LOGINمرّ شهران منذ بدأت ملك تدريبها في شركة الراشد.
شهران تغيّرت خلالهما أشياء كثيرة. في البداية، كانت تدخل الشركة بخطوات مترددة، تخاف أن تخطئ أو تقول شيئًا في غير مكانه. أما الآن، فأصبحت مختلفة. أكثر هدوءًا. أكثر ثقة. تعرفت على المكان، وعلى الموظفين، وأصبحت تعرف كيف تتعامل مع المواقف المختلفة دون أن تفقد تركيزها. وبهدوء، بدأت تثبت نفسها. لم تكن تحاول أن تلفت انتباه أحد. كل ما كانت تريده هو أن تنجح. لكنها، رغم ذلك، لفتت انتباه شخص لم تكن تتوقعه. جاسر. في البداية، كانت تظن أن الأمر مجرد صدفة. ترفع عينيها فجأة، فتجده ينظر إليها. تدخل إلى القسم، فتشعر بنظراته قبل أن تراه. ومع مرور الأيام، لم تعد قادرة على إقناع نفسها بأنها مجرد صدفة. كانت تلاحظ. وتعرف. لكنها لم تكن تعرف ماذا تفعل بهذا الشعور. لذلك، كلما التقت عيناها بعينيه، كانت تخفض نظرها بسرعة. وفي كل مرة، كان قلبها يخفق بطريقة تزعجها. في ذلك اليوم، كانت ملك تقف بجانب مكتب نور تتحدث معها. قالت نور شيئًا جعل ملك تضحك. وفي اللحظة نفسها، خرج جاسر من مكتبه. رفعت ملك عينيها بالصدفة. توقفت ابتسامتها. كان جاسر ينظر إليها. التقت عيناه بعينيها لثوانٍ. ثم ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة. ارتبكت ملك وخفضت عينيها فورًا. شعرت بحرارة في وجهها. لاحظت نور شرودها. — «مالك؟» رفعت ملك رأسها بسرعة. — «ها؟» ضحكت نور. — «سرحتي فين؟» — «ولا حاجة.» حاولت ملك أن تبدو طبيعية. لكنها لم تكن تعرف أن هناك عينين أخريين كانتا تراقبان المشهد. سمر. كانت تقف بعيدًا. رأت نظرة جاسر. ورأت خجل ملك. وضغطت على القلم بين أصابعها. لم تكن نظرات جاسر هي أكثر ما أزعجها. بل أن ملك نفسها بدأت تلاحظ. وهذا كان أسوأ شيء بالنسبة لها. في نهاية اليوم، عادت سمر إلى البيت وهي تحمل غضبًا لم تستطع إخفاءه. دخلت غرفة أمها وأغلقت الباب خلفها. رفعت حسنية رأسها. — «مالك يا سمر؟» جلست سمر على السرير بضيق. — «مش طايقاها يا ماما.» — «مين؟» — «ملك.» تنهدت حسنية. — «لسه الموضوع ده؟» — «الموضوع كبر.» اقتربت حسنية منها. — «احكيلي.» قالت سمر: — «جاسر بقى واضح أوي.» — «واضح في إيه؟» — «في اهتمامه بيها.» سكتت حسنية. تابعت سمر: — «بيسأل عنها، بيعتمد عليها في الشغل، ولما تتكلم بيبقى مركز معاها.» ثم قالت بضيق: — «وحتى لما يبصلها... هي كمان بتتكسف.» نظرت حسنية إليها باهتمام. — «إنتِ متأكدة؟» — «أنا شايفة بعيني.» ثم خفضت صوتها. — «وأنا؟ كأني مش موجودة.» ربتت حسنية على يدها. — «ما تزعليش نفسك.» سحبت سمر يدها. — «إزاي ما أزعلش؟ أنا مش عايزة أفضل أشوف ده كل يوم.» سكتت حسنية قليلًا. ثم قالت: — «يمكن في طريقة تانية.» رفعت سمر عينيها. — «طريقة إيه؟» ابتسمت حسنية ابتسامة صغيرة. — «سيبيها عليّ.» — «يعني إيه؟» — «هتعرفي في وقتها.» نظرت سمر إليها بشك. لكنها لم تسأل أكثر. كانت تعرف أمها جيدًا. وعندما تقول حسنية: «سيبيها عليّ»... فهذا يعني أن شيئًا ما بدأ يُدبّر في الخفاء. في نفس الليلة، كان جاسر يجلس أمام جده في قصر العائلة. ظل الجد ينظر إليه للحظات قبل أن يتكلم. — «إنت لحد إمتى هتفضل مأجل موضوع الجواز؟» تنهد جاسر. — «جدو، مش كل مرة نفس الكلام.» — «وأنا هفضل أقول نفس الكلام لحد ما تسمعني.» ابتسم جاسر بخفة. — «أنا سامعك.» — «بس مش بتعمل حاجة.» سكت جاسر. قال الجد بهدوء: — «أنا مش عايز أفرض عليك واحدة.» رفع جاسر عينيه إليه. — «طيب؟» — «عايزك تختار.» سكت لحظة، ثم أضاف: — «بس ما تفضلش تأجل حياتك.» تنهد جاسر. — «أنا مش رافض الجواز.» — «أمال؟» — «لسه ما قابلتش الشخص المناسب.» ابتسم الجد. — «يمكن قابلته ومش واخد بالك.» نظر إليه جاسر باستغراب. — «يعني إيه؟» ضحك الجد. — «ولا حاجة.» ثم عاد إلى جديته. — «المهم، أنا عايز أشوفك مستقر.» — «إن شاء الله.» بعد أن دخل جاسر غرفته، وقف أمام النافذة. ظل كلام جده يدور في رأسه. الزواج. البيت. الأولاد. حاول أن يطرد الأفكار من رأسه. لكن بدلًا من ذلك، ظهرت أمامه صورة ملك. نظرتها الخجولة. وطريقتها في خفض عينيها كلما التقت عيناه بعينيها. ابتسم دون أن يشعر. ثم انتبه لنفسه. — «إيه اللي بفكر فيه أنا؟» ابتعد عن النافذة. لكن صورة ملك لم تختفِ. وفي صباح اليوم التالي، دخلت ملك الشركة كعادتها. كانت تحمل حقيبتها عندما رفعت عينيها. وجدت جاسر أمامها. توقفت للحظة. نظر إليها. ثم قال بهدوء: — «صباح الخير يا ملك.» ابتسمت بخجل. — «صباح النور.» تجاوزته وهي تحاول ألا تظهر ارتباكها. لكنها لم تعرف أن جاسر ظل يتابعها بعينيه حتى وصلت إلى مكتبها. ومن بعيد... كانت سمر تراقب. هذه المرة لم تغضب. فقط ابتسمت ابتسامة صغيرة. وكأنها اتخذت قرارًا. وفي مكان آخر... كانت حسنية قد بدأت تفكر في أمر آخر تمامًا. أمر قد يجعل ملك تترك الشركة قبل أن تتمكن من بناء حياتها التي بدأت تحلم بها. وكانت قد بدأت بالفعل تفكر في شخص مناسب لها. شخص لم تعرف ملك بوجوده بعد. ولم تكن تعرف أن القرار الذي ستتخذه حسنية... سيغيّر حياتها كلها.لكن الهاتف ظل صامتًا. ظل جاسر واقفًا أمام باب مكتبه للحظات، وعيناه معلقتان بشاشة هاتفه. كان هناك شيء بداخله يخبره أن الأمر ليس طبيعيًا. ملك لم تكن تتجاهله. خصوصًا بعد أن أخبرته أنها ستخرج مع سمر. اتصل بسمر. مرة. لم تجب. اتصل مرة أخرى. هذه المرة ردت، لكن صوتها كان مرتبكًا. — «ألو؟» قال جاسر بسرعة: — «إنتِ مع ملك؟» سكتت سمر. — «سمر، ردي عليا.» ترددت للحظات، ثم قالت: — «لا.» تغير وجه جاسر. — «يعني إيه لا؟» — «ملك مش معايا.» — «فين هي؟» لم تستطع سمر الرد. — «سمر!» قالت بصوت مرتجف: — «مش عارفة.» أغمض جاسر عينيه للحظة، محاولًا السيطرة على خوفه. ثم سألها: — «آخر مرة شفتيها فيها كانت فين؟» أخبرته بالمكان. لم يسألها أي شيء آخر. أغلق الهاتف، وأخذ مفاتيحه وغادر مكتبه فورًا. وفي الطريق، حاول الاتصال بملك مرة أخرى. لا رد. كتب لها: «ملك، ردي عليا حتى لو بكلمة.» ثم أرسل رسالة ثانية: «أنا جاي أدور عليكي.» وضع الهاتف بجانبه، وانطلق بسرعة. لم يكن يعرف ماذا حدث. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا بالنسبة له... ملك لم تختفِ بإرادتها. في نفس الوقت، كانت سمر لا تزال واقفة
