Home / الآخر / حين نفد المال / المقعد الشاغر

Share

المقعد الشاغر

Author: roshi121202
last update publish date: 2026-10-28 07:34:29

في العاشرة تمامًا افتتح فؤاد الاجتماع، وعيناه تتحاشيان الكرسي الجلدي الذي يتوسّط الجانب الأيمن من الطاولة. جلس ثمانية رجال وامرأة واحدة حول الخشب اللامع، وأمام كلٍّ منهم كوب ماء لم يُمَسّ.

بدأ جلال الحدّاد، مدير الشؤون المالية، يعرض الأرقام: ارتفاع في سعر الحديد، وتأخّر في تحصيل دفعات مشروع العاصمة الجديدة، وتعثّر عميلين كبيرين. كان صوته رتيبًا، غير أن الأرقام نفسها كانت تصرخ.

قاطعه الدكتور كمال، أكبر المساهمين سنًّا وأقلّهم مجاملة، مشيرًا بقلمه إلى المقعد الشاغر:

— يا أستاذ فؤاد، نحن نناقش مصير المجموعة، ووريثها لا يتجشّم عناء الحضور. ألا يقلقك أن يرث ما لا يعرف اسمه؟

— سيأتي حين يحين وقته.

— الوقت لا ينتظر المتأخرين. سيرث الأبراج والديون معًا، وسيحسبها كلها ملاهي.

شعر فؤاد بوخزة خلف عظمة صدره، فضغط عليها براحة يده، متظاهرًا بتعديل ربطة عنقه. التقطت منى الرفاعي، المساهمة الوحيدة، حركته بعينين فطنتين، لكنها آثرت الصمت.

— ننتقل إلى البند التالي، قال بصوت أخفض مما أراد.

لحقت به منى في الممرّ، وأمسكت بكمّه.

— لونك لا يعجبني يا فؤاد. اذهب إلى طبيبك اليوم.

— بعد الحفل. لديّ ثلاثون عامًا تنتظر أن يُحتفى بها، ولن يفسدها قلبي.

— القلوب لا تعرف المواعيد.

ابتسم لها شاكرًا، ومضى دون أن يعدها بشيء. وعند انتهاء الاجتماع دخل مكتبه، وابتلع قرصًا صغيرًا بجرعة ماء، وطلب رقم ابنه. رنّ الهاتف طويلًا ثم انقطع. أعاد المحاولة مرة وثانية، وعند السابعة كفّ عن العدّ.

في الثانية وضعت أمامه سكرتيرته سهير كشف حساب البطاقة الإضافية الذي يصله كل أسبوع. مرّر إصبعه على الأرقام ببطء: فندق في دبي، ساعة سويسرية، رحلة إلى جزر المالديف لم يعلم بها، وأسماء مطاعم لم يسمع بها قط. المجموع في ثلاثة أشهر: ثلاثة ملايين وربع.

— هل أوقف البطاقة يا أستاذ؟ سألت سهير بحذر.

— لا.

— الكشف يتضخّم كل شهر...

— قلتُ لا.

ردّ الورقة إليها وأدار كرسيه نحو النافذة. تذكّر شابًّا في الخامسة والعشرين كان ينام على الأرض بين أكياس الأسمنت ليحرس أول موقع، ويأكل الفول من علبة صفيح، ويعدّ المال بالقروش. كان يحلم يومها بأن يمنح ابنه حياة لا يحتاج فيها إلى العدّ. وها هو الآن يعدّ ما أنفقه ابنه، فيشعر بأن حلمه تحقق وفسد في آنٍ واحد.

وصل سليم في الثالثة عصرًا، بنظارة شمسية داكنة وقميص مفتوح عند الصدر، يردّ على تحيات الموظفين بإيماءة خاطفة كمن يتفقّد أملاكه. تجاوز سكرتيرة أبيه، واقتحم المكتب.

— وصلتُ. ما الأمر الجلل؟

لم يرفع فؤاد عينيه عن الورقة التي يوقّعها.

— كان الاجتماع في العاشرة.

— ونمتُ حتى الثانية. تلك جريمتي، فاحكم.

— الحفل بعد ساعات. ثلاثون عامًا على تأسيس المجموعة، وسيُكرَّم رجال أفنوا أعمارهم بين هذه الجدران. أريدك واقفًا إلى جانبي ببدلة لائقة في الثامنة، لا في الحادية عشرة. هذا كل ما أطلبه.

أنزل سليم نظارته قليلًا، ولمعت في عينيه شرارة من يلمح ثغرة في سور.

— حسنًا. لكن لكل شيء ثمنًا. ضاعف مخصّصاتي الشهرية، وسأبتسم في الصور حتى تتشنّج وجنتاي.

