Share

٧

last update Tanggal publikasi: 2026-04-23 00:37:29

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا

في تلك الليلة، استعصى النوم على تالين كما لو أن السرير صار أرضًا غريبة لا تعرف كيف تستقر فوقها. كانت كلما أغمضت عينيها يعود إليها مشهد شهاب واقفًا قرب بوابة الجامعة، يخبئ إرهاقه خلف ملامحه الجامدة، وينتظر معها كأن الأمر لا يعني شيئًا، كأنه تفصيل عابر لا يستحق الذكر. لكنها كانت تعرفه بما يكفي لتدرك أن ما فعله لم يكن عابرًا أبدًا. شهاب لا ينتظر أحدًا، لا يشرح نفسه لأحد، ولا يبقى من أجل أحد، ومع ذلك بقي. تقلبت بين الغطاء والوسادة، وراحت حرارة وجهها ترتفع كلما تذكرت وقوفه الصامت قربها. مدّت يدها إلى هاتفها، وفتحت المحادثة بينهما. كانت رسائل قصيرة، حادة، مليئة بالسخرية والاستفزاز، لكنها بدت لها الآن أثمن من أحاديث طويلة فارغة. كتبت بتردد: "وصلت؟" وظلت تحدق في الكلمة الواحدة طويلًا، ثم أغلقت الهاتف، وفتحته ثانية، وأرسلته بسرعة كأنها تقفز من مكان مرتفع قبل أن تتراجع. مرت دقيقة، ثم أخرى، ثم خمس دقائق بدت أطول من الليل كله. عبست وهي تتمتم بضيق: مغرور... حتى الرد يثقله. وبعد عشر دقائق وصلها أخيرًا: "نعم." اتسعت عيناها بصدمة ممزوجة بانزعاج، وكادت تكتب اعتراضًا حين جاءت رسالة ثانية: "وهذا أول سؤال طبيعي تسألينه." ارتفعت زاوية فمها رغمًا عنها، وشعرت بوخزة خفيفة في صدرها تشبه الفرح الذي لا تريد الاعتراف به. كتبت: "لا تعتد." فجاء الرد فورًا هذه المرة: "متأخر." تسارعت نبضاتها على نحو أربكها، فأغلقت الهاتف بسرعة ودفنت وجهها في الوسادة، كأنها تهرب من نفسها وهي تهمس في الظلام: هذا غير طبيعي.

في صباح اليوم التالي، دخلت القاعة وهي تكرر لنفسها أنها ستتصرف على طبيعتها، وأن شيئًا لم يتغير. جلست في مكانها المعتاد، رتبت دفاترها بعناية زائدة، صفّت الأقلام بمحاذاة الطاولة، ونظرت نحو الباب مرة واحدة فقط... ثم مرتين... ثم ثلاثًا. وحين دخل شهاب أخيرًا، كان يحمل كوب قهوة تفوح رائحته الداكنة في الهواء، ويمشي ببطئه المعتاد، إلا أن وجهه بدا أقل شحوبًا من الأيام السابقة. جلس بجانبها ووضع على الطاولة كيسًا ورقيًا صغيرًا. نظرت إليه بحذر وسألته: ما هذا؟ فأجاب ببساطة: افتحيه. فتحت الكيس بأصابع مترددة، لتجد داخله شوكولاتة من النوع الذي تفضله دائمًا. رفعت رأسها إليه بسرعة، وفي عينيها دهشة صافية لم تستطع إخفاءها. كيف عرفت؟ أخرج كتابه وقال وهو يقلب الصفحة الأولى: تأكلينه وقت التوتر دائمًا. تجمد شيء ما داخلها. هو يلاحظها إلى هذا الحد؟ شعرت كأن المسافة بينهما صارت أضيق من عرض المقعد نفسه، فقالت محاولة الاحتماء بالسخرية: ومن قال إني متوترة؟ أجاب بلا اكتراث: تتحدثين أسرع حين تتوترين. قالت بعناد طفولي: أنا أتحدث بسرعة دائمًا. قال دون أن يرفع عينيه: صحيح. ثم عاد للكتابة وكأن شيئًا لم يحدث، بينما أغلقت هي الكيس بعناية مبالغ فيها لتخفي ارتباك أصابعها.

