Share

٨

last update publish date: 2026-04-23 00:48:13

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا

وقفت تالين في ساحة الجامعة تراقب شهاب وهو يبتعد بخطوات سريعة، كأن الأرض تعرف وجهته قبله، حتى ابتلعه الزحام واختفى عند بوابة الكلية. بقيت مكانها لثوانٍ طويلة لا تعرف لماذا لم تتحرك، كأن شيئًا منها سار معه وتركها فارغة على نحو خفيف ومؤلم في آن واحد. لم يكن ما شعرت به مجرد انزعاج من مغادرته المفاجئة، ولا ضيقًا عابرًا لأنها لم تحصل على تفسير يرضي فضولها، بل كان قلقًا حقيقيًا، ثقيلًا، استقر في صدرها مثل حجر بارد. جاءها صوت رند من خلفها وهي تقترب بخطوات مرحة: ما بك؟ كأنك فقدتِ شيئًا. التفتت تالين بسرعة، كأنها ضُبطت متلبسة بفكرة لا تريد الاعتراف بها، وقالت بحدة دفاعية: لا شيء. رفعت رند حاجبها وقالت مبتسمة: إذًا لماذا تنظرين إلى البوابة وكأنك تنتظرين عودته؟ عبست تالين وأشاحت بوجهها: أنا لا أنتظر أحدًا. اكتفت رند بابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة التي تقول إنها لا تصدق حرفًا واحدًا.

مرّ ذلك اليوم ببطء غير مألوف، حتى بدا الزمن نفسه أثقل من المعتاد. في المحاضرة التالية كان المقعد المجاور لها فارغًا، فارغًا على نحو مستفز، وكأن غيابه اتخذ شكلًا ماديًا يمكن رؤيته. حاولت التركيز على شرح الدكتور، لكن عينيها كانتا تنزلقان إلى المساحة الخالية قربها كل بضع دقائق. وفي الاستراحة، جلست تأكل دون أن تسمع تعليقًا ساخرًا على طعامها، ودون أن يمد أحد يده ليأخذ قطعة بطاطا ثم ينكر ذلك ببرود. وعند نهاية الدوام خرجت من الجامعة وهي تشعر أن يومها انتهى ناقصًا، كصفحة توقفت جملتها الأخيرة قبل الكلمة الأهم. حاولت أن تقنع نفسها أن السبب مجرد اعتياد، ليس أكثر. لكن الكلمة نفسها التي قالها شهاب عادت ترن في ذهنها بإلحاح: حين تعتاد شيئًا... يصبح فقده مؤلمًا. هزّت رأسها بعصبية، وكأنها تريد إسكات صوته داخلها، وتمتمت: لا أبالغ.

في المساء، صار هاتفها مركز الغرفة كلّها. كانت تفتحه كل دقائق، تضيء الشاشة ثم تطفئها، تنتظر إشعارًا واحدًا، كلمة عابرة، أي أثر يدل على أنه بخير. لا رسالة، لا تعليق، لا شيء. كتبت: "وصلت؟" ثم حدقت في السؤال وشعرت أنه يكشف أكثر مما ينبغي، فحذفته. كتبت: "أين اختفيت؟" ثم حذفته أيضًا. بقيت تحدق في الفراغ قبل أن تكتب أخيرًا: "نسيتَ كتابك في القاعة." أرسلته فورًا، ثم جلست تعد الدقائق بعينين متوترتين. بعد عشر دقائق جاء الرد: "لم أنسه. تركته لك." انعقد حاجباها دهشة. كتبت: "لماذا؟" فجاء الجواب: "في الصفحة الأخيرة." نهضت بسرعة حتى كادت تُسقط الكرسي، أخرجت الكتاب من حقيبتها، وفتحت الصفحة الأخيرة بأصابع متعجلة. كانت هناك ورقة صغيرة مطوية. فتحتها لتجد بخطه: "المعادلة التي أخطأتِ فيها اليوم محلولة. لا تتسببي برسوبي معك." شهقت رغمًا عنها، وغامت عيناها بابتسامة لا تريد أن تظهر. هذا الإنسان مستحيل. لكنها انتبهت إلى سطر أصغر أسفل الرسالة، كُتب بخفة كأنه لا يريد أن يُرى: "ولا تقلقي... أنا بخير." توقفت أنفاسها لحظة. شعر جسدها كله بذلك السطر، لا عيناها فقط. هو عرف أنها قلقة، وطمأنها قبل أن تسأله. جلست على سريرها تحدق في الورقة طويلًا، ودفء غريب يتسرب إلى صدرها، ثم ابتسمت دون أن تشعر.

في اليوم التالي عاد شهاب إلى الجامعة كما لو أن شيئًا لم يحدث. دخل القاعة متأخرًا دقيقة واحدة، وجلس بجانبها، وأخرج دفاتره بهدوئه المعتاد. لم يحتمل صبرها أكثر، فالتفتت إليه بحدة: أين كنت؟ أجاب وهو يفتح كتابه: صباح الخير أولًا. قالت بنفاد صبر: أين كنت؟ رد دون أن ينظر إليها: مشوار. ضاقت عيناها: كاذب. عندها التفت إليها أخيرًا، وفي نظرته ذلك الهدوء المستفز الذي يزيدها توترًا، وقال: أنتِ تبدأين يومك بالاتهامات؟ أجابت بسرعة: وأنت تبدأه بالأسرار. رفع حاجبه بخفة: هل أصبحنا مهمين لهذه الدرجة؟ ارتبكت، وتعثرت الكلمات على لسانها: لا... لكن— قاطعها: إذًا اهدئي. التفتت نحو السبورة بعصبية، تشعر بحرارة في وجهها لأنها لم تجد جوابًا مناسبًا. وبعد دقيقة، دفع نحوها علبة عصير صغيرة. نظرت إليه باستغراب: ما هذا؟ قال: اعتذار. سألت: على ماذا؟ أجاب دون أن يرفع رأسه: لأنك غضبتِ. شهقت معترضة: أنا لم أغضب. قال ببساطة: اشربيه إذًا. أخذته منه بعناد وقالت: سأشربه لأثبت أني لم أغضب. لمحته يبتسم بطرف فمه: ذكية.

بعد انتهاء المحاضرات اجتمعوا في القاعة الجانبية لتسليم الجزء الأخير من المشروع. جلس شهاب يراجع الأوراق بسرعة، بينما كانت تالين تراقبه من طرف عينها، وقد لاحظت أن أصابعه ترتجف قليلًا كلما قلب صفحة. لم تستطع تجاهل الأمر، فقالت فجأة: أنت متعب. رد دون أن يرفع رأسه: وأنتِ مراقِبة. قالت بصرامة: أجب. تنهد: قليلًا. سألته مباشرة: هل أخذت دواءك؟ قال بنبرة ساخرة: أشعر أني تحت إشراف طبي. شددت نبرتها: أخذته أم لا؟ رفع عينيه إليها هذه المرة، ثم قال بعد صمت قصير: لا. اتسعت عيناها: شهاب! رفع يده كأنه يطلب هدنة: نسيت. قالت فورًا: كاذب. أجاب: هذه المرة صدق. مدّت يدها إلى حقيبته دون تفكير، تريد أن تفتش عنها بنفسها، لكنه أمسك معصمها بسرعة. تجمدت في مكانها. كانت يده دافئة، قوية بما يكفي لإيقافها، وقريبة بما يكفي لتربك أنفاسها. نظرت إليه، فوجدت وجهه أقرب مما ينبغي، ونظرته ثابتة عليها. قال بصوت منخفض: من سمح لك؟ سحبت يدها بارتباك وقالت وهي تحاول استعادة توازنها: ومن سمح لك بإهمال نفسك؟ ساد صمت قصير، ثم ترك الحقيبة، وأخرج الدواء بنفسه، وشربه أمامها. قالت بانتصار وهي تخفي ارتجاف أصابعها: جيد. قال وهو يعيد العلبة: مخيفة.

