقالتك، بل وافقت عليه قمر بالخطأ أثناء معالجة الطلب، ولم تكن تعرف أنك أنت مقدمة الطلب.""لقد نقلتها الآن إلى قسم الخدمات الإدارية، ولن أسمح لها بعد الآن بالتدخل في شؤون الشركة. لقد غضبت وعاندت بما يكفي حتى الآن، أليس كذلك؟"وسرعان ما أرسلت إلي قمر أيضا رسالة اعتذار.كانت رسالة طويلة مطولة، تبدو في ظاهرها صادقة ومخلصة.لكنني مع ذلك استطعت أن أرى أنها كتبت بطريقة تخفي عبارة أخرى