وفي منتصف المحاضرة، طلب الدكتور من الطلاب حل تمرين جماعي، فالتفت شهاب إليها قائلًا ببرود: أنتِ الحل. اتسعت عيناها: أنا؟ ولماذا؟ أجاب وهو يدفع الورقة نحوها: لأنني تعبت من إنقاذ درجاتك. شهقت باستنكار وهمست: وقح. لكنه قال ببساطة: ابدئي. أخذت الورقة بعصبية وبدأت تحل وهي تتمتم شتائم خافتة لا يسمعها سواه. بعد دقائق دفعت الورقة نحوه بثقة، فتأملها قليلًا ثم قال: خطأ. رفعت رأسها بحدة: مستحيل. أشار إلى سطر معين: هنا، السطر الثالث. انحنت نحوه بسرعة لتنظر، فاصطدم جبينها بكتفه مصادفة. ارتدت إلى الخلف فورًا، وحرارة مفاجئة صعدت إلى وجهها: آسفة! نظر إليها لحظة، ثم قال بصوت هادئ يحمل سخرية خفيفة: يوميًا تؤذينني بطريقة جديدة. كتمت ضحكتها بصعوبة وقالت: هذه المرة حادث. أجاب: أشك.

بعد انتهاء المحاضرات، وجدت نفسها تخرج معه دون ترتيب مسبق، كأن الأمر صار يحدث من تلقاء نفسه. كانت الساحة مزدحمة بأصوات الطلبة وخطواتهم، والهواء الربيعي يمر خفيفًا بين الأشجار. سألته وهي تسير بجانبه: ألا تملك أصدقاء أصلًا؟ قال بنبرة جافة: سؤال هجومي. أجابت: أريد جوابًا فقط. قال: أملك معارف. ضحكت: وهذا يعني لا. ثم سألها: وأنتِ؟ قالت بنبرة واثقة: لدي صديقات. كثيرات؟ نعم. نظر إليها بطرف عينه وقال: لكن حين تنزعجين... لا تذهبين إلا لرند. صمتت لحظة، ثم نظرت إليه بريبة: هل تراقبني؟ أجاب: أنتِ مرتفعة الصوت، لا حاجة للمراقبة. ضربته بكتابها على ذراعه، فقال فورًا: عدوانية. وشعرت، رغم اعتراضها، بخفة نادرة ترافق خطواتها.

وفي الكافتيريا، جلست مع رند بينما وقف شهاب ليشتري قهوته. مالت رند نحوها بسرعة، وعيناها تلمعان بالفضول: أنتما أصبحتما تقضيان الوقت معًا. قالت تالين بجمود متصنع: صدفة. سألتها رند: كل يوم؟ ردت: الجامعة صغيرة. قالت رند: والكافتيريا أيضًا؟ تجاهلتها تالين، لكن رند اقتربت أكثر وهمست بخبث: هل يعجبك؟ كادت تختنق بالعصير، وسعلت بعنف قبل أن تصرخ: لا! ضحكت رند: ولماذا صرختِ إذًا؟ قالت بانفعال: لأن سؤالك سخيف. وضعت رند يدها على قلبها تمثيلًا وقالت: آه... دخلنا مرحلة الإنكار. وفي تلك اللحظة عاد شهاب ووضع كوب قهوة أمام تالين. حدقت فيه بدهشة: هذا لي؟ قال: طلبتِه بعينيك. احتجت: أنا لم أطلب شيئًا. قال ببرود: لكن نظرتك كانت مزعجة. همست رند من الجانب: سأتزوج وأترككما.

