LOGIN
استيقظ سليم المنشاوي على رنين هاتفه الملحّ، فمدّ ذراعه من تحت الغطاء الحريري وأخمد الجهاز دون أن يلقي نظرة على الشاشة. كانت الساعة قد جاوزت الواحدة ظهرًا، وستائر غرفته الثقيلة تحبس النهار في الخارج كما تحبس كل ما لا يروق له.
نزل الدرج الرخامي حافيًا، فتلقّته رائحة البنّ المحمّص وصوت أم حمدي، المرأة التي ربّته بعد رحيل أمه، وهي ترتّب الأطباق على المائدة الطويلة. — الأستاذ فؤاد ينتظرك في الشرفة منذ التاسعة يا سليم بك. — ينتظرني؟ لا أذكر أنني وعدته بشيء. — لم يطلب إيقاظك. جلس وحده يقرأ أوراقه، ثم أوصاني ألّا أزعجك. تنهّد سليم، وتناول كوب العصير، وخرج إلى الشرفة المطلّة على الحديقة. كان فؤاد المنشاوي جالسًا بظهر منتصب، وقد فرش أمامه ملفات زرقاء، وفي عينيه ذلك الهدوء المرهَق الذي يسبق العواصف. — صباح الخير يا أبي. أو مساؤه، بحسب ما يرى المرء. — المساء أنسب. اجلس. — هل ينتظرني ما أخشاه؟ — ينتظرك مقعد شاغر في اجتماع مجلس الإدارة غدًا في العاشرة. منذ ثلاثة أشهر وأنا أترك الكرسي خاليًا، والأعضاء بدؤوا يسألون عن صاحبه. ضحك سليم ضحكة قصيرة، وتمدّد على المقعد. — العاشرة صباحًا؟ يا أبي، لا يستعيد عقلي وظائفه قبل الثانية عشرة. ثم ماذا سأفعل هناك؟ أُنصت إلى رجال يتجادلون حول جداول لا تعنيني؟ — ستتعلّم كيف تُصنع الأموال التي تنفقها. — الأموال موجودة، والشركة تعمل منذ ثلاثين عامًا من دوني، وستعمل ثلاثين أخرى. هل ستتوقف الأبراج عن الارتفاع لأنني نمت؟ أغلق فؤاد الملف ببطء. — لا أطلب منك أن تحمل الشركة، بل أن تحمل نفسك. ساعتان في اليوم، لا أكثر. — ساعتان اليوم، ثم أربع غدًا، ثم أجد نفسي مقيّدًا إلى مكتب كما قيّدتَ نفسك. لا أريد حياتك يا أبي؛ فهي لم تمنحك سوى ضغط الدم والسكّري. مرّ ظلّ وجع على وجه الأب، ثم تماسك. — وهذه الحياة التي تريدها، من يسدّد فواتيرها؟ — أنت. ولهذا وُجدت الشركات، أليس كذلك؟ صمت فؤاد، ونهض متّكئًا على حافة الطاولة أكثر مما ينبغي، وجمع ملفاته. — غدًا في العاشرة. سأُبقي لك الكرسي. لم يكد يبلغ الباب حتى كان سليم قد التقط هاتفه ليتصل بعمر. وقفت أم حمدي عند باب المطبخ تعصر طرف مئزرها. — لو رأيتَ وجهه حين صعد إلى سيارته أمس، يا سليم بك... يخرج قبل الفجر ويعود بعد العشاء، وما عاد يأكل إلا ما أُجبره عليه. — أبي يحب أن يتألم ليشعر بأنه مهم، قال دون أن يرفع عينيه عن الشاشة. ضعي لي الإفطار في الحديقة. عند الخامسة مرّ على المرآب الواسع، حيث تصطفّ خمس سيارات تلمع تحت الإضاءة البيضاء. اختار الرياضية الحمراء، فتقدّم السائق العجوز عم حسين وفي يده أوراق مطوية. — مخالفات المرور يا سليم بك. بلغت الشهر الماضي ثلاثًا وأربعين مخالفة، وإدارة الترخيص أرسلت