LOGIN
كانت مدينة نيويورك تغرق في أضواء المساء، بينما امتدت ناطحات السحاب خلف النوافذ الزجاجية لقصر آل كينغ، كأنها نجوم معلقة في سماء لا تنتهي.
وفي الطابق العلوي، كانت إيلينا تقف أمام المرآة، ترتب خصلات شعرها الأحمر الطويل الذي انسدل بنعومة فوق كتفيها. انعكست عيناها العسليتان في المرآة، تحملان هدوءًا اعتاد عليه كل من يعرفها. هندمت طرف فستانها البسيط، ثم نظرت إلى الساعة. لقد تأخر زوجها مرة أخرى. تنهدت بخفة، ثم ابتسمت لنفسها. لم تكن إيلينا من النساء اللواتي يغضبن لمجرد تأخر أزواجهن. كانت تعرف طبيعة عمل ألكسندر، وتعرف أن منصبه كرئيس تنفيذي لشركة كينغستون غلوبال هولدينغز يجعله يقضي ساعات طويلة بين الاجتماعات والصفقات. ومع ذلك، كان هناك شيء مختلف مؤخرًا. شيء صغير. غير واضح. لكنه موجود. منذ عامين، بدأ ألكسندر يتغير. لم يعد يرسل لها رسائل قصيرة أثناء النهار كما اعتاد، ولم يعد يتصل بها ليسألها إن تناولت غداءها. حتى عودته إلى المنزل أصبحت متأخرة أكثر من المعتاد. ومع ذلك، كانت إيلينا ترفض أن تسمح للشك بأن يفسد أربعة أعوام من الزواج. كانت تتذكر جيدًا كيف كان ألكسندر في السنوات الأولى. الرجل الذي كان يقطع اجتماعًا كاملًا ليرد على مكالمتها. والذي كان يعود من سفر طويل محملًا بالهدايا لمجرد أنه اشتاق إلى ابتسامتها. والذي كان يصر على أن تتناول العشاء معه حتى لو لم يكن لديه سوى نصف ساعة قبل اجتماع مهم. لذلك، كلما شعرت بتغيره، كانت تقنع نفسها بأنه ضغط العمل. ربما الصفقات الجديدة. ربما المسؤوليات التي ازدادت على عاتقه. ربما كان يحتاج إلى بعض الوقت. سمعت صوت الباب الرئيسي في الأسفل. رفعت رأسها بسرعة وبعد لحظات، ظهر ألكسندر عند باب الغرفة. كان يرتدي بدلته السوداء، وقد بدا التعب واضحًا على ملامحه، إلا أن عينيه ظلتا محتفظتين بذلك الهدوء البارد الذي اشتهر به. ابتسمت إيلينا.«لقد عدت أخيرًا.» نظر إليها لثوانٍ، ثم اقترب منها.«هل انتظرتني؟» «قليلًا.» «قلت لكِ ألا تنتظريني.» ابتسمت بخجل.«وأنا قلت لك إنني أحب أن أراك حين تعود.» صمت للحظة كان هناك وقت لم يكن فيه ألكسندر يستطيع مقاومة تلك الابتسامة. رفع يده، وأزاح خصلة من شعرها عن وجهها.«ملاكي الصغير.» اتسعت ابتسامتها. «كنت أعلم أنك ستقولها.» كانت تلك الكلمة وحدها كافية لتجعل قلبها يطمئن. لكن ابتسامته لم تستمر طويلًا. ابتعد عنها واتجه إلى الخزانة ليخلع سترته. راقبته إيلينا بصمت. كانت تلك الحركة بسيطة جدًا، لكنها جعلت شيئًا بداخلها ينقبض لم يعد ينظر إليها بالطريقة نفسها. اقتربت منه وقالت «هل حدث شيء في الشركة؟» «لا.» «أنت متأكد؟» «نعم.» أومأت لم تضغط عليه. كانت تؤمن بأن الزواج يعني أن تمنح من تحب مساحة حين يحتاج إليها. اقتربت منه مرة أخرى وأخذت سترته من يده «العشاء جاهز.» «لست جائعًا.» رفعت عينيها إليه. «حتى لو لم تأكل كثيرًا، اجلس معي قليلًا.» تردد لحظة، ثم أومأ. «حسنًا.» ابتسمت بسعادة صغيرة، وكأن موافقته على الجلوس معها كانت شيئًا