انعقد حاجبا فؤاد.

— أتساومني على حضور حفل أبيك؟

— أسمّيها تنظيم علاقات. وأنت تفعل مع شركائك ما هو أشدّ.

طال الصمت. كان فؤاد يرى في وجه ابنه ملامح امرأة رحلت قبل خمسة عشر عامًا، فتلين المرارة في حلقه كلما همّ بالقسوة. ثم زفر، وخطّ رقمًا على ورقة صغيرة، ودفعها عبر المكتب.

— هذا ما ستتسلّمه الشهر القادم. وفي الثامنة.

حدّق سليم في الرقم، ورفع حاجبيه، ثم ابتسم ابتسامة المنتصر الذي لا يدري أنه خسر.

— في الثامنة. لك كلمتي.

ومدّ يده فصافح أباه مصافحة تاجر أنهى صفقة رابحة، لا ابن أنهى خصومة. وحين خرج من المكتب، التفتت إليه سكرتيرة الأب بنظرة متوجّسة، فغمزها غمزة مرحة عابرة.

ما إن خرج الابن حتى دخل جلال بخطوات ثقيلة، وأغلق الباب خلفه بحذر.

— أستاذ فؤاد، لا بدّ أن تسمعني قبل الحفل. المصرف أخطرنا هذا الصباح بأنه سيعيد النظر في سقف التسهيلات الممنوحة لنا، ما لم نقدّم ضمانات إضافية خلال شهرين.

— ولماذا الآن؟

— لأن التعثّر في العاصمة الجديدة ظهر في تقاريرهم، ولأن السوق لا يرحم من يتباطأ. نحتاج إلى مشروع جديد يطمئنهم، ونحتاج إلى وجه شاب يدلّ على أن للمجموعة استمرارًا.

ابتسم فؤاد ابتسامة باهتة.

— وجه شاب؟ لقد رأيتَ للتوّ ما يصلح منه.

— إن واصلتَ تسليمه ما يطلب كلما رفع صوته، فلن يتعلّم أن للكلمة وزنًا.

— إنه ابني الوحيد يا جلال. ماتت أمه وهو في الثانية عشرة، وكنت أعمل في تلك الليلة نفسها.

لم يجد جلال ما يقوله. أخذ أوراقه وانصرف، تاركًا الرجل أمام النافذة العريضة التي تطلّ على أبراج حمل اسمه كل واحد منها.

انحنى فؤاد على المكتب، وتنفّس ببطء حتى هدأت الوخزة. تأمّل الصورة المؤطرة على الرفّ: صبيّ في العاشرة بأسنان ناقصة، يرفع شهادة تفوّق، وإلى جانبه امرأة تضحك. همس بصوت لا يسمعه أحد:

— ماذا فعلنا به يا نادية؟

لم يجبه سوى طنين المكيّف، وقرع ساعة الحائط وهي تقترب من الخامسة، ثم من السادسة، ثم من الموعد الذي سيحنث فيه الابن بوعده كما ينبغي لمن يظن الوعود صفحات تُشترى.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين نفد المال   الفيديو

    بعد أسابيع من الاعتراف بدأ المناخ في الشركة يتغير. لم يعد ياسر يتبادل معه نظرات التسلية، بل صار يسأله عن رأيه في عروض الأسعار. وأخذت الحاجة سعاد تضع له كل صباح قطعة حلوى على المكتب دون أن تقول شيئًا. وكان سليم يتعلم كل يوم شيئًا جديدًا: كيف يعدّ الأسعار بالقلم، وكيف يعتذر لعميل غاضب، وكيف يقف أمام آلة الطباعة ليعيد ورقة علقت فيها. وفي المساء، حين يعود إلى سطحه، كان يجد حمزة ينتظره بأسئلة عن البيع والشراء، فيجيبه بما تعلّم، وكأن كل جملة يقولها تثبّت قدمه على الأرض. وكان قد بدأ يحمل إلى أبيه كل جمعة برتقالًا جديدًا، وإلى أم حمدي كيس حلوى، وإلى ذاكرته قائمة صغيرة بأسماء من أخطأ في حقهم، يتصدرها اسم واحد: مصطفى. ولم يكن يعلم أن القائمة ستُفتح قبل أوانها.كان قد بلغ ثلاثة أشهر في عمله. وفي صباح خريفي بارد، وهو يحمل صندوقًا إلى المخزن، سمع ياسر يتحدث في الهاتف بصوت مرتفع ومندهش:— أرسل لي الرابط. نعم، الآن. الله! هل هذا هو؟لم يفكر سليم في الأمر، ومضى. لكن حين عاد بعد نصف ساعة وجد غرفة الموظفين صامتة على غير عادتها. كان ياسر يقف بجوار الحاجة سعاد، وكلاهما يحدّق في شاشة هاتف صغير. وحين لمحاه