إنذارًا بسحب الرخصة. — سلّمها لمكتب أبي. هو يعرف كيف يُصرِّفها. — الأستاذ فؤاد سدّد الأسبوع الماضي ما قيمته مئة ألف جنيه، وقال لي بالحرف: لا تُخبر سليم. توقف سليم لحظة، وارتسمت على وجهه دهشة عابرة، ثم هزّ رأسه. — إذن لا تخبره أنت أيضًا أنني عرفت. أدار المحرك فارتجّ المرآب بزئيره، وانطلق من البوابة بسرعة جعلت الحارس يقفز جانبًا. ولم يخطر له أن عبارة «لا تُخبر سليم» انحشرت في ذهنه كشوكة صغيرة، سيدوس عليها يومًا وهو حافي القدمين. في الحادية عشرة ليلًا كان اليخت الأبيض يتأرجح أمام مرسى المارينا، وموسيقى صاخبة تتسلّق درجاته. جلس سليم على أريكة جلدية وسط ستة أصدقاء، وقد اصطفّت أمامه زجاجات لا يعرف نصف أسمائها. وإلى جواره تمدّد عمر السيّد، رفيقه منذ الطفولة، يدخّن بتكاسل ويراقب الجميع بعينين صغيرتين لا تُفلتان فرصة. — سمعتُ أن أباك حجز لك مقعدًا في مجلس الإدارة. — حجز لي مقعدًا، وأعدّ لي خطبة عصماء. سأنام عنهما معًا. دوّت الضحكات، ورفع أحدهم كأسه تحيةً له. وحين اقترب النادل بالفاتورة، سحب سليم بطاقة سوداء من جيبه ومدّها دون أن يرفع بصره، ثم أضاف إكرامية تعادل راتب شهر كامل. — ما اسمك يا فتى؟ سأله أحد الأصدقاء مازحًا. لم يُجب سليم؛ كان غارقًا في شاشة هاتفه. انحنى النادل شاكرًا وانصرف، وقد التمعت في عينيه خيبة صغيرة لم يلحظها أحد. مال عمر على أذنه: — أتعرف ما يميّزك؟ أنت الوحيد الذي يدفع ليُحَبّ، ثم يحسب أن الحب هو ما اشتراه. — وأنت الوحيد الذي يقبض ثمن حكمته ولا يخجل. — أقبض لأنني صادق. ضحك سليم، لكن الضحكة غادرته أسرع من عادتها. رنّ هاتفه: «الأستاذ جلال، مدير الشؤون المالية». ضغط على زرّ الرفض، فعاد الاسم يلحّ مرة ثانية، ثم ثالثة. أجاب أخيرًا بنبرة متثاقلة، فجاءه صوت الرجل متحفّظًا: — عفوًا على الإزعاج يا سليم بك. الاجتماع غدًا في العاشرة، والوالد سأل عنك مرتين قبل أن يخلد إلى النوم. — أبلغ الوالد تحياتي، وقل له إن النوم عندي أيضًا من واجبات الحياة. أغلق الخط، ثم أطفأ الهاتف بأكمله، ودسّه في جيبه، وصبّ لنفسه كأسًا أخرى. ارتفعت الموسيقى، وتمايل اليخت، وغاب عن باله أن في الفيلا البعيدة رجلًا عجوزًا يجلس في الظلام أمام باب غرفة ابنه، منتظرًا خطوات لن تأتي قبل الفجر.بعد أسابيع من الاعتراف بدأ المناخ في الشركة يتغير. لم يعد ياسر يتبادل معه نظرات التسلية، بل صار يسأله عن رأيه في عروض الأسعار. وأخذت الحاجة سعاد تضع له كل صباح قطعة حلوى على المكتب دون أن تقول شيئًا. وكان سليم يتعلم كل يوم شيئًا جديدًا: كيف يعدّ الأسعار بالقلم، وكيف يعتذر لعميل غاضب، وكيف يقف أمام آلة الطباعة ليعيد ورقة علقت فيها. وفي المساء، حين يعود إلى سطحه، كان يجد حمزة ينتظره بأسئلة عن البيع والشراء، فيجيبه بما تعلّم، وكأن كل جملة يقولها تثبّت قدمه على الأرض. وكان قد بدأ يحمل إلى أبيه كل جمعة برتقالًا جديدًا، وإلى أم حمدي كيس حلوى، وإلى ذاكرته قائمة صغيرة بأسماء من أخطأ في حقهم، يتصدرها اسم واحد: مصطفى. ولم يكن يعلم أن القائمة ستُفتح قبل أوانها.كان قد بلغ ثلاثة أشهر في عمله. وفي صباح خريفي بارد، وهو يحمل صندوقًا إلى المخزن، سمع ياسر يتحدث في الهاتف بصوت مرتفع ومندهش:— أرسل لي الرابط. نعم، الآن. الله! هل هذا هو؟لم يفكر سليم في الأمر، ومضى. لكن حين عاد بعد نصف ساعة وجد غرفة الموظفين صامتة على غير عادتها. كان ياسر يقف بجوار الحاجة سعاد، وكلاهما يحدّق في شاشة هاتف صغير. وحين لمحاه
أغلق سليم أول صفقة بعد شهرين. لم تكن عملاقة، لكنها بدت له كأنها أعظم مشروع قاده: مدرسة خاصة اسمها «النور الحديثة» اشترت منه عشرين طاولة وعشرين كرسيًا. عمولته بلغت ستمئة جنيه، فأنفقها كلها على غداء جماعي لزملائه، وأحسّ بفخر لا يعرف له مثيلًا. ولاحظ أنه كلما أصغى إلى مدير المدرسة أكثر، قلّ ما احتاج إلى قوله. ورفع ياسر كأس الشاي وقال: «على أول صفقة، وعلى أن الكراسي التي يبيعها أريح من وجهه». ضحك الجميع، وضحك سليم أكثر منهم، وقد شعر لأول مرة بأن الضحك يمكن أن يُقاسَم دون أن يُشترى.ورفع ياسر كأس الشاي قائلًا: «هذا أول مندوب يدفع غداء الجميع من أول عمولة، سيدخل التاريخ!». ضحك الجميع، حتى عادل ابتسم تحت شاربه.شجّعه ذلك، فبدأ يطارد صفقة أكبر. جاء عميل اسمه الأستاذ حامد، مدير مدرسة أخرى، وطلب ستين مكتبًا للمعلمين وأربعين خزانة. قال إن المدرسة تفتتح فرعًا جديدًا بعد أسبوعين، وإن عليه أن يختار الشركة الأقدر على التسليم قبل ذلك.— نسلّم خلال عشرة أيام، قال سليم دون تردد.— هل أنت واثق؟ الشركات الأخرى تقول ثلاثة أسابيع.— أنا واثق.مسح الأستاذ حامد نظارته ببطء، وأضاف:— وإن تأخرتَ يومًا واحدًا،
في آخر الشهر وضع المحاسب أمامه ظرفًا أبيض مختومًا. فتحه سليم أمام مرآة الحمّام الصغير في الشركة، وأخرج أوراقًا ملوّنة: أربعة آلاف ومئة وخمسون جنيهًا. بعد الخصومات.وقف يحدّق فيها كمن يتأمل خريطة لبلد لا يعرفه. المبلغ نفسه، تقريبًا، كان إكرامية لنادل على اليخت. ثم تذكّر أنه حين أعطى ذلك النادل نقوده لم يسأله عن اسمه، وها هو الآن يعدّ كل ورقة كأنها لقاء بين صديقين.وقبل أن ينصرف اقترب ياسر وطلب أن يستلف مئتي جنيه حتى آخر الأسبوع. تردّد سليم، فالمئتان ثمن غداء أسبوع، لكنه تذكّر حاتم وكلمة «الظروف»، فمدّ يده بالمبلغ دون سؤال. وردّه ياسر يوم الخميس فعلًا.في المساء جلس على سريره الحديدي بالآلة الحاسبة وورقة وقلم. كتب: الإيجار، ألفان ومئتان. المواصلات، ستمئة. الطعام، ألف. بقي ثلاثمئة وخمسون. هتف بصوت مسموع: «ثلاثمئة وخمسون جنيهًا لكل شيء آخر في الحياة». ضحك حتى دمعت عيناه، ثم صمت.طرق حمزة الباب في تلك اللحظة، وهو يحمل رغيفًا ساخنًا.— أمي أرسلت لك هذا. تقول إنك نحيف.— قل لها شكرًا. وتعال، أريد أن أسألك سؤالًا. كم ثمن علبة العصير في المحل المجاور؟— ستة جنيهات.— وطبق الكشري؟— خمسة عشر.—
في صباح الاثنين جمع عادل الموظفين حول الطاولة الطويلة في غرفة الاجتماعات الضيقة، ووضع أمامه ملفًّا رمادي الغلاف. كان سليم قد أمضى ليلتين يُعدّ أول عرض سعر في حياته لمدرسة خاصة تريد تجهيز خمسة فصول، وقد طبعه بأناقة وأضاف إليه ألوانًا ورسومًا، ظنًّا أن الحماسة تعوّض الخبرة. وكانت مريم قد عرضت أن تراجعه قبل الإرسال، فرفض بابتسامة متعالية: «أنا أعرف كيف أكتب».— هذا عرض سليم، قال عادل ببرود، وبدأ يقرأ.— «نقدم لكم أفضل أثاث في السوق بأسعار لا تُقارن». هذه ليست جملة عرض، بل لافتة سيرك. ثم... مجموع البنود: مئة وثمانون ألفًا. والمجموع الصحيح مئتان وعشرة. هل عاد الحساب إلى الصفر في المدرسة التي تعلمتَ فيها؟— وفي الصفحة الثالثة وصفتَ الكرسي بأنه «جلد طبيعي»، بينما الورقة التقنية تقول «جلد صناعي». أتريدنا أن ندخل السجن بتهمة الغش؟ضحك ياسر، الموظف الثرثار، ثم كتم ضحكته بكفّه. أحسّ سليم بسخونة تصعد من عنقه إلى أذنيه.— وهنا، تابع عادل، منحتَ العميل خصمًا بنسبة عشرة في المئة دون موافقة أحد. هل تظن أن لديك صلاحية؟— أردتُ أن أضمن الصفقة.— أردتَ أن تضمن عمولتك. وإن أرسلنا هذا العرض كما هو، فسنخسر
في اليوم الثالث وصل سليم إلى الشركة في التاسعة إلا خمس دقائق، لاهثًا، وقميصه ملتصق بظهره. كانت الحافلة قد تعطّلت في منتصف الطريق، فنزل يركض نصف ساعة تحت الشمس، وهو يتذكر أن سيارته الحمراء كانت تقطع المسافة نفسها في سبع دقائق.وقف عادل عند الباب وساعة يده مرفوعة.— الثامنة والنصف، قلتُ.— الحافلة عطلت...— ولو عطّلت طائرة، فالمطلوب أن تخرج قبلها بساعة. ستخصم عني ساعة اليوم، وأي تأخير آخر سأجمعها في ورقة.— لكنني...— لكنك؟مرّت لحظة بدا فيها أن سليم سيفعل ما تعوّد عليه: أن يرفع صوته ويتهم الحافلات والطرق والحكومة. غير أن عينيه وقعتا على مريم من وراء المكتب، تتابع المشهد بحياد، ولا تُظهر شفقة. ابتلع الكلمة وقال: «حاضر».كانت الجملة الأولى التي قالها لرئيس في حياته.في الظهيرة جاءه الحاج جمال، أمين المخزن، بكوب شاي، وجلس إلى جواره على صندوق مقلوب.— لا تحمّل الأستاذ عادل أكثر مما يحتمل. أكلنا معه الخبز والمرارة منذ عشرين سنة. يصرخ ثم ينسى.— لم أطلب منه شيئًا.— لكنك تظن أن الدنيا تدين لك بالاعتذار، وهي لا تدين لأحد بشيء. هيا، ساعدني في رفع هذا الصندوق.وفي الأسبوع التالي ارتكب الخطأ الذ
مرّت عشