LOGINرجعت ملك من الجامعة وهي مرهقة.
كان الشارع الشعبي مليان دوشة كعادته؛ أصوات الباعة، الأطفال اللي بيجروا بين الناس، ورائحة العيش السخن طالعة من المخبز القريب. أخذت نفسًا ودخلت البيت. ما إن دخلت حتى سمعت صوت حسنية: — «إنتِ فين لحد دلوقتي؟ البيت لسه متبهدل!» حطت ملك كتبها على الترابيزة وقالت بهدوء: — «خلصت محاضراتي، وهظبط كل حاجة دلوقتي.» كانت سمر قاعدة على الكنبة، ماسكة موبايلها. رفعت عينيها وقالت بسخرية: — «الجامعة أهم من البيت يعني؟» بصت لها ملك للحظة، لكنها ما ردتش. ما كانتش عايزة مشكلة جديدة. خلعت شنطتها وبدأت ترتب المكان. حسنية كانت واقفة تراقبها، ثم قالت: — «وخلي بالك، الأكل كمان لازم يتعمل قبل المغرب.» رفعت ملك عينيها لها. — «حاضر.» ابتسمت حسنية ابتسامة صغيرة، وكأنها انتصرت في حاجة، ثم دخلت المطبخ. ملك أخدت نفسًا طويلًا ورجعت تكمل شغلها. في اليوم نفسه، كان جاسر الراشد داخل مكتبه في شركة العائلة. أنهى اجتماعه، وأغلق الملف الموجود أمامه. في اللحظة دي دخل مساعده. — «أستاذ جاسر.» رفع جاسر عينيه. — «أيوه؟» — «اجتماع الجامعة بكرة الساعة عشرة.» — «تمام.» — «تحب أجهز العربية؟» — «أيوه.» — «حاضر.» خرج المساعد، وعاد الهدوء للمكتب. أخذ جاسر هاتفه، ثم رجع لشغله من غير ما يفكر في اجتماع الغد. بالنسبة له كان مجرد اجتماع عادي. على الأقل... ده اللي كان فاكره. في اليوم التالي، وصلت ملك الجامعة بدري. انتهت محاضراتها، وقبل ما تخرج افتكرت البحث اللي لازم تسلمه للدكتور. فتحت شنطتها بسرعة. — «يا رب يكون معايا.» أخرجت الأوراق واتجهت للمكتبة. كانت ماشية بسرعة بين الرفوف، بتحاول ترتب الأوراق في إيدها، وهي بتفكر في الكلام اللي هتقوله للدكتور. لكنها ما انتبهتش للشخص اللي كان جاي من الناحية التانية. اصطدمت به. وقعت الأوراق من إيدها. — «آسفة!» انحنت بسرعة تجمعهم. وفي اللحظة اللي رفعت فيها عينيها... توقفت. كان قدامها رجل طويل، لابس بدلة سوداء أنيقة. لكن أكتر حاجة لفتت انتباهها كانت عينيه الزرقاوين. قال بهدوء: — «خدي بالك.» اتوترت ملك. — «آسفة... ما كنتش واخدة بالي.» انحنى جاسر والتقط ورقة كانت بعيدة عن باقي الأوراق. نظر إليها للحظة. كان اسمها مكتوبًا في أعلى الصفحة. ملك. ناولها الورقة. — «دي بتاعتك.» أخذتها بسرعة. — «شكرًا.» ثم نظر للبحث في إيدها. — «بحث جامعي؟» هزت رأسها. — «أيوه.» — «مستعجلة؟» — «أيوه، خايفة أتأخر على الدكتور.» نظر جاسر إلى ساعته. — «لسه قدامك وقت.» بصت له ملك باستغراب. — «متأكد؟» ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه. — «أيوه.» تنفست براحة. — «الحمد لله.» لم تقل شيئًا آخر. جمعت باقي أوراقها، ثم استدارت لتغادر. لكن صوته أوقفها: — «استني.» التفتت. كان ماسك ورقة أخرى. — «دي كمان وقعت منك.» اقتربت وأخذتها. — «آه... شكرًا.» — «العفو.» ابتسمت له ابتسامة صغيرة، ثم غادرت بسرعة. ظل جاسر واقفًا مكانه للحظات. نظر ناحية الممر الذي اختفت فيه. ثم نظر للورقة التي كانت في يده قبل لحظات. هز رأسه وكمل طريقه. — «غريبة...» أما ملك، فكانت