LOGINمرّت سبعة أشهر منذ اختفى راشد. سبعة أشهر تغيّر فيها كل شيء، حتى الأشياء التي ظنت ليان أنها لن تتغير أبدًا. كان السديم أكثر هدوءًا من أي وقت مضى. لم تعد الحواجز تُغلق عند الغروب، ولم يعد الحراس يقفون على أسوار المدينة خوفًا من رجال الهلال الأسود، ولم يعد الناس يتحدثون عن العهد وكأنه لعنة تنتظر أن تستيقظ. حتى اسم ميرال أصبح من الماضي. مدينة كاملة كانت قد عاشت في الظلام، ثم اختفت مع آخر أسرارها. أما ليان، فقد تعلمت أن تعيش دون أن تنتظر كارثة جديدة. كانت تجلس كل صباح في الحديقة، تحت الشجرة التي وجدت عندها حجر جلال. وضعت قربها كرسيًا صغيرًا لنادر، وكان يأتي كل يوم تقريبًا حاملاً كوبين من الشراب. في ذلك الصباح، جلس بجانبها وقال: "لم يعد أمامنا سوى أسابيع." نظرت إليه. "أعرف." "هل أنت خائفة؟" ابتسمت. "قليلًا." "وأنا كثيرًا." ضحكت. "أنت تخاف أكثر مني." "طبعًا." قالها بثقة جعلتها تضحك أكثر. ثم وضع يده على بطنها. "أظن أنه يتحرك." قالت: "هو يتحرك منذ دقائق." "ولم تخبريني؟" "كنت أريد أن أتركك تكتشف بنفسك." ابتسم. "هذا ابنك." رفعت حاجبها. "ابني؟" "أو ابنتي." "كنت تقو
كان الدخان يتصاعد فوق القصر، والناس يركضون في كل اتجاه. لم تفكر ليان. ركضت بكل ما تملك من قوة. كان نادر خلفها، وفؤاد وماهر وريان ورجال الحراسة يتبعونهم. لكن قبل أن يصلوا إلى البوابة، انفجرت نافذة الطابق العلوي. صرخت ليان: "أمي!" حاول نادر إيقافها. "انتظري!" لكنها أفلتت يده. دخلت القصر. كان الدخان كثيفًا، والهواء مليئًا برائحة الحريق. نادَت: "أمي!" لم يجب أحد. ثم سمعت صوتًا من الممر. "ليان." توقفت. كان صوت سلمى. ركضت نحوه. وجدتها واقفة عند نهاية الممر، ووجهها شاحب، لكن لم يكن بها أي جرح. احتضنتها ليان. "هل أنت بخير؟" قالت سلمى: "أنا بخير." ابتعدت ليان. "أين أبي؟" لم تجب. قالت: "فؤاد!" جاء صوت من خلفها. "أنا هنا." استدارت. كان فؤاد يقف أمام باب القاعة. لكن شيئًا ما كان غريبًا. كانت عيناه جامدتين. اقتربت ليان. "أبي؟" رفع يده. "لا تقتربي." توقفت. دخل نادر. نظر إلى فؤاد. ثم قال: "هناك شيء خطأ." أجاب فؤاد: "أعرف." وفجأة سقط على ركبتيه. أسرعت سلمى إليه. "فؤاد!" أمسك رأسه. كان يتنفس بصعوبة. ثم قال: "إنه هنا." سألت ليان: "من؟" رفع عينيه.
لم يتحرك أحد. بقيت كلمات سليم معلقة في الغرفة كأنها نذير لا يريد أحد أن يسمعه. الخائن بينكم. كانت ليان لا تزال تمسك خاتمه، بينما كانت العلامة على يدها تتوهج بضوء خافت. قال فؤاد: "أعطيني الخاتم." رفعت عينيها إليه. "لماذا؟" "ربما يكون ملعونًا." تدخل نادر: "لو كان كذلك، لما تركه سليم في يده." قالت سلمى: "ليس الخاتم هو المشكلة." نظر الجميع إليها. أشارت إلى يد ليان. "العلامة." سأل فؤاد: "ماذا عنها؟" قالت سلمى: "إنها لم تتفاعل مع العهد منذ أن تحرر." ثم نظرت إلى الخاتم. "لكنها تفاعلت الآن." قالت ليان: "ماذا يعني ذلك؟" أجابت سلمى: "يعني أن سليم لم يكن يتحدث عن الماضي." سأل نادر: "إذن عن ماذا؟" رفعت سلمى عينيها. "عن الحاضر." --- بدأت الشكوك تنتشر في القصر قبل أن ينتهي الليل. أمر فؤاد بإغلاق جميع البوابات. وأرسل يامن ورائد رجالًا لمراقبة الطرق المؤدية إلى السديم. أما ماهر، فجلس مع خرائط المدن محاولًا معرفة ما إذا كانت هناك حركة غير طبيعية على الحدود. لكن ليان لم تكن تستطيع التفكير. كانت جملة سليم تلاحقها. الخائن بينكم. قال نادر: "أنت تفكرين في شخص معين."