وفي طريق العودة، كان الممر شبه خالٍ، وصدى خطواتهما ينساب على الأرض اللامعة. قالت فجأة: شهاب. أجاب دون أن ينظر إليها: همم؟ سألت: هل تخاف؟ التفت باستغراب: من ماذا؟ قالت: أي شيء. فكر قليلًا، ثم قال: من الاعتياد. تباطأت خطواتها. عادت تلك الكلمة التي يكررها دائمًا. طلبت منه أن يشرح، فأطلق زفرة قصيرة وقال: حين تعتاد شيئًا... يصبح فقده مؤلمًا. شعرت أن صوته جاء هذه المرة من مكان عميق لم يعتد أحد الوصول إليه. قالت بهدوء: إذًا لا تتعلق بأحد. قال: تقريبًا. سألت: وهل نجحت؟ توقف لحظة ونظر إليها نظرة طويلة أربكت أنفاسها، ثم قال: كنت ناجحًا... قبل أن تجلسي بقربي. تجمدت في مكانها، بينما أكمل هو السير كأن شيئًا لم يحدث. بقيت تحدق في ظهره، وقلبها يضرب بقوة مؤلمة، غير قادرة على الجزم إن كان يمزح... أم قال الحقيقة أخيرًا.

وفي المساء، كانت تراجع محاضراتها حين وصلتها رسالة منه: أرسلي صورة الصفحة السابعة. كتبت فورًا: قل من فضلك. جاء الرد سريعًا: لا. كتبت: إذًا لا. وبعد دقيقة ظهرت رسالة جديدة: من فضلك. ابتسمت بانتصار طفولي، وأرسلت الصورة، ثم جاءه تعليق آخر: لا تفرحي، هذه أول وآخر مرة. كتبت: كاذب. رد: تكذبين بشكل جيد اليوم. انفجرت ضاحكة وحدها، وفي تلك اللحظة دخلت أمها الغرفة فجأة وسألتها: لمن تضحكين؟ أغلقت الهاتف بسرعة وقالت: لرند. نظرت الأم إليها بريبة وقالت: رند اسم جديد.

بعد يومين، كان لديهم اختبار قصير. دخل شهاب متأخرًا قليلًا، وعلى وجهه إرهاق واضح كأن الليل لم يترك له شيئًا من الراحة. جلس بصمت، فمالت نحوه وهمست: أنت متعب. قال: وأنتِ فضولية. تجاهلت سخريته وسألته: أخذت دواءك؟ التفت إليها بسرعة وقال: كيف عرفت أني لم آخذه؟ أجابت: لأنك شاحب. صمت لحظة، ثم قال: أخذته. همست: كاذب. فأخرج العلبة من حقيبته ووضعها أمامها: تحقيق رسمي؟ تناولتها ونظرت إليها، ثم أعادتها قائلة: بعد الاختبار خذه أمامي. رفع حاجبه: أوامر كثيرة. قالت: نفّذ فقط. وللمرة الأولى، لم يسخر. اكتفى بابتسامة صغيرة ووافق بصمت.

بعد انتهاء الاختبار، خرجا إلى الساحة الخلفية الهادئة، حيث كانت شجرة كبيرة تبسط ظلها على الأرض، والهواء يحرك الأوراق فوقهما بنعومة متقطعة. أخرج الدواء وشربه أمامها، فقالت برضا خافت: جيد. قال: هل انتهى التفتيش؟ أجابت: مؤقتًا. وقفا لحظة صامتين، ثم قال فجأة: تالين. التفتت إليه: ماذا؟ سألها بصوت أخفض من المعتاد: لو اختفيت يومًا... هل ستتشاجرين مع غيري؟ ضحكت بخفة وقالت: لا أحد يتحملني مثلك. هز رأسه: هذا ليس جوابًا. نظرت إليه، ثم قالت بصوت أخف: ولو اختفيت... سأفتقد الإزعاج. ابتسم، لكن شيئًا حزينًا مر سريعًا في عينيه، كغمامة خاطفة، ثم قال: إذًا سأحاول البقاء.