ماشية بسرعة وهي تحاول تركز في البحث. لكن من غير ما تقصد، افتكرت عينيه. ثم هزت رأسها لنفسها. — «أكيد مش هشوفه تاني.» وأسرعت ناحية قاعة الدكتور. في المساء، رجعت ملك البيت. وضعت شنطتها في غرفتها، لكنها ما لحقتش حتى تغير هدومها، لأن صوت حسنية جه من الصالة: — «ملك! تعالي.» خرجت ملك. كانت سمر قاعدة على الكنبة. مدت لها ورقة وقالت: — «في تدريب تابع للجامعة.» أخذت ملك الورقة وبدأت تقرأ. — «تدريب في شركة الراشد...» سمر قالت: — «أيوه. أنا شوفت الإعلان وقلت أجرب أقدم.» رفعت ملك عينيها. — «إنتِ هتقدمي؟» — «طبعًا.» ابتسمت ملك. — «دي فرصة كويسة.» قالت حسنية من مكانها: — «وإنتِ ناوية تقدمي؟» — «أيوه.» تغيرت ملامح حسنية. — «وليه؟» استغربت ملك. — «عشان التدريب مفيد ليا.» ردت حسنية بسرعة: — «ومين هيعمل شغل البيت؟» سكتت ملك للحظة. ثم قالت: — «هظبط كل حاجة قبل ما أروح.» — «يعني الجامعة مش كفاية؟ دلوقتي تدريب كمان؟» — «مش هسيب البيت يا خالتي.» نظرت لها حسنية بنظرة طويلة. — «نشوف.» ثم تركتهم ودخلت غرفتها. بصت ملك للورقة مرة تانية. كانت حاسة إن حسنية مش مجرد رافضة الفكرة... كانت خايفة منها. خايفة إن ملك تبدأ تعتمد على نفسها. دخلت ملك غرفتها، وجلست أمام مكتبها. فتحت هاتفها وبدأت تملى طلب التدريب. الاسم. العمر. الجامعة. التخصص. راجعت البيانات مرة أخيرة. ثم ضغطت: إرسال. ظهرت أمامها رسالة: تم استلام طلبك بنجاح. ابتسمت ملك. — «يا رب تتقبل.» في صباح اليوم التالي، وصلت طلبات التدريب إلى شركة الراشد. كان جاسر جالسًا خلف مكتبه، وأمامه مجموعة من الملفات. بدأ يقلب الصفحات واحدًا تلو الآخر. حتى توقف فجأة. ملك. ثبتت عيناه على الاسم. فتح الملف. قرأ اسم الجامعة. ثم التخصص. سكت للحظة. تذكر الفتاة التي اصطدم بها في المكتبة. العينان الرماديتان. والصوت المرتبك. نظر مرة أخرى إلى الاسم. — «هي نفسها؟» ظل صامتًا للحظات. ثم أغلق الملف ووضعه أمامه. عندما دخل مساعده، أشار جاسر إلى الملف. — «خلي الملف ده عندي.» — «حاضر.» خرج المساعد. أما جاسر، فظل ينظر إلى الملف أمامه. لم يكن يعرف لماذا لفت انتباهه اسمها. لكن كان هناك شيء واحد مؤكد... هذه المرة، الصدفة لن تنتهي عند المكتبة. وفي مكان آخر، كانت ملك تنتظر رد الشركة على طلبها. من غير ما تعرف إن اسمها وصل بالفعل إلى الرجل نفسه اللي قابلته بالصدفة... وإن اللقاء القادم بينهم... مش هيكون صدفة.لكن الهاتف ظل صامتًا. ظل جاسر واقفًا أمام باب مكتبه للحظات، وعيناه معلقتان بشاشة هاتفه. كان هناك شيء بداخله يخبره أن الأمر ليس طبيعيًا. ملك لم تكن تتجاهله. خصوصًا بعد أن أخبرته أنها ستخرج مع سمر. اتصل بسمر. مرة. لم تجب. اتصل مرة أخرى. هذه المرة ردت، لكن صوتها كان مرتبكًا. — «ألو؟» قال جاسر بسرعة: — «إنتِ مع ملك؟» سكتت سمر. — «سمر، ردي عليا.» ترددت للحظات، ثم قالت: — «لا.» تغير وجه جاسر. — «يعني إيه لا؟» — «ملك مش معايا.» — «فين هي؟» لم تستطع سمر الرد. — «سمر!» قالت بصوت مرتجف: — «مش عارفة.» أغمض جاسر عينيه للحظة، محاولًا السيطرة على خوفه. ثم سألها: — «آخر مرة شفتيها فيها كانت فين؟» أخبرته بالمكان. لم يسألها أي شيء آخر. أغلق الهاتف، وأخذ مفاتيحه وغادر مكتبه فورًا. وفي الطريق، حاول الاتصال بملك مرة أخرى. لا رد. كتب لها: «ملك، ردي عليا حتى لو بكلمة.» ثم أرسل رسالة ثانية: «أنا جاي أدور عليكي.» وضع الهاتف بجانبه، وانطلق بسرعة. لم يكن يعرف ماذا حدث. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا بالنسبة له... ملك لم تختفِ بإرادتها. في نفس الوقت، كانت سمر لا تزال واقفة
وصل جاسر إلى المكان بأقصى سرعة. نزل من السيارة ودخل المبنى، وقلبه يدق بعنف. كان ينادي باسمها وهو يتحرك بين الغرف. — «ملك!» جاءه صوتها من الداخل. — «جاسر! أنا هنا!» ركض ناحية الصوت، وما إن فتح الباب حتى وجدها واقفة في زاوية الغرفة. كانت خائفة، لكن بمجرد أن رأته، أسرعت نحوه. — «جاسر!» ضمها إليه بقوة. ظل يحتضنها للحظات، وكأنه غير مصدق أنه وجدها أخيرًا. أبعدها عنه قليلًا، ونظر إلى وجهها بقلق. — «إنتِ كويسة؟» هزت رأسها. — «أيوه... أنا كويسة.» — «متأكدة؟» — «متأكدة.» تنفس جاسر براحة، ثم احتضنها مرة أخرى. — «خلعتيني عليكي.» قالت ملك بصوت منخفض: — «كنت عارفة إنك هتيجي.» ابتسم رغم الخوف الذي كان يملأه. — «كنت هدور عليكي في الدنيا كلها.» وقبل أن يخرجا، ظهر عمار أمام الباب. — «مش هتخرج بيها.» تغيرت ملامح جاسر، ووقف أمام ملك مباشرة. — «كفاية يا عمار.» حاول عمار الاقتراب، لكن جاسر منعه. — «ابعد عنها.» — «إنت فاكر إنك كسبت؟» نظر إليه جاسر بثبات. — «أنا مش داخل أكسب منك حاجة. أنا داخل آخد مراتي وأرجع بيها.» زاد غضب عمار، وبدأ بينهما شجار قصير، لكن قبل أن يتطور الأمر،
في تلك اللحظة... بدأت تشعر أن الموضوع لم يعد مجرد انتقام بسيط كما كانت تظن. أما ملك... فلم تكن تعرف أن قرارها بالثقة في سمر مرة أخرى... كان سيغيّر كل شيء. نظرت سمر إلى هاتفها مرة أخرى. كانت رسالة عمار ما زالت أمام عينيها. «دلوقتي.» رفعت رأسها ونظرت إلى ملك. — «مالك؟» سألت ملك باستغراب. أغلقت سمر الهاتف بسرعة. — «ولا حاجة.» — «متأكدة؟ شكلك اتغير فجأة.» حاولت سمر الابتسام. — «أنا بس... افتكرت حاجة.» ثم تحركت إلى الأمام. — «تعالي، المكان من هنا.» مشت ملك خلفها دون شك. كانت تثق بها. وهذا أكثر شيء جعل سمر تشعر بالذنب. بعد دقائق، توقفت سمر فجأة. نظرت حولها، ثم إلى ملك. — «استنيني هنا دقيقة.» استغربت ملك. — «هتروحي فين؟» — «هخلص حاجة بسرعة وهرجعلك.» — «ماشي.» ابتعدت سمر خطوات قليلة. لكنها لم تكد تفعل شيئًا حتى سمعت صوتًا جعل قلبها يرتجف. التفتت بسرعة. وفي لحظات قليلة... وجدت نفسها أمام موقف لم تكن مستعدة له. تراجعت سمر خطوة. — «لا... إحنا متفقناش على كده.» لم تجد إجابة. فقط شعرت أن الأمور خرجت من يدها تمامًا. نظرت ناحي