حين خرج الجميع وبقي الاثنان وحدهما يجمعان الأوراق، خفت ضجيج المكان، وصار صوت تحريك الملفات واضحًا في القاعة الهادئة. قالت تالين وهي ترتب الأوراق لتشغل نفسها عن النظر إليه: هل يمكنني سؤال حقيقي؟ قال: أحيانًا. سألت بعد تردد: لماذا لا تخبر أحدًا بما تمر به؟ أغلق الملف الأخير، وأسند ظهره إلى الكرسي، ثم قال بنبرة أكثر جدية من المعتاد: لأن الناس يتغيرون. سألت: كيف؟ أجاب وهو ينظر إلى نقطة بعيدة: حين يعرفون أنك مريض... ينقسمون. إلى ماذا؟ قال: من يشفق عليك، ومن يهرب منك. شعرت بانقباض حاد في صدرها، كأن العبارة لم تصفه وحده بل كشفت خيبة قديمة يسكنها. قالت بهدوء: ليس الجميع. قال: ربما. ثم أضاف وهو ينظر إليها مباشرة: أنتِ لم تتغيري... أنتِ تغيّرتِ. اتسعت عيناها: أنا؟ قال: نعم. سألت: كيف؟ مال قليلًا نحوها وقال: في البداية كنتِ تريدين قتلي. قالت بسرعة لتخفي ارتباكها: ما زلت أريد أحيانًا. ابتسم: والآن... توقفت أنفاسها وهي تنتظر. قالت: والآن ماذا؟ قال: الآن تسألين إن كنت أخذت دوائي. شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها، فأشاحت بنظرها وقالت بتماسك مصطنع: هذا لأنك عديم مسؤولية. قال بهدوء منتصر: طبعًا.

في طريق خروجهما من المبنى، كانت السماء تميل إلى الغروب، والضوء البرتقالي ينساب على الجدران والممرات شبه الفارغة. قال فجأة: تالين. أجابت: ماذا؟ قال: لو طلبت منك خدمة... هل ترفضين؟ قالت: غالبًا. ابتسم: صادقة. ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا ومده إليها: أريدك أن تحتفظي بهذا. نظرت إليه باستغراب: ما هذا؟ قال: شيء مهم. سألت: ولماذا أنا؟ أجاب: لأنك فضولية بما يكفي لتحافظي عليه. أخذت الظرف، وكان مغلقًا بإحكام، فمررت أصابعها على حافته متسائلة: هل أفتحه؟ قال فورًا: لا. ومتى أعيده؟ قال: حين أطلبه. هزت رأسها ساخرة: هذا غامض جدًا. رد بثقة جافة: أنا شخص واضح جدًا. ضحكت وقالت: أكثر شخص غير واضح رأيته. ثم وضعته في حقيبتها، لكن ثقله بدا أكبر من حجمه.

عند البوابة، توقف فجأة، وشحب وجهه قليلًا قبل أن يستند إلى الجدار. اقتربت منه فورًا وقد قفز قلبها إلى حلقها: شهاب! رفع يده مطمئنًا: أنا بخير. قالت بانفعال: توقف عن هذه الجملة. أجاب: لكنها صحيحة غالبًا. قالت بحزم: اجلس. قال وهو يبتسم بتعب: أنتِ تأمرين كثيرًا. كررت: اجلس. جلس أخيرًا على المقعد الحجري القريب. وقفت أمامه ويداها متشابكتان من القلق، لا تعرف أين تضعهما. سألت: هل أتصل بوالدتك؟ قال: لا. بالمستشفى؟ لا. إذًا ماذا أفعل؟ رفع عينيه إليها، وكانت فيهما هشاشة لم ترها من قبل، ثم قال بهدوء: ابقي دقيقة. تجمدت. قالت بخفوت: ماذا؟ كرر: فقط... ابقي. جلست بجانبه دون كلمة. مرّت دقيقة كاملة بصمت كثيف. صوت السيارات بعيد، نسمة خفيفة تمر بين الأشجار، ورائحة الغبار الدافئ بعد نهار طويل، أما قلبها فكان أعلى من كل شيء. بعد قليل اعتدل في جلسته وقال: تحسنت. نظرت إليه بقلق لم يهدأ: حقًا؟ قال: نعم. سألت: بسبب الراحة؟ هز رأسه، ثم قال وهو ينظر إليها: بسببك. شعرت أن الهواء انقطع حولها، وأن نبضها صار مسموعًا في المكان كله. وقبل أن تجد ردًا، وقف فجأة وقال: سأذهب. حدقت فيه: هكذا فقط؟ أجاب: هكذا أفضل. ثم مضى، تاركًا وراءه فوضى كاملة داخلها.