وقبل أن تسأله عما يقصد، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة، فتبدلت ملامحه في لحظة، وانسحب الدفء القليل من وجهه. ابتعد خطوات وأجاب بصوت منخفض لم يصلها منه إلا شذرات متقطعة: الآن؟... لا، قلت لكم ليس اليوم... فهمت. أغلق الهاتف، ثم عاد إليها أكثر برودًا من قبل، كأن الرجل الذي كان يقف معها قبل ثوانٍ قد اختفى فجأة. قال: يجب أن أذهب. سألت: إلى أين؟ قال: مشوار. حاولت أن تستوقفه: أي مشوار؟ فأجاب وهو يدير وجهه عنها: فضولك مرض. ثم غادر مسرعًا. بقيت واقفة تراقب ابتعاده، والريح تمر باردة هذه المرة على ذراعيها. شعرت أن شيئًا ما ليس صحيحًا، شيئًا أكبر من تعب عابر أو موعد عائلي أو مزاج سيئ. ولأول مرة، خافت من الفكرة التي تسللت إلى قلبها ببطء: ربما لشهاب حياة كاملة لا تعرف عنها شيئًا.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٦ والأخير

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم يعد شهاب يتحرك بعشوائية كما كان من قبل، ولا حتى كمن يحاول النجاة من شيء يطارده. كان كل شيء في خطواته محسوبًا بدقة غريبة، كأنه لا يعيش اليوم فقط، بل يغلق به سلسلة طويلة من الأيام التي لم تكن تشبه الحياة بقدر ما كانت تشبه البقاء على الحافة. في ذلك الصباح، كان البيت ساكنًا على نحو مختلف، ليس هدوء الراحة الذي يسبق الاطمئنان، بل هدوء يشبه الوقوف أمام باب يُغلق نهائيًا بعد طول انتظار.تالين شعرت بذلك التغيّر قبل أن تسمع أي كلمة. كان في الهواء شيء مشدود، في الضوء، في طريقة وقوفه وهو يرتدي معطفه بصمت لا يحمل ارتباكًا هذه المرة. رفعت نظرها إليه ببطء، وكأن داخلها يتوقع شيئًا لا تريد تسميته، وقالت بصوت منخفض: "أنت مختلف اليوم." لم ينكر، لم يتهرب، فقط قال بثبات هادئ: "اليوم ينتهي كل شيء." توقفت يداها عن الحركة للحظة، وشعرت بشيء يشبه الانقباض الخفيف في صدرها، ثم سألته: "كيف يعني ينتهي؟" اقترب منها قليلًا، ونظر إليها مباشرة وكأنه يختار كلماته من مكان بعيد: "سأسلم كل الملفات… وكل ما تبقى… وأغلق هذا الملف بالكامل."كانت تلك البداية التي لم تشبه أي بداية سابقة، بل نهاي

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٥

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم يعد البيت كما كان من قبل، ولم تعد تالين أيضًا كما كانت في الأيام التي سبقت هذا الهدوء الجديد. كان هناك تغيّر يحدث بصمت، لا يعلن عن نفسه ولا يطلب الاعتراف، لكنه يترك أثره في كل شيء؛ في طريقة جلوسها، في تنفسها، في نظرتها حين تقع على شهاب دون أن تدرك أنها لم تعد تراه بالخوف ذاته الذي كان يسبق حضوره. لم يكن الألم قد اختفى، لكنه لم يعد يحتل المساحة كاملة كما كان يفعل، كأنه تراجع قليلًا إلى الخلف ليمنح شيئًا آخر فرصة الظهور، شيئًا أشبه بالسكينة المترددة.كانت تالين تجلس على الأريكة، والطفل نائم بجانبها، وجسدها مستند بخفة لا تشبه ذلك التوتر القديم الذي كان يسكن كتفيها دائمًا. وجهها بدا أخف، كأن التعب الطويل بدأ يهدأ في ملامحه دون أن يختفي تمامًا. حين دخل شهاب الغرفة بهدوءه المعتاد، لم تتحرك كما كانت تفعل سابقًا، لم تُشدّ ملامحها ولم تتصلب، بل رفعت نظرها إليه فقط، ثم ابتسمت. كانت ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها بالنسبة لها كانت شيئًا غير مألوف، وكأنها خرجت من مكان داخلي لم يكن يستخدم منذ وقت طويل. والأغرب أنها وصلت إليه مباشرة.توقف للحظة، وكأنه يحاول قراءة هذا التغ

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٤

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًافي الأيام التي تلت ذلك، لم يكن كل شيء قد استقر كما يبدو من الخارج، لكن شيئًا خفيًا كان يتشكل بهدوء، كطبقة دافئة تُضاف فوق تعب طويل. لم يكن هناك سلام كامل، بل نوع مختلف من الحياة، حياة تمشي على حافة الإرهاق لكنها تحمل بين طياتها دفئًا صغيرًا لا يُفسَّر بسهولة، أشياء لا تُقال لكنها تُفهم من نظرة، من حركة يد، من صمت لا يبدو فارغًا هذه المرة.كانت تالين تجلس على الأريكة، تحتضن طفلها بين ذراعيها، تحاول أن تمنحه الرضاعة بهدوء متماسك، لكن داخلها لم يكن هادئًا تمامًا. جسدها مشدود قليلًا، وكتفاها يحملان توترًا خفيًا لا تستطيع إخفاءه، خصوصًا مع وجود شهاب في الغرفة نفسها. كان حضوره وحده كافيًا ليجعلها أكثر وعيًا بكل حركة تقوم بها، وكأن الهواء نفسه أصبح أكثر كثافة حين يكون قريبًا.شهاب كان واقفًا قرب النافذة، لا يتدخل، لا يقتحم المسافة بينها وبين طفلها، لكنه في الوقت نفسه لم يكن غائبًا. عينيه كانتا تعودان إليها بين لحظة وأخرى، بهدوء مراقب لا يحمل استعجالًا، وكأنه يمنحها مساحة من جهة، ويظل حاضرًا فيها من جهة أخرى. هذا التوازن تحديدًا هو ما جعل توترها لا يهدأ تمامًا.ق

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٣

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًامرّ أسبوعان على الولادة، لكن الزمن بدا وكأنه فقد طريقه المعتاد داخل هذا البيت. لم يعد يُقاس بالساعات أو الأيام، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر: بكاء خفيف من الغرفة المجاورة، حركة طفلة جديدة في الحياة، وخطوات هادئة لشهاب بدأت تملأ الفراغ الذي كان يبتلعه سابقًا. لم يعد الصمت هو السيد هنا، بل شيء أشبه بتوازن هش بين التعب والطمأنينة.تالين كانت تجلس على السرير، تحمل طفلها بين ذراعيها كأنها ما زالت تتعلم كيف تصدّق وجوده. ملامحه الصغيرة كانت تستقر في عينيها طويلاً، كأنها تحفظه لا تراه فقط، وكل نفس منه كان يعيد ترتيب شيء داخلها لم تكن تعرف أنه ما زال قابلًا للترتيب. كان وجهها مرهقًا، لكن التعب هذه المرة لم يكن انكسارًا، بل أثر حياة بدأت تتشكل من جديد فوق أنقاض ما قبلها.شهاب وقف عند الباب في البداية دون أن يدخل، يراقب المشهد بصمت طويل. لم يكن ذلك التردد القديم الذي يسبق حضوره، بل نوع مختلف من السكون، كأنه يخشى أن يفسد اللحظة بمجرد أن يخطو خطوة خاطئة. كان ينظر إليهما وكأنهما شيء لا يريد أن يلمسه الزمن، شيء يستحق أن يُحفظ كما هو ولو للحظة واحدة."هل نام؟"سأل أخيرًا بصوت

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٢

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم تعد اللحظة داخل الغرفة تحتمل أي تأجيل، وكأن كل ما سبق كان مجرد تمهيد طويل لثقل هذه الدقائق التي انضغط فيها الزمن حتى صار أشبه بفراغ مشدود على حافة الانفجار. الأوامر الطبية تتسارع، الأيدي تتحرك، والأصوات تتداخل بين توجيه ونداء، بينما الهواء نفسه بدا أكثر كثافة من أن يُتنفس بسهولة.تالين كانت هناك، لكنها لم تكن هناك بالكامل. جسدها على السرير، ممسكة بحافته وكأنها تتشبث بآخر نقطة ثابتة في عالم يتفكك حولها، ويدها الأخرى تبحث بشكل غريزي عن شيء يمنعها من السقوط داخل الألم وحده. كانت تتنفس بصعوبة، كل نفس يخرج منها وكأنه انتصار صغير على موجة جديدة من الانقباضات التي تعود أقوى من السابقة. عيناها نصف مفتوحتين، زائغتين بين السقف والوجوه حولها، لكن الحقيقة الوحيدة التي كانت تبحث عنها لم تكن في أي منهم.كانت في الباب.وعندما انفتح، لم يحدث شيء في الغرفة سوى أن الزمن نفسه بدا وكأنه توقف لحظة قصيرة، احترامًا لذلك الدخول الذي لم يكن عاديًا. شهاب وقف عند العتبة، جسده متوتر كوتر مشدود، وعينيه تمسكان بها كما لو أنه يخشى أن تختفي إذا رمش. لم يكن في نظرته خوف واضح، ولا راحة

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧١

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًامرّ الدفن على تالين كأنه حدث وقع في عالم آخر، عالم يخص غرباء لا يخصها، رغم أن قلبه انغرس في صدرها أكثر من أي أحد. عاد البيت بعده ساكنًا على نحو غير طبيعي؛ سكون لا يشبه الراحة بل يشبه الفراغ بعد العاصفة. لا أصوات زائرين، لا رنين هواتف، لا حركة سوى خطوات رند الخفيفة وهي تتنقل بين الغرف كأنها تخشى أن تزعج الحزن إذا رفعت صوتها. حتى الهواء بدا أثقل، كأن الجدران امتصت البكاء واحتفظت به داخلها. لم تعد تالين تجلس قرب النافذة كما كانت تفعل من قبل، بل اختارت زاوية أبعد عن الضوء، في الداخل، حيث لا تصل الشمس كاملة ولا تصل الحياة كاملة. كانت تجلس هناك منحنية قليلًا، يداها ساكنتان فوق حضنها، وعيناها غارقتان في مكان لا يراه أحد. وضعت رند كوب ماء أمامها وقالت برفق: "اشربي قليلًا." لم تمد يدها إليه. عادت رند تقول: "تالين... أنتِ لا تأكلين منذ يومين." أجابت بصوت خافت خالٍ من الانفعال: "لا أشعر بالجوع." قالت رند بصرامة محبطة: "هذا ليس جوابًا." عندها رفعت تالين عينيها ببطء، وكانت فيهما مسافة مرهقة، وقالت: "أنا لا أشعر بشيء أصلًا."في الجهة الأخرى، داخل الغرفة البيضاء التي صا

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٥١

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا لم تنم تالين تلك الليلة، ولم تكن المسألة مجرد أرقٍ عابر أو اضطرابٍ بسبب خبرٍ ثقيل؛ كان الأمر أعمق من ذلك، كأن جسدها نفسه رفض فكرة النوم بعد أن سمع صوت شهاب يعود للحياة للحظات داخل التسجيل، ثم يختفي من جديد كأن وجوده كله صار مرتبطًا بالاختفاء. كلما أغمضت عينيها، عاد صو

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٥٠

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًاأغلقت تالين باب غرفتها بالمفتاح وكأنها تحاول أن تفصل العالم كله خارج هذا الإطار الضيق، لكن الحقيقة كانت أن العالم لم يعد يحتاج إلى أبواب كي يصل إليها. الظرف الذي بين يديها لم يكن مجرد ورق، بل كان شيئًا أثقل من أن يُسمّى رسالة، كأنه يحمل امتدادًا كاملًا من حياة شهاب الت

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٤٨

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًامرّت الأسابيع الأخيرة من السنة الدراسية بسرعة غير مألوفة، كأن الزمن الذي كان يثقل أيام تالين في غياب شهاب قد قرر فجأة أن يندفع بلا رحمة، يجرّ معه الامتحانات والقلق وضجيج القاعات المكتظة والوجوه المتعبة التي لم تعد تميز بين السهر واليقظة. كانت الجامعة تبدو وكأنها جسد وا

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٤٧

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم يكن رحيله مجرد حركة مغادرة عادية، بل كان أشبه بانسحاب شيء أساسي من المشهد دون أن يترك بديلًا له. الهواء في ساحة الجامعة بدا بعده مختلفًا، أخفّ ظاهريًا لكنه مثقل في الإحساس، كأن المكان نفسه لم يفهم كيف يستعيد توازنه بعد أن خرج شهاب منه بهذه الطريقة المفاجئة.تالين

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status