في اليوم التالي... منذ الصباح، كانت ملك تشعر بشيء غريب. لم تكن تعرف السبب، لكن رسالة سمر ظلت في بالها. «محتاجة أتكلم معاكي في حاجة.» لم تكن الجملة مخيفة، لكنها جعلتها تشعر أن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. وقفت أمام المرآة، رتبت شعرها، ثم أخذت حقيبتها. وقبل أن تخرج من الغرفة، وصلتها رسالة من جاسر. جاسر: «وصلتي؟» ابتسمت. ملك: «لسه خارجة.» لم تمر دقيقة حتى جاء الرد. جاسر: «لما توصلي ابعتيلي.» كتبت له: ملك: «حاضر، متقلقش عليا.» ثم أغلقت الهاتف ونزلت. كانت سمر تنتظرها في مكان هادئ. وحين رأت ملك تقترب، وقفت بسرعة. — «ملك!» ابتسمت ملك. — «آسفة اتأخرت.» — «ولا يهمك.» جلستا معًا. في البداية، تحدثتا عن أشياء عادية. البيت. العمل. الأيام الماضية. حتى ضحكت ملك أكثر من مرة. كانت تشعر أن سمر فعلًا تحاول. لكن سمر كانت تخفي توترًا واضحًا. وبعد فترة قالت: — «ملك... أنا عايزة أطلب منك طلب.» — «قولي.» — «ممكن تيجي معايا مكان؟» رفعت ملك حاجبها. — «فين؟» ترددت سمر لحظة. — «مكان قريب. مش هنتأخر.» نظرت ملك إليها. كان بإمكانها أن ترفض
في اليوم التالي... منذ الصباح، كانت ملك تشعر بشيء غريب. لم تكن تعرف السبب، لكن رسالة سمر ظلت في بالها. «محتاجة أتكلم معاكي في حاجة.» لم تكن الجملة مخيفة، لكنها جعلتها تشعر أن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. وقفت أمام المرآة، رتبت شعرها، ثم أخذت حقيبتها. وقبل أن تخرج من الغرفة، وصلتها رسالة من جاسر. جاسر: «وصلتي؟» ابتسمت. ملك: «لسه خارجة.» لم تمر دقيقة حتى جاء الرد. جاسر: «لما توصلي ابعتيلي.» كتبت له: ملك: «حاضر، متقلقش عليا.» ثم أغلقت الهاتف ونزلت. كانت سمر تنتظرها في مكان هادئ. وحين رأت ملك تقترب، وقفت بسرعة. — «ملك!» ابتسمت ملك. — «آسفة اتأخرت.» — «ولا يهمك.» جلستا معًا. في البداية، تحدثتا عن أشياء عادية. البيت. العمل. الأيام الماضية. حتى ضحكت ملك أكثر من مرة. كانت تشعر أن سمر فعلًا تحاول. لكن سمر كانت تخفي توترًا واضحًا. وبعد فترة قالت: — «ملك... أنا عايزة أطلب منك طلب.» — «قولي.» — «ممكن تيجي معايا مكان؟» رفعت ملك حاجبها. — «فين؟» ترددت سمر لحظة. — «مكان قريب. مش هنتأخر.» نظرت ملك إليها. كان بإمكانها أن ترفض
مرّت الأيام التالية بهدوء غريب. سمر بدأت تظهر في حياة ملك من جديد، لكن المرة دي بشكل مختلف. كانت تسأل عنها، تبعت لها، وأحيانًا تيجي تقعد معاها من غير سبب واضح. وفي البداية، ملك كانت حذرة. لكن مع الوقت، الحذر بدأ يقل. في صباح أحد الأيام، كانت ملك جالسة في الصالة، تمسك هاتفها وتراجع بعض الرسائل، عندما دخلت سمر. — «صباح الخير.» رفعت ملك عينيها وابتسمت. — «صباح النور.» جلست سمر بجانبها، ووضعت كيسًا صغيرًا على الطاولة. — «جبتلك حاجة.» ضحكت ملك. — «إنتِ كل يوم هتجيبيلي حاجة؟» — «مش عاجبك؟» — «لا عاجبني طبعًا.» فتحت ملك الكيس، فوجدت فيه بعض الأشياء التي تحبها. نظرت لسمر بدهشة. — «إنتِ لسه فاكرة إني بحب الحاجات دي؟» ابتسمت سمر. — «أنا فاكرة حاجات كتير عنك.» تغيّرت ملامح ملك للحظة. ربما لأنها لأول مرة منذ وقت طويل شعرت أن سمر فعلًا تحاول إصلاح ما حدث بينهما. — «شكرًا.» — «ملك...» — «همم؟» ترددت سمر قليلًا قبل أن تقول: — «أنا فعلًا آسفة.» وضعت ملك ما بيدها جانبًا. — «إنتِ اعتذرتي قبل كده.» — «عارفة... بس المرة دي أنا مش عايزة أعتذر وخلاص