يستحق الاحتفال. في الأسفل، جلست إيلينا أمامه تحكي له عن كتاب بدأت قراءته، وعن الزهرة الجديدة التي زرعتها في الحديقة. كان ألكسندر يستمع، لكنه لم يكن حاضرًا بالكامل. رن هاتفه نظر إلى الشاشة سريعًا، ثم قلبه على الطاولة. لاحظت إيلينا الحركة، لكنها لم تعلق. «هل هناك شيء مهم؟» «لا.» ابتسمت «حسنًا.» عاد الصمت للحظات. ثم قالت بهدوء:«ألكسندر؟» «همم؟» «أنا فقط... أريدك أن تعرف أنني موجودة دائمًا إذا احتجت إلى الحديث.» نظر إليها للحظة قصيرة، شعر بوخزة غريبة في صدره. لكنه أخفاها. «أعرف.» ابتسمت له ولم تكن تعرف أن الرجل الجالس أمامها كان يخفي عنها أكبر سر في حياتهما. كانت المسافة التي تركتها له مساحة للراحة في ظنها...لكنها في الحقيقة كانت فراغًا تسللت إليه امرأة أخرى. --- في صباح اليوم التالي، غادر ألكسندر القصر مبكرًا. وبمجرد أن أُغلق الباب خلفه، توقفت سيارة سوداء أمام مبنى شركة كينغستون. نزلت منها امرأة أنيقة تحمل حقيبة جلدية سوداء كانت فيكتوريا هاريس، مديرة أعمال ألكسندر. دخلت الشركة بخطوات واثقة، فوقف الموظفون لتحيتها باحترام كانت تعرف جيدًا مكانتها داخل الشركة، والأهم أنها كانت تعرف مقدار ثقة ألكسندر بها. صعدت إلى مكتبه في الداخل، كان ألكسندر يقلب بعض الأوراق. طرقت الباب «ادخلي.» وضعت الملفات أمامه. «هذه مستندات الصفقة الجديدة. راجعتها بالكامل.» رفع عينيه إليها.«شكرًا.» «هناك اجتماع مع المستثمرين مساء الخميس، وأحتاج إلى موافقتك على الموعد.» «افعلي ما ترينه مناسبًا.» ابتسمت.«كما تريد.» استدارت لتغادر، ثم توقفت. «ألكسندر.» «ماذا؟» نظرت إليه طويلًا قبل أن تقول: «هل أنتظرك في منزلنا اليوم ام انك سوف تعود الي تلك الصغير؟» نظر لها يفكر قليلاً ثم قال "انتظريني هناك" لم يكن يعرف انها تخطط لتخريب زواجه الانأضاءت الثريات الضخمة قاعة الحفل، وانعكست أنوارها على الأرضية اللامعة والجدران المزينة بالزهور البيضاء.توافد الضيوف تباعًا، رجال ببدلات رسمية ونساء بفساتين أنيقة، بينما كانت الموسيقى الهادئة تملأ المكان وتختلط بأصوات الأحاديث والضحكات.وقفت إيلينا إلى جوار صوفيا، وهي تعدل طرف فستانها بحركة صغيرة.التفتت إليها صوفيا، ثم ابتسمت بإعجاب.«ألم أقل لك إن الفستان كان ينتظر مناسبة كهذه؟»ضحكت إيلينا بخفة، ثم مررت يدها على شعرها.«أعتقد أنك كنت محقة.»«بالطبع كنت محقة.»هزت صوفيا رأسها بثقة، ثم أمسكت بذراعها.«هيا، قبل أن يبدأ الجميع في الوقوف هنا ونحن نبدو كأننا لا نعرف أحدًا.»سارتا بين الضيوف، فتوقفتا أكثر من مرة لإلقاء التحية على بعض الأشخاص الذين تعرفهم صوفيا.بعد دقائق، ظهرت ابنة دانيال الكبرى إلى جانب خطيبها، وسط تصفيق الحاضرين.ابتسمت إيلينا وهي تنظر إليها.«إنها جميلة.»أومأت صوفيا.«والحفلة فخمة جدًا.»«واضح أن السيد دانيال لم يترك انش الي ونظمه جيدا.»اقترب دانيال من المنصة، ثم أمسك الميكروفون.ساد الهدوء تدريجيًا.رفع دانيال رأسه، وابتسم للحاضرين.«أشكركم جميعًا على حضوركم الليلة.»
