All Chapters of حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا: Chapter 1 - Chapter 10

76 Chapters

١

حين جلس بقربي ، أحببته متأخرا في أول أسبوع دراسي داخل جامعتها الجديدة، كانت تالين قد كوّنت قائمة قصيرة للأشياء التي تبغضها بلا تردد: الاستيقاظ المبكر الذي ينتزعها من دفء سريرها كعقوبة يومية، المحاضرات الطويلة التي تتمدد فيها الدقائق حتى تبدو ساعات، والأشخاص المتكبرون الذين يمشون بين الناس كأن الأرض فُرشت خصيصًا لخطواتهم. وفي ذلك الصباح البارد، اجتمعت الأشياء الثلاثة دفعة واحدة، كأن اليوم قرر أن يختبر قدرتها على الاحتمال منذ ساعته الأولى. كانت تركض عبر الممر الحجري الواسع، حقيبتها تضرب جانبها مع كل خطوة، ودفترها المفتوح يرتجف بين يديها، بينما تفوح من كوب القهوة رائحة مُرّة دافئة تتناقض مع ارتباكها. كانت تلعن المنبّه الذي خانها، وتعد نفسها ألا تسهر مجددًا، ثم دفعت باب القاعة بسرعة متهورة ودخلت دون أن تمنح عينيها فرصة للرؤية.في اللحظة التالية اصطدمت بجسد صلب واقف عند الباب. اهتزت يداها، وتناثر جزء من القهوة على قميص أبيض ناصع، بينما انزلق دفترها من بين أصابعها وسقط أرضًا محدثًا صوتًا حادًا في القاعة التي سادها الصمت فجأة. شعرت تالين بحرارة الدم تصعد إلى وجهها، ورفعت رأسها بسرعة لتواجه
last updateLast Updated : 2026-04-22
Read more

٢

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا استيقظت تالين في ذلك الصباح وهي تردد في داخلها جملة واحدة، كأنها تعويذة تحاول بها ضبط يومها قبل أن يبدأ: اليوم سأتجاهله تمامًا. قالتها وهي تنهض من سريرها، وقالتها ثانية أمام المرآة وهي تغسل وجهها بالماء البارد، ثم أعادتها للمرة الثالثة وهي ترتب خصلات شعرها وتبحث بعجلة عن حقيبتها. كانت تقنع نفسها أن شهاب لا يعني شيئًا، مجرد طالب مستفز ظهر مصادفة في بداية الفصل وسيختفي أثره مع نهايته، وأن انشغالها به ليس إلا رد فعل مؤقتًا على وقاحته الباردة. حتى في الطريق إلى الجامعة، بين ضجيج السيارات ورائحة الصباح المختلطة بالغبار والقهوة، ظلت تكرر الفكرة ذاتها بإصرار. لكنها كانت تعرف، في زاوية صغيرة من نفسها، أن الحياة لا تكترث كثيرًا بخططها المحكمة. دخلت القاعة مبكرًا، وجلست في مقعدها المعتاد، ثم صفّت كتبها بعناية على نصف الطاولة كأنها تبني جدارًا حدوديًا واضحًا. وضعت الدفتر في المنتصف، والمقلمة إلى جانبه، ثم تراجعت قليلًا تتأمل إنجازها الصامت بشيء من الرضا. كانت تنظر إلى الباب كل دقيقة دون قصد، ثم تنتبه لنفسها وتعبس. لماذا تنظر أصلًا؟ ولماذا يهمها إن دخل أم لم يدخل؟
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٣

جلست تالين أمام شهاب في مكتبة الجامعة وهي تضرب طرف القلم على الطاولة بإيقاع عصبي يكشف ضيقها أكثر مما تخفيه ملامحها. كانت المكتبة هادئة إلا من أصوات الصفحات المقلوبة وهمسات متفرقة، وضوء الظهيرة يتسلل من النوافذ العالية فيرسم خطوطًا باهتة فوق الطاولات الخشبية. أما هو، فكان يقلب صفحات المرجع أمامه بتركيز كامل، كأن وجودها في المقعد المقابل لا يغيّر شيئًا في العالم. ازداد انزعاجها من هدوئه المصطنع، وقالت أخيرًا بحدة: "هل ستبقى صامتًا هكذا؟"أجاب من غير أن يرفع عينيه: "كنت أظن أن هذا ما تريدينه."شدّت على القلم وقالت: "أنا أريد إنهاء المشروع فقط."قال ببرود: "وأنا أيضًا، لذلك حاولي ألّا تعيقي المهمة."ضيقت عينيها وحدقت فيه طويلًا. "أتعلم؟ لديك موهبة حقيقية في استفزاز الناس."رفع نظره أخيرًا، وكانت عيناه ساكنتين على نحو يربكها، ثم قال: "وأنتِ لديك موهبة في الاستفزاز دون قصد."شعرت برغبة صادقة في أن تضربه بالكتاب المفتوح أمامها، لكن كبرياءها أجبرها على الجلوس باستقامة. قالت من بين أسنانها: "حسنًا... ماذا سنفعل؟"دفع نحوها ورقة كتب فيها عناوين مرتبة بخط دقيق. "هذه المحاور، وأنتِ ستجمعين المعلو
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٤

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا مرّ أسبوع كامل منذ تلك الجلسة الأخيرة في المكتبة، وكان أسبوعًا كافيًا ليقلب نظام حياة تالين رأسًا على عقب. لم تعد تستيقظ لتفكر في محاضراتها أو واجباتها أو ترتيب يومها، بل صارت، على نحو يثير غضبها أكثر مما تعترف، تتوقع حضوره في كل زاوية. شهاب لم يعد مجرد زميل ثقيل الظل يجلس قربها مصادفة، بل أصبح حضورًا مزعجًا يتسلل إلى تفاصيل يومها الصغيرة وكأنه تعمّد أن يحتل المساحات التي كانت تخص هدوءها. إن دخلت القاعة مبكرًا وجدته هناك، جالسًا بوجهه الهادئ ونظرته التي تبدو وكأنها تعرف كل شيء. وإن تأخرت لمحته يرفع عينيه نحو الباب حال دخولها، تلك النظرة العابرة التي كانت تكفي لتشعرها بأنه سجّل تأخرها في دفتر خفي لا تراه. وإن نسيت قلمها ظهر قلم إضافي فوق طاولتها من غير كلمة، وإن أخطأت في حل مسألة وجدت ورقة صغيرة بجانبها تتضمن التصحيح بخطه المرتب، ثم يعود إلى أوراقه وكأن شيئًا لم يحدث. وهذا تحديدًا ما كان يثير حنقها؛ تلك الطريقة التي يساعدها بها ثم يتصرف كما لو أنه لم يفعل شيئًا يستحق الالتفات. في الكافتيريا، كانت تعبث بقشة العصير بعصبية حتى كادت تثقب الكوب، بينما رند تر
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٥

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا في اللحظة التي سقط فيها شهاب أرضًا، شعرت تالين بأن العالم انطفأ دفعة واحدة. اختفى صوت القاعة، وانسحبت الضوضاء من المكان كما ينسحب المدّ عن الشاطئ، فلم تعد تسمع صراخ الطلاب ولا احتكاك الكراسي ولا صوت الدكتور وهو يطلب من الجميع الابتعاد. كل ما بقي أمام عينيها كان جسده الممدد قرب الطاولة، ويده التي ما زالت قابضة على طرف الكرسي كأنها تحاول التشبث بشيء أخير. لم تفكر، لم تسأل نفسها ماذا تفعل، فقط اندفعت نحوه وكأن شيئًا في داخلها سبق عقلها. جثت على ركبتيها قربه، وشعرت ببلاط الأرض البارد يخترق ركبتيها، بينما ارتجفت يداها وهي ترفع رأسه قليلًا. كان وجهه شاحبًا على نحو أرعبها، خاليًا من تلك السخرية التي اعتادت أن تستفزها، وعيناه مغمضتين، وأنفاسه متقطعة كأن الهواء صار عبئًا عليه. صرخت بمن حولها أن يتصلوا بالإسعاف بسرعة، وكان صوتها مبحوحًا مرتفعًا لم تعرفه في نفسها من قبل. تحرك الطلاب أخيرًا؛ أحدهم ركض خارج القاعة، وآخر جاء بزجاجة ماء، والدكتور حاول تفريق التجمهر، أما هي فبقيت مكانها كأن الأرض ثبتتها عنده. وضعت يدها على كتفه وهمست بصوت يرتعش: شهاب... افتح عينيك. تحر
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٦

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًامنذ زيارة المستشفى الأخيرة، لم يكن التغيّر في حياة تالين شيئًا يمكن الإمساك به بسهولة، بل كان أشبه بظلّ خفيف يتسلّل دون أن يُرى، لكنه يغيّر كل شيء. لم يعد اسم شهاب مجرّد صدفة مزعجة في يومها الجامعي، ولا حضورًا باردًا لزميل غامض يجلس بجانبها ويستفزها بصمته أكثر مما يستفزها بكلامه. صار شيئًا آخر، شيئًا يستقر في ذهنها دون استئذان، كأنه وجد لنفسه مكانًا ثابتًا هناك، بينما الغياب الذي يتركه خلفه صار أكثر ضجيجًا مما تتوقع، ضجيجًا لا يعترف به عقلها لكنه يتسلل إلى تفاصيل يومها بلا رحمة.في الصباح، كانت تستيقظ قبل أن تفتح عينيها بالكامل على شعور مبهم يدفعها للتفكير فيه دون سبب واضح، وكأن جزءًا منها يتحسس وجوده قبل أن يتحسس الضوء. وفي المحاضرات، لم تكن يدها هي من تختار أن تلتفت نحو المقعد المجاور، بل شيء داخلها يفعل ذلك تلقائيًا، ثم يعود خائبًا حين تجده فارغًا. أما في المساء، فكان هاتفها يتحول إلى عادة عصبية لا تفسير لها، تفتحه وتغلقه مرارًا وكأنها تبحث عن رسالة لم تعترف أصلًا بأنها تنتظرها. وأكثر ما كان يزعجها في كل ذلك، أنها لم تكن تجد مبررًا واحدًا يقنعها أن ما
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٧

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا في تلك الليلة، استعصى النوم على تالين كما لو أن السرير صار أرضًا غريبة لا تعرف كيف تستقر فوقها. كانت كلما أغمضت عينيها يعود إليها مشهد شهاب واقفًا قرب بوابة الجامعة، يخبئ إرهاقه خلف ملامحه الجامدة، وينتظر معها كأن الأمر لا يعني شيئًا، كأنه تفصيل عابر لا يستحق الذكر. لكنها كانت تعرفه بما يكفي لتدرك أن ما فعله لم يكن عابرًا أبدًا. شهاب لا ينتظر أحدًا، لا يشرح نفسه لأحد، ولا يبقى من أجل أحد، ومع ذلك بقي. تقلبت بين الغطاء والوسادة، وراحت حرارة وجهها ترتفع كلما تذكرت وقوفه الصامت قربها. مدّت يدها إلى هاتفها، وفتحت المحادثة بينهما. كانت رسائل قصيرة، حادة، مليئة بالسخرية والاستفزاز، لكنها بدت لها الآن أثمن من أحاديث طويلة فارغة. كتبت بتردد: "وصلت؟" وظلت تحدق في الكلمة الواحدة طويلًا، ثم أغلقت الهاتف، وفتحته ثانية، وأرسلته بسرعة كأنها تقفز من مكان مرتفع قبل أن تتراجع. مرت دقيقة، ثم أخرى، ثم خمس دقائق بدت أطول من الليل كله. عبست وهي تتمتم بضيق: مغرور... حتى الرد يثقله. وبعد عشر دقائق وصلها أخيرًا: "نعم." اتسعت عيناها بصدمة ممزوجة بانزعاج، وكادت تكتب اعتراضًا حين
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٨

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا وقفت تالين في ساحة الجامعة تراقب شهاب وهو يبتعد بخطوات سريعة، كأن الأرض تعرف وجهته قبله، حتى ابتلعه الزحام واختفى عند بوابة الكلية. بقيت مكانها لثوانٍ طويلة لا تعرف لماذا لم تتحرك، كأن شيئًا منها سار معه وتركها فارغة على نحو خفيف ومؤلم في آن واحد. لم يكن ما شعرت به مجرد انزعاج من مغادرته المفاجئة، ولا ضيقًا عابرًا لأنها لم تحصل على تفسير يرضي فضولها، بل كان قلقًا حقيقيًا، ثقيلًا، استقر في صدرها مثل حجر بارد. جاءها صوت رند من خلفها وهي تقترب بخطوات مرحة: ما بك؟ كأنك فقدتِ شيئًا. التفتت تالين بسرعة، كأنها ضُبطت متلبسة بفكرة لا تريد الاعتراف بها، وقالت بحدة دفاعية: لا شيء. رفعت رند حاجبها وقالت مبتسمة: إذًا لماذا تنظرين إلى البوابة وكأنك تنتظرين عودته؟ عبست تالين وأشاحت بوجهها: أنا لا أنتظر أحدًا. اكتفت رند بابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة التي تقول إنها لا تصدق حرفًا واحدًا. مرّ ذلك اليوم ببطء غير مألوف، حتى بدا الزمن نفسه أثقل من المعتاد. في المحاضرة التالية كان المقعد المجاور لها فارغًا، فارغًا على نحو مستفز، وكأن غيابه اتخذ شكلًا ماديًا يمكن رؤيته. حاولت
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

٩

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا جلست تالين على سريرها تحدق في شاشة هاتفها كما لو أن الكلمات ستتبدل إذا منحتها مزيدًا من الوقت. كانت الرسالة قصيرة، عادية في ظاهرها، لكنها سقطت في قلبها كحجر: "أرجعي الظرف غدًا... ولا تفتحيه." رفعت عينيها ببطء إلى الظرف المفتوح في يدها، ثم إلى الصورة القديمة، ثم إلى الورقة المطوية التي أعادتها على عجل، ثم رجعت ببصرها إلى الهاتف مرة أخرى. همست لنفسها وهي تشعر بحرارة الذنب تصعد إلى وجهها: مصيبة... مصيبة حقيقية. نهضت تدور في الغرفة بعصبية، كأن الحركة قد تنقذها من المأزق، وراحت تتمتم: كيف عرف؟ هل وضع كاميرا؟ هل هذا مريض قلب أم جهاز مخابرات؟ أعادت كل شيء بسرعة داخل الظرف، وحاولت إغلاقه كما كان، لكن الحافة انثنت قليلًا ورفضت أن تعود مستقيمة. أطلقت تأوهًا مكتومًا وهي تكاد تبكي من السخف: لااا. جلست على الأرض، تمسك الظرف بين أصابع متوترة، تحاول إصلاحه عشر دقائق كاملة بلا جدوى. وأخيرًا كتبت له محاولة الدفاع الأخير: "ومن قال إنني فتحته؟" جاء الرد فورًا، سريعًا كأنه كان ينتظر: "لأنك لو لم تفتحيه لما أرسلتِ الآن." شهقت وحدقت في الشاشة بغيظ صادق، ثم كتبت: "أكرهك." جاء
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more

١٠

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا في صباح اليوم التالي، استيقظت تالين قبل صوت المنبّه لأول مرة منذ بداية الفصل الدراسي، وكأن جسدها سبق عقلها إلى موعد لا يريد الاعتراف بأهميته. فتحت عينيها ببطء، ثم جلست فجأة وهي تشعر بتيار خفيف من التوتر يسري فيها. التفتت نحو الساعة، السادسة والنصف. حدقت بالأرقام المضيئة كما لو أنها خانتها شخصيًا، وتمتمت باستنكار: أنا... استيقظت مبكرًا لأجل عرض جامعي؟ لكن الرسالة التي وصلتها ليلًا قفزت إلى ذهنها فورًا: غدًا لا تتأخري. رمت الوسادة على وجهها وهي تهمس بعناد مرتبك: لا... ليس لأجله. ومع ذلك، كانت بعد خمس دقائق ترتدي ملابسها بسرعة غير معتادة، تمشط شعرها على عجل، وتختار حقيبتها بعناية زائدة، ثم تخرج من البيت قبل الجميع تقريبًا. وصلت إلى الجامعة قبل معظم الطلاب. كانت الساحة شبه فارغة، والهواء الصباحي يحمل برودة لطيفة تمتزج برائحة التراب المبلل والهدوء النادر الذي لا تعيشه الجامعة إلا في تلك الساعة. مشت بين الممرات وهي تشعر بحماس مزعج، ذلك النوع الذي يختلط بالإنكار. وحين فتحت باب القاعة، وجدته هناك بالفعل. كان يجلس وحده في الصف الأمامي، أمامه الحاسوب المحمول وبع
last updateLast Updated : 2026-04-23
Read more
PREV
123456
...
8
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status