وصل جاسر إلى المكان بأقصى سرعة. نزل من السيارة ودخل المبنى، وقلبه يدق بعنف. كان ينادي باسمها وهو يتحرك بين الغرف. — «ملك!» جاءه صوتها من الداخل. — «جاسر! أنا هنا!» ركض ناحية الصوت، وما إن فتح الباب حتى وجدها واقفة في زاوية الغرفة. كانت خائفة، لكن بمجرد أن رأته، أسرعت نحوه. — «جاسر!» ضمها إليه بقوة. ظل يحتضنها للحظات، وكأنه غير مصدق أنه وجدها أخيرًا. أبعدها عنه قليلًا، ونظر إلى وجهها بقلق. — «إنتِ كويسة؟» هزت رأسها. — «أيوه... أنا كويسة.» — «متأكدة؟» — «متأكدة.» تنفس جاسر براحة، ثم احتضنها مرة أخرى. — «خلعتيني عليكي.» قالت ملك بصوت منخفض: — «كنت عارفة إنك هتيجي.» ابتسم رغم الخوف الذي كان يملأه. — «كنت هدور عليكي في الدنيا كلها.» وقبل أن يخرجا، ظهر عمار أمام الباب. — «مش هتخرج بيها.» تغيرت ملامح جاسر، ووقف أمام ملك مباشرة. — «كفاية يا عمار.» حاول عمار الاقتراب، لكن جاسر منعه. — «ابعد عنها.» — «إنت فاكر إنك كسبت؟» نظر إليه جاسر بثبات. — «أنا مش داخل أكسب منك حاجة. أنا داخل آخد مراتي وأرجع بيها.» زاد غضب عمار، وبدأ بينهما شجار قصير، لكن قبل أن يتطور الأمر،
في تلك اللحظة... بدأت تشعر أن الموضوع لم يعد مجرد انتقام بسيط كما كانت تظن. أما ملك... فلم تكن تعرف أن قرارها بالثقة في سمر مرة أخرى... كان سيغيّر كل شيء. نظرت سمر إلى هاتفها مرة أخرى. كانت رسالة عمار ما زالت أمام عينيها. «دلوقتي.» رفعت رأسها ونظرت إلى ملك. — «مالك؟» سألت ملك باستغراب. أغلقت سمر الهاتف بسرعة. — «ولا حاجة.» — «متأكدة؟ شكلك اتغير فجأة.» حاولت سمر الابتسام. — «أنا بس... افتكرت حاجة.» ثم تحركت إلى الأمام. — «تعالي، المكان من هنا.» مشت ملك خلفها دون شك. كانت تثق بها. وهذا أكثر شيء جعل سمر تشعر بالذنب. بعد دقائق، توقفت سمر فجأة. نظرت حولها، ثم إلى ملك. — «استنيني هنا دقيقة.» استغربت ملك. — «هتروحي فين؟» — «هخلص حاجة بسرعة وهرجعلك.» — «ماشي.» ابتعدت سمر خطوات قليلة. لكنها لم تكد تفعل شيئًا حتى سمعت صوتًا جعل قلبها يرتجف. التفتت بسرعة. وفي لحظات قليلة... وجدت نفسها أمام موقف لم تكن مستعدة له. تراجعت سمر خطوة. — «لا... إحنا متفقناش على كده.» لم تجد إجابة. فقط شعرت أن الأمور خرجت من يدها تمامًا. نظرت ناحي
في اليوم التالي... منذ الصباح، كانت ملك تشعر بشيء غريب. لم تكن تعرف السبب، لكن رسالة سمر ظلت في بالها. «محتاجة أتكلم معاكي في حاجة.» لم تكن الجملة مخيفة، لكنها جعلتها تشعر أن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. وقفت أمام المرآة، رتبت شعرها، ثم أخذت حقيبتها. وقبل أن تخرج من الغرفة، وصلتها رسالة من جاسر. جاسر: «وصلتي؟» ابتسمت. ملك: «لسه خارجة.» لم تمر دقيقة حتى جاء الرد. جاسر: «لما توصلي ابعتيلي.» كتبت له: ملك: «حاضر، متقلقش عليا.» ثم أغلقت الهاتف ونزلت. كانت سمر تنتظرها في مكان هادئ. وحين رأت ملك تقترب، وقفت بسرعة. — «ملك!» ابتسمت ملك. — «آسفة اتأخرت.» — «ولا يهمك.» جلستا معًا. في البداية، تحدثتا عن أشياء عادية. البيت. العمل. الأيام الماضية. حتى ضحكت ملك أكثر من مرة. كانت تشعر أن سمر فعلًا تحاول. لكن سمر كانت تخفي توترًا واضحًا. وبعد فترة قالت: — «ملك... أنا عايزة أطلب منك طلب.» — «قولي.» — «ممكن تيجي معايا مكان؟» رفعت ملك حاجبها. — «فين؟» ترددت سمر لحظة. — «مكان قريب. مش هنتأخر.» نظرت ملك إليها. كان بإمكانها أن ترفض
في اليوم التالي... منذ الصباح، كانت ملك تشعر بشيء غريب. لم تكن تعرف السبب، لكن رسالة سمر ظلت في بالها. «محتاجة أتكلم معاكي في حاجة.» لم تكن الجملة مخيفة، لكنها جعلتها تشعر أن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. وقفت أمام المرآة، رتبت شعرها، ثم أخذت حقيبتها. وقبل أن تخرج من الغرفة، وصلتها رسالة من جاسر. جاسر: «وصلتي؟» ابتسمت. ملك: «لسه خارجة.» لم تمر دقيقة حتى جاء الرد. جاسر: «لما توصلي ابعتيلي.» كتبت له: ملك: «حاضر، متقلقش عليا.» ثم أغلقت الهاتف ونزلت. كانت سمر تنتظرها في مكان هادئ. وحين رأت ملك تقترب، وقفت بسرعة. — «ملك!» ابتسمت ملك. — «آسفة اتأخرت.» — «ولا يهمك.» جلستا معًا. في البداية، تحدثتا عن أشياء عادية. البيت. العمل. الأيام الماضية. حتى ضحكت ملك أكثر من مرة. كانت تشعر أن سمر فعلًا تحاول. لكن سمر كانت تخفي توترًا واضحًا. وبعد فترة قالت: — «ملك... أنا عايزة أطلب منك طلب.» — «قولي.» — «ممكن تيجي معايا مكان؟» رفعت ملك حاجبها. — «فين؟» ترددت سمر لحظة. — «مكان قريب. مش هنتأخر.» نظرت ملك إليها. كان بإمكانها أن ترفض
مرّت الأيام التالية بهدوء غريب. سمر بدأت تظهر في حياة ملك من جديد، لكن المرة دي بشكل مختلف. كانت تسأل عنها، تبعت لها، وأحيانًا تيجي تقعد معاها من غير سبب واضح. وفي البداية، ملك كانت حذرة. لكن مع الوقت، الحذر بدأ يقل. في صباح أحد الأيام، كانت ملك جالسة في الصالة، تمسك هاتفها وتراجع بعض الرسائل، عندما دخلت سمر. — «صباح الخير.» رفعت ملك عينيها وابتسمت. — «صباح النور.» جلست سمر بجانبها، ووضعت كيسًا صغيرًا على الطاولة. — «جبتلك حاجة.» ضحكت ملك. — «إنتِ كل يوم هتجيبيلي حاجة؟» — «مش عاجبك؟» — «لا عاجبني طبعًا.» فتحت ملك الكيس، فوجدت فيه بعض الأشياء التي تحبها. نظرت لسمر بدهشة. — «إنتِ لسه فاكرة إني بحب الحاجات دي؟» ابتسمت سمر. — «أنا فاكرة حاجات كتير عنك.» تغيّرت ملامح ملك للحظة. ربما لأنها لأول مرة منذ وقت طويل شعرت أن سمر فعلًا تحاول إصلاح ما حدث بينهما. — «شكرًا.» — «ملك...» — «همم؟» ترددت سمر قليلًا قبل أن تقول: — «أنا فعلًا آسفة.» وضعت ملك ما بيدها جانبًا. — «إنتِ اعتذرتي قبل كده.» — «عارفة... بس المرة دي أنا مش عايزة أعتذر وخلاص