في الليل، كانت ترتب حقيبتها حين لامست أصابعها الظرف الذي أعطاها إياه. أخرجته ونظرت إليه طويلًا تحت ضوء الغرفة الأصفر. الفضول كان يكاد يلسعها من الداخل. قالت لنفسها: لن أفتحه. وبعد دقيقة قالت: سأنظر فقط. وبعد ثانيتين كانت قد فتحته بالفعل. في الداخل صورة قديمة لشهاب طفلًا، يمسك بيد رجل يبتسم له. شيء في الصورة كان دافئًا على نحو مؤلم، لأن النسخة الصغيرة منه بدت أخف مما تعرفه الآن. وخلف الصورة ورقة مطوية. فتحتها بارتباك، لتقرأ: "إذا وصل هذا إليك يومًا... فاعلمي أنني لم أجد أحدًا أثق به أكثر منك." اتسعت عيناها، وبدأت يدها ترتجف. لكن أسفل السطر كان تاريخ قديم، أقدم بكثير من معرفتهما، أقدم من كل ما بينهما. وقبل أن تفهم شيئًا، أضاء هاتفها برسالة منه: "أرجعي الظرف غدًا... ولا تفتحيه." شهقت ونظرت إلى الشاشة، ثم إلى الظرف المفتوح بين يديها، ثم همست وهي تشعر بأن المصيبة بدأت فعلًا: مصيبة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٦ والأخير

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم يعد شهاب يتحرك بعشوائية كما كان من قبل، ولا حتى كمن يحاول النجاة من شيء يطارده. كان كل شيء في خطواته محسوبًا بدقة غريبة، كأنه لا يعيش اليوم فقط، بل يغلق به سلسلة طويلة من الأيام التي لم تكن تشبه الحياة بقدر ما كانت تشبه البقاء على الحافة. في ذلك الصباح، كان البيت ساكنًا على نحو مختلف، ليس هدوء الراحة الذي يسبق الاطمئنان، بل هدوء يشبه الوقوف أمام باب يُغلق نهائيًا بعد طول انتظار.تالين شعرت بذلك التغيّر قبل أن تسمع أي كلمة. كان في الهواء شيء مشدود، في الضوء، في طريقة وقوفه وهو يرتدي معطفه بصمت لا يحمل ارتباكًا هذه المرة. رفعت نظرها إليه ببطء، وكأن داخلها يتوقع شيئًا لا تريد تسميته، وقالت بصوت منخفض: "أنت مختلف اليوم." لم ينكر، لم يتهرب، فقط قال بثبات هادئ: "اليوم ينتهي كل شيء." توقفت يداها عن الحركة للحظة، وشعرت بشيء يشبه الانقباض الخفيف في صدرها، ثم سألته: "كيف يعني ينتهي؟" اقترب منها قليلًا، ونظر إليها مباشرة وكأنه يختار كلماته من مكان بعيد: "سأسلم كل الملفات… وكل ما تبقى… وأغلق هذا الملف بالكامل."كانت تلك البداية التي لم تشبه أي بداية سابقة، بل نهاي