لم تستطع ليان أن تتحدث. ظلّت جالسة تحت الشجرة، ويدها على صدرها، بينما كان نادر يراقب وجهها بقلق. قال: "ليان، ما بك؟" هزّت رأسها. "لا أعرف." "هل تشعرين بالألم؟" "ليس ألمًا." ثم أخذت نفسًا عميقًا. "مجرد دوار." نهض نادر. "سنعود إلى البيت." أمسكت يده. "انتظر." نظر إليها. كانت عيناها معلقتين بالكتاب المفتوح على الصفحة الأخيرة. قالت: "هناك شيء لم أقرأه جيدًا." أعادا النظر إلى السطر. "ابحثي عن ابنك الذي لم يولد بعد، لأن العهد لم ينتهِ فيك..." ساد الصمت. قال نادر: "هذا مستحيل." "لماذا؟" "لأن العهد انتهى." "ربما." "ليان." نظرت إليه. "ماذا؟" "ربما جلال لم يكن يتحدث عن العهد الذي نعرفه." أغلقت الكتاب. "إذن علينا أن نعرف." --- عادا إلى السديم قبل الغروب. كانت سلمى في الحديقة مع فؤاد، وحين رأت وجه ليان، أسرعت إليها. "ماذا حدث؟" قالت ليان: "أريد أن أتحدث معكما." جلس الأربعة في غرفة هادئة. وضعت ليان الكتاب أمامهما. قرأ فؤاد الصفحة الأخيرة. تغير وجهه. قالت سلمى: "من أين وجدتم هذا؟" "في حقيبة سليم." ثم قالت ليان: "أريد أن أعرف كل شيء." صمت فؤاد. قالت سلم
لم تفتح ليان الرسالة في الطريق. ظلّت طوال الساعات الماضية تحدّق من نافذة العربة، بينما كانت كلمات سليم تتردد في رأسها. عاصم لم يكن والدك الوحيد. لم تستطع أن تفهمها. فؤاد كان والدها الذي رباها، وعاصم كان الرجل الذي أنجبتها منه أمها بحسب ما عرفت طوال حياتها. فمن يكون الثالث؟ ولماذا أخفى سليم هذه الحقيقة كل تلك السنوات؟ وحين توقفت العربة أمام منزلها في السديم، كانت قد اتخذت قرارها. لن تخبر أحدًا بالرسالة قبل أن تعرف الحقيقة بنفسها. نزلت من العربة. كانت سلمى أول من ركض إليها. احتضنتها بقوة. قالت: "ظننت أن شيئًا حدث لك." ضحكت ليان. "أنا بخير." أمسكت سلمى وجهها. "متأكدة؟" "نعم." ثم نظرت إلى نادر. "وهو أيضًا." اقترب فؤاد. وضع يده على كتف نادر. "الحمد لله." ثم نظر إلى ليان. "هل انتهى الأمر؟" صمتت للحظة. ثم أجابت: "أظن ذلك." لكنها لم تكن متأكدة. --- في المساء، جلست ليان وحدها في غرفتها. أخرجت الرسالة. كانت قصيرة. فتحتها. وجدت فيها: "ليان، أعرف أنني تأخرت كثيرًا، لكن بعض الحقائق لا يمكن كشفها إلا عندما يصبح الإنسان قادرًا على سماعها. عاصم أحبك، وهذا صحيح.
ساد الصمت في الساحة. كان عاصم يقف أمامهم، لكن ليان لم تستطع أن تنظر إليه بوصفه والدها الذي عرفته في طفولتها، ولا الرجل الذي اختفى تاركًا خلفه أسئلة لا تنتهي. كان شيئًا آخر. ظلًا من ماضيه. بقايا روح تركها العهد خلفه. قالت ليان: "أين أبي؟" ابتسم الكيان. "رحل." "أين؟" "إلى المكان الذي لا تستطيعين الوصول إليه." تقدمت خطوة. "أنت تكذب." "بل أحاول أن أحميك." قال نادر: "من ماذا؟" نظر إليه الكيان. "منها." ثم أشار إلى ليان. تجمد نادر. قالت ليان: "ماذا تقصد؟" أجاب: "هي السبب في كل ما حدث." "أنا؟" "منذ ولادتك، والعهد يبحث عنك." ثم تابع: "لم يكن عاصم هو من اختفى. لقد اختفى لأنه عرف أن العهد سيستخدمك لفتح الباب." قالت ليان: "إذن لماذا أبقاني فؤاد حية؟" "لأنه أحبك." تغيرت ملامح الكيان. "وهذا كان خطأه." صرخ سليم: "كفى!" رفع الكيان يده. اندفع ضوء أسود نحو سليم، فألقاه أرضًا. ركضت ليان نحوه، لكن نادر أمسكها. قال: "لا." "إنه مصاب." "إنه يريد تشتيتنا." قال الكيان: "ذكي." ثم نظر إلى نادر. "أنت تفهم." قال نادر: "لا أفهم شيئًا." "بل تفهم أكثر مما تعتقد." اقتر