بعد مرور أسبوع، جلس الرجل المهيب والهادئ على رأس الطاولة، محاطًا بعدد من رجال الأعمال الذين امتلأت أمامهم الملفات والعقود.استقرت يده على حافة الطاولة، بينما كان يقلب إحدى الصفحات ببطء، ثم رفع عينيه نحو الرجل الجالس مقابله.قال دانيال وهو يدفع الملف نحوه:«أعتقد أن هذه هي الصيغة النهائية للاتفاق.»مدّ ألكسندر يده، وأخذ الملف دون عجلة.قلب عدة صفحات، ثم توقف عند بند محدد، وأشار إليه بإصبعه.«وهذا؟»اقترب دانيال قليلًا، وانحنى فوق الطاولة لينظر إلى المكان الذي أشار إليه.«ذلك البند يخص المرحلة الثانية من المشروع.»رفع ألكسندر حاجبه قليلًا.«النسبة هنا مرتفعة.»ابتسم دانيال، ثم أسند ظهره إلى مقعده.«كنت أعلم أنك ستعترض.»أغلق ألكسندر الملف بهدوء، ودفعه أمامه.«لأنها تحتاج إلى تعديل.»ضحك دانيال بخفة، ثم مد يده إلى القلم.«حسنًا، اقترح التعديل.»تبادلا الحديث لعدة دقائق، وتتابعت الأرقام والملاحظات بينهما، حتى استقر الاتفاق أخيرًا على صيغة أرضت الطرفين.وقّع دانيال أولًا، ثم وضع القلم أمام ألكسندر.أمسك الأخير القلم، ووقّع اسمه بخط ثابت، ثم أعاد القلم إلى مكانه.صافحه دانيال وهو يبتسم.«إذ
كانت إيلينا تجلس بجوار صوفيا في السيارة، بينما كانت الأخيرة تقود عبر شوارع المدينة.منذ أن غادرت منزل دانيال، لم تتوقف صوفيا عن الحديث.«أخبريني أنكِ لن تقولي لي إنكِ تريدين العودة إلى المنزل.»نظرت إليها إيلينا باستغراب.«ولماذا سأقول ذلك؟»«لأنكِ تفعلين هذا دائمًا.»ابتسمت إيلينا.«أنا لا أفعل.»«بل تفعلين.»نظرت صوفيا إليها للحظة، ثم أعادت عينيها إلى الطريق.«منذ أن عرفتك، وأنتِ تتعاملين مع الحزن وكأنه عمل بدوام كامل.»ضحكت إيلينا بخفة.«وهل هذا يعني أنكِ ستطردينني من صداقتك؟»«مستحيل. من سيتحمل مزاجك إذن؟»ضحكت إيلينا بخفة على كلمات صديقتها.نظرت صوفيا إليها من طرف عينها وابتسمت.كانت تعرف أن هذه الضحكة الصغيرة تعني الكثير.لم تسألها عما تفكر فيه.لم تضغط عليها.كانت تعرف متى تتحدث، ومتى تترك لإيلينا مساحة للصمت.وهذا تحديدًا ما جعل إيلينا تتمسك بها.بعد دقائق، توقفت السيارة أمام مركز تجاري كبير.نظرت إيلينا إلى المبنى.«صوفيا...»«لا.»«أنا لم أقل شيئًا.»«لكنني أعرف هذه النظرة.»ترجلت صوفيا من السيارة.«اليوم ممنوع كلمة "لا أحتاج".»تنهدت إيلينا ونزلت خلفها.«أنتِ مستحيلة.»«وأن
لم ينطق ألكسندر بكلمة.ظل واقفًا في مكانه بينما كان دانيال يتحدث عن الصفقة وكأن شيئًا لم يحدث.لكن ألكسندر لم يعد يسمع شيئًا.كانت عيناه لا تزالان تتجهان بين الحين والآخر نحو الحديقة.إيلينا كانت هناك.على بعد أمتار فقط.ومع ذلك، لم يتحرك نحوها.كان يستطيع أن ينادي اسمها.كان يستطيع أن يطلب من دانيال أن يتركهما وحدهما.كان يستطيع أن يقترب منها ويسألها أين كانت طوال الشهرين الماضيين.لكنه لم يفعل.لأول مرة، اختار أن يفكر قبل أن يتصرف.أخرج هاتفه بهدوء، وكتب رسالة قصيرة.ثم أعاده إلى جيبه.قال دانيال:«هل كل شيء بخير؟»رفع ألكسندر عينيه إليه.«بالطبع.»ابتسم دانيال.«يبدو أنك شارد اليوم.»«كنت أفكر في الصفقة.»كانت كذبة سهلة.لدرجة أن دانيال لم يشك فيها.استمر الغداء.تحدث الرجلان عن الأرقام، والاستثمارات، وخطة التوسع الجديدة.ألكسندر شارك في الحديث كالمعتاد.ناقش الأرقام.اعترض على بعض البنود.واقترح تعديلات.لم يلاحظ دانيال شيئًا.لكن داخل رأس ألكسندر، كان سؤال واحد يكرر نفسه.كيف عاشت؟أين كانت؟وهل هي بخير؟وعندما انتهى الغداء، غادر ألكسندر المنزل كما لو أن شيئًا لم يحدث.صافح دانيا
استيقظ ألكسندر قبل أن يرن المنبّه.فتح عينيه ببطء، وبقي لثوانٍ يحدّق في السقف دون أن يتحرك.كان الصباح هادئًا بصورة مزعجة.لا صوت لخطوات إيلينا في الممر.لا صوت خافت لستائر تُفتح.ولا تلك الجملة التي اعتاد سماعها كل صباح:«لقد استيقظت أخيرًا.»مدّ يده إلى الجانب الآخر من السرير دون تفكير.ثم توقفت أصابعه فوق الملاءة الباردة.سحب يده سريعًا.وكأنها ذكّرته بشيء حاول طوال الشهرين الماضيين ألّا يفكر فيه.نهض من السرير.كان يرتدي قميصه الأسود عندما انعكست صورته في المرآة.الرجل نفسه.البدلة نفسها.الساعة الفاخرة.الملامح الحادة.كل شيء في مكانه.إلا عيناه.بدتا كأنهما لم تناما منذ أشهر.دخل الحمام، وغسل وجهه، ثم وقف أمام المرآة طويلًا.لم يعد يعرف إن كان يفتقد إيلينا...أم يفتقد الرجل الذي كان عليه عندما كانت بجانبه.خرج من الغرفة واتجه إلى الطابق السفلي.كان القصر هادئًا.أكثر هدوءًا مما ينبغي لقصر بهذا الحجم.مرّ بجوار إحدى الطاولات، فتوقف.كانت هناك مزهرية صغيرة.الزهور التي طلب أن تبقى في مكانها منذ أسابيع.اقترب منها.لمس إحدى الأوراق بأطراف أصابعه، ثم سحب يده.«حتى هذه لم ألاحظها إلا
مرّت ثلاثة أسابيع منذ رحيل إيلينا. ثلاثة أسابيع كاملة تغيّر فيها القصر أكثر مما تغيّر خلال السنوات الأربع الماضية. كانت فيكتوريا تعيش الآن مع ألكسندر في القصر نفسه. كل شيء كان يبدو مثاليًا من الخارج. الأثاث الفخم. الخدم. السيارات. الحراسة. والرجل الذي يملك كل شيء. لكن شيئًا واحدًا لم يعد موجودًا. إيلينا. في صباح أحد الأيام، كان ألكسندر جالسًا إلى مائدة الإفطار، بينما جلست فيكتوريا أمامه تقلب صفحات هاتفها بلا اهتمام. وضعت إحدى الخادمات فنجان القهوة أمامها. نظرت فيكتوريا إلى الفنجان، ثم رفعت عينيها إليها بحدة. «هذه ليست القهوة التي طلبتها.» ارتبكت الخادمة. «آسفة سيدتي، سأحضر غيرها فورًا.» «من الواضح أنكِ لا تسمعين جيدًا.» قالتها فيكتوريا ببرود، ثم دفعت الفنجان بعيدًا وسكبته علي الخادمة المسكينة. راقب ألكسندر المشهد دون تعليق. لكن ذاكرته أعادته للحظة إلى صباح قديم. إيلينا كانت تجلس في المكان نفسه. كانت تحفظ كيف يحب قهوته. وكانت أحيانًا تضع أمامه فنجانه قبل أن يطلبه. لم تكن تحتاج إلى سؤال. كانت تعرفه ولم تؤذي اي من الخدم وبلتحديد العمة حلي