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٥

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم يعد البيت كما كان من قبل، ولم تعد تالين أيضًا كما كانت في الأيام التي سبقت هذا الهدوء الجديد. كان هناك تغيّر يحدث بصمت، لا يعلن عن نفسه ولا يطلب الاعتراف، لكنه يترك أثره في كل شيء؛ في طريقة جلوسها، في تنفسها، في نظرتها حين تقع على شهاب دون أن تدرك أنها لم تعد تراه بالخوف ذاته الذي كان يسبق حضوره. لم يكن الألم قد اختفى، لكنه لم يعد يحتل المساحة كاملة كما كان يفعل، كأنه تراجع قليلًا إلى الخلف ليمنح شيئًا آخر فرصة الظهور، شيئًا أشبه بالسكينة المترددة.كانت تالين تجلس على الأريكة، والطفل نائم بجانبها، وجسدها مستند بخفة لا تشبه ذلك التوتر القديم الذي كان يسكن كتفيها دائمًا. وجهها بدا أخف، كأن التعب الطويل بدأ يهدأ في ملامحه دون أن يختفي تمامًا. حين دخل شهاب الغرفة بهدوءه المعتاد، لم تتحرك كما كانت تفعل سابقًا، لم تُشدّ ملامحها ولم تتصلب، بل رفعت نظرها إليه فقط، ثم ابتسمت. كانت ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها بالنسبة لها كانت شيئًا غير مألوف، وكأنها خرجت من مكان داخلي لم يكن يستخدم منذ وقت طويل. والأغرب أنها وصلت إليه مباشرة.توقف للحظة، وكأنه يحاول قراءة هذا التغ

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٤

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًافي الأيام التي تلت ذلك، لم يكن كل شيء قد استقر كما يبدو من الخارج، لكن شيئًا خفيًا كان يتشكل بهدوء، كطبقة دافئة تُضاف فوق تعب طويل. لم يكن هناك سلام كامل، بل نوع مختلف من الحياة، حياة تمشي على حافة الإرهاق لكنها تحمل بين طياتها دفئًا صغيرًا لا يُفسَّر بسهولة، أشياء لا تُقال لكنها تُفهم من نظرة، من حركة يد، من صمت لا يبدو فارغًا هذه المرة.كانت تالين تجلس على الأريكة، تحتضن طفلها بين ذراعيها، تحاول أن تمنحه الرضاعة بهدوء متماسك، لكن داخلها لم يكن هادئًا تمامًا. جسدها مشدود قليلًا، وكتفاها يحملان توترًا خفيًا لا تستطيع إخفاءه، خصوصًا مع وجود شهاب في الغرفة نفسها. كان حضوره وحده كافيًا ليجعلها أكثر وعيًا بكل حركة تقوم بها، وكأن الهواء نفسه أصبح أكثر كثافة حين يكون قريبًا.شهاب كان واقفًا قرب النافذة، لا يتدخل، لا يقتحم المسافة بينها وبين طفلها، لكنه في الوقت نفسه لم يكن غائبًا. عينيه كانتا تعودان إليها بين لحظة وأخرى، بهدوء مراقب لا يحمل استعجالًا، وكأنه يمنحها مساحة من جهة، ويظل حاضرًا فيها من جهة أخرى. هذا التوازن تحديدًا هو ما جعل توترها لا يهدأ تمامًا.ق

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٣

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًامرّ أسبوعان على الولادة، لكن الزمن بدا وكأنه فقد طريقه المعتاد داخل هذا البيت. لم يعد يُقاس بالساعات أو الأيام، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر: بكاء خفيف من الغرفة المجاورة، حركة طفلة جديدة في الحياة، وخطوات هادئة لشهاب بدأت تملأ الفراغ الذي كان يبتلعه سابقًا. لم يعد الصمت هو السيد هنا، بل شيء أشبه بتوازن هش بين التعب والطمأنينة.تالين كانت تجلس على السرير، تحمل طفلها بين ذراعيها كأنها ما زالت تتعلم كيف تصدّق وجوده. ملامحه الصغيرة كانت تستقر في عينيها طويلاً، كأنها تحفظه لا تراه فقط، وكل نفس منه كان يعيد ترتيب شيء داخلها لم تكن تعرف أنه ما زال قابلًا للترتيب. كان وجهها مرهقًا، لكن التعب هذه المرة لم يكن انكسارًا، بل أثر حياة بدأت تتشكل من جديد فوق أنقاض ما قبلها.شهاب وقف عند الباب في البداية دون أن يدخل، يراقب المشهد بصمت طويل. لم يكن ذلك التردد القديم الذي يسبق حضوره، بل نوع مختلف من السكون، كأنه يخشى أن يفسد اللحظة بمجرد أن يخطو خطوة خاطئة. كان ينظر إليهما وكأنهما شيء لا يريد أن يلمسه الزمن، شيء يستحق أن يُحفظ كما هو ولو للحظة واحدة."هل نام؟"سأل أخيرًا بصوت

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٢

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم تعد اللحظة داخل الغرفة تحتمل أي تأجيل، وكأن كل ما سبق كان مجرد تمهيد طويل لثقل هذه الدقائق التي انضغط فيها الزمن حتى صار أشبه بفراغ مشدود على حافة الانفجار. الأوامر الطبية تتسارع، الأيدي تتحرك، والأصوات تتداخل بين توجيه ونداء، بينما الهواء نفسه بدا أكثر كثافة من أن يُتنفس بسهولة.تالين كانت هناك، لكنها لم تكن هناك بالكامل. جسدها على السرير، ممسكة بحافته وكأنها تتشبث بآخر نقطة ثابتة في عالم يتفكك حولها، ويدها الأخرى تبحث بشكل غريزي عن شيء يمنعها من السقوط داخل الألم وحده. كانت تتنفس بصعوبة، كل نفس يخرج منها وكأنه انتصار صغير على موجة جديدة من الانقباضات التي تعود أقوى من السابقة. عيناها نصف مفتوحتين، زائغتين بين السقف والوجوه حولها، لكن الحقيقة الوحيدة التي كانت تبحث عنها لم تكن في أي منهم.كانت في الباب.وعندما انفتح، لم يحدث شيء في الغرفة سوى أن الزمن نفسه بدا وكأنه توقف لحظة قصيرة، احترامًا لذلك الدخول الذي لم يكن عاديًا. شهاب وقف عند العتبة، جسده متوتر كوتر مشدود، وعينيه تمسكان بها كما لو أنه يخشى أن تختفي إذا رمش. لم يكن في نظرته خوف واضح، ولا راحة

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧١

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًامرّ الدفن على تالين كأنه حدث وقع في عالم آخر، عالم يخص غرباء لا يخصها، رغم أن قلبه انغرس في صدرها أكثر من أي أحد. عاد البيت بعده ساكنًا على نحو غير طبيعي؛ سكون لا يشبه الراحة بل يشبه الفراغ بعد العاصفة. لا أصوات زائرين، لا رنين هواتف، لا حركة سوى خطوات رند الخفيفة وهي تتنقل بين الغرف كأنها تخشى أن تزعج الحزن إذا رفعت صوتها. حتى الهواء بدا أثقل، كأن الجدران امتصت البكاء واحتفظت به داخلها. لم تعد تالين تجلس قرب النافذة كما كانت تفعل من قبل، بل اختارت زاوية أبعد عن الضوء، في الداخل، حيث لا تصل الشمس كاملة ولا تصل الحياة كاملة. كانت تجلس هناك منحنية قليلًا، يداها ساكنتان فوق حضنها، وعيناها غارقتان في مكان لا يراه أحد. وضعت رند كوب ماء أمامها وقالت برفق: "اشربي قليلًا." لم تمد يدها إليه. عادت رند تقول: "تالين... أنتِ لا تأكلين منذ يومين." أجابت بصوت خافت خالٍ من الانفعال: "لا أشعر بالجوع." قالت رند بصرامة محبطة: "هذا ليس جوابًا." عندها رفعت تالين عينيها ببطء، وكانت فيهما مسافة مرهقة، وقالت: "أنا لا أشعر بشيء أصلًا."في الجهة الأخرى، داخل الغرفة البيضاء التي صا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status