  • حين نفد المال   وعد لا يُنفَّذ

    أغلق سليم أول صفقة بعد شهرين. لم تكن عملاقة، لكنها بدت له كأنها أعظم مشروع قاده: مدرسة خاصة اسمها «النور الحديثة» اشترت منه عشرين طاولة وعشرين كرسيًا. عمولته بلغت ستمئة جنيه، فأنفقها كلها على غداء جماعي لزملائه، وأحسّ بفخر لا يعرف له مثيلًا. ولاحظ أنه كلما أصغى إلى مدير المدرسة أكثر، قلّ ما احتاج إلى قوله. ورفع ياسر كأس الشاي وقال: «على أول صفقة، وعلى أن الكراسي التي يبيعها أريح من وجهه». ضحك الجميع، وضحك سليم أكثر منهم، وقد شعر لأول مرة بأن الضحك يمكن أن يُقاسَم دون أن يُشترى.ورفع ياسر كأس الشاي قائلًا: «هذا أول مندوب يدفع غداء الجميع من أول عمولة، سيدخل التاريخ!». ضحك الجميع، حتى عادل ابتسم تحت شاربه.شجّعه ذلك، فبدأ يطارد صفقة أكبر. جاء عميل اسمه الأستاذ حامد، مدير مدرسة أخرى، وطلب ستين مكتبًا للمعلمين وأربعين خزانة. قال إن المدرسة تفتتح فرعًا جديدًا بعد أسبوعين، وإن عليه أن يختار الشركة الأقدر على التسليم قبل ذلك.— نسلّم خلال عشرة أيام، قال سليم دون تردد.— هل أنت واثق؟ الشركات الأخرى تقول ثلاثة أسابيع.— أنا واثق.مسح الأستاذ حامد نظارته ببطء، وأضاف:— وإن تأخرتَ يومًا واحدًا،

  • حين نفد المال   أول راتب

    في آخر الشهر وضع المحاسب أمامه ظرفًا أبيض مختومًا. فتحه سليم أمام مرآة الحمّام الصغير في الشركة، وأخرج أوراقًا ملوّنة: أربعة آلاف ومئة وخمسون جنيهًا. بعد الخصومات.وقف يحدّق فيها كمن يتأمل خريطة لبلد لا يعرفه. المبلغ نفسه، تقريبًا، كان إكرامية لنادل على اليخت. ثم تذكّر أنه حين أعطى ذلك النادل نقوده لم يسأله عن اسمه، وها هو الآن يعدّ كل ورقة كأنها لقاء بين صديقين.وقبل أن ينصرف اقترب ياسر وطلب أن يستلف مئتي جنيه حتى آخر الأسبوع. تردّد سليم، فالمئتان ثمن غداء أسبوع، لكنه تذكّر حاتم وكلمة «الظروف»، فمدّ يده بالمبلغ دون سؤال. وردّه ياسر يوم الخميس فعلًا.في المساء جلس على سريره الحديدي بالآلة الحاسبة وورقة وقلم. كتب: الإيجار، ألفان ومئتان. المواصلات، ستمئة. الطعام، ألف. بقي ثلاثمئة وخمسون. هتف بصوت مسموع: «ثلاثمئة وخمسون جنيهًا لكل شيء آخر في الحياة». ضحك حتى دمعت عيناه، ثم صمت.طرق حمزة الباب في تلك اللحظة، وهو يحمل رغيفًا ساخنًا.— أمي أرسلت لك هذا. تقول إنك نحيف.— قل لها شكرًا. وتعال، أريد أن أسألك سؤالًا. كم ثمن علبة العصير في المحل المجاور؟— ستة جنيهات.— وطبق الكشري؟— خمسة عشر.—

  • حين نفد المال   درج السطح

    في صباح الاثنين جمع عادل الموظفين حول الطاولة الطويلة في غرفة الاجتماعات الضيقة، ووضع أمامه ملفًّا رمادي الغلاف. كان سليم قد أمضى ليلتين يُعدّ أول عرض سعر في حياته لمدرسة خاصة تريد تجهيز خمسة فصول، وقد طبعه بأناقة وأضاف إليه ألوانًا ورسومًا، ظنًّا أن الحماسة تعوّض الخبرة. وكانت مريم قد عرضت أن تراجعه قبل الإرسال، فرفض بابتسامة متعالية: «أنا أعرف كيف أكتب».— هذا عرض سليم، قال عادل ببرود، وبدأ يقرأ.— «نقدم لكم أفضل أثاث في السوق بأسعار لا تُقارن». هذه ليست جملة عرض، بل لافتة سيرك. ثم... مجموع البنود: مئة وثمانون ألفًا. والمجموع الصحيح مئتان وعشرة. هل عاد الحساب إلى الصفر في المدرسة التي تعلمتَ فيها؟— وفي الصفحة الثالثة وصفتَ الكرسي بأنه «جلد طبيعي»، بينما الورقة التقنية تقول «جلد صناعي». أتريدنا أن ندخل السجن بتهمة الغش؟ضحك ياسر، الموظف الثرثار، ثم كتم ضحكته بكفّه. أحسّ سليم بسخونة تصعد من عنقه إلى أذنيه.— وهنا، تابع عادل، منحتَ العميل خصمًا بنسبة عشرة في المئة دون موافقة أحد. هل تظن أن لديك صلاحية؟— أردتُ أن أضمن الصفقة.— أردتَ أن تضمن عمولتك. وإن أرسلنا هذا العرض كما هو، فسنخسر

  • حين نفد المال   الصندوق الأزرق

    في اليوم الثالث وصل سليم إلى الشركة في التاسعة إلا خمس دقائق، لاهثًا، وقميصه ملتصق بظهره. كانت الحافلة قد تعطّلت في منتصف الطريق، فنزل يركض نصف ساعة تحت الشمس، وهو يتذكر أن سيارته الحمراء كانت تقطع المسافة نفسها في سبع دقائق.وقف عادل عند الباب وساعة يده مرفوعة.— الثامنة والنصف، قلتُ.— الحافلة عطلت...— ولو عطّلت طائرة، فالمطلوب أن تخرج قبلها بساعة. ستخصم عني ساعة اليوم، وأي تأخير آخر سأجمعها في ورقة.— لكنني...— لكنك؟مرّت لحظة بدا فيها أن سليم سيفعل ما تعوّد عليه: أن يرفع صوته ويتهم الحافلات والطرق والحكومة. غير أن عينيه وقعتا على مريم من وراء المكتب، تتابع المشهد بحياد، ولا تُظهر شفقة. ابتلع الكلمة وقال: «حاضر».كانت الجملة الأولى التي قالها لرئيس في حياته.في الظهيرة جاءه الحاج جمال، أمين المخزن، بكوب شاي، وجلس إلى جواره على صندوق مقلوب.— لا تحمّل الأستاذ عادل أكثر مما يحتمل. أكلنا معه الخبز والمرارة منذ عشرين سنة. يصرخ ثم ينسى.— لم أطلب منه شيئًا.— لكنك تظن أن الدنيا تدين لك بالاعتذار، وهي لا تدين لأحد بشيء. هيا، ساعدني في رفع هذا الصندوق.وفي الأسبوع التالي ارتكب الخطأ الذ

  • حين نفد المال   العودة من الباب الخلفي

    مرّت عشرة أيام. أُغلقت في وجهه أبواب أخرى بوسائل متنوعة: صمت، وبريد إلكتروني آلي، ومدير شاب سأله بسخرية: «هل جرّبتَ العمل في شركة والدك؟». أحصى سليم ما بقي في جيبه: ثلاثة وستون ألفًا، تتناقص كلما ركب حافلة أو اشترى رغيفًا، وصار الشهر القادم يقترب منه كجدار.في اليوم الحادي عشر، استيقظ مع الفجر، وغسل وجهه بماء بارد، وارتدى القميص الوحيد الذي لا تعلوه تجاعيد. قطع الطريق إلى وسط البلد بالحافلة، واقفًا بين أجساد متلاصقة، يتشبث بقضيب معدني دافئ بعرق الآخرين. لمس أحدهم محفظته بيده بالخطأ، فانتفض كمن يحمل كنزًا. وكانت المرة الأولى التي يشمّ فيها رائحة الخبز الساخن من فرن الحيّ في السادسة صباحًا، ويرى بائع الجرائد يرتّب عناوين لا تعنيه أكثر من حجارة الرصيف.وصل إلى «المدى» في السابعة والنصف، قبل أن يفتح أحد الباب. جلس على درج العمارة ينتظر. كان الهواء باردًا، وكان يسمع ارتطام أبواب المحال وهي تُرفع، فتذكّر أنه لم يسمع هذا الصوت قط وهو مستيقظ. ثم وصلت مريم بعد الثامنة بدقائق، وتوقفت أمامه وهي تضع المفتاح في القفل.— جئتَ باكرًا.— أريد مقابلة الأستاذ عادل.— أخبرتك أنه ليس عنده شاغر.— لا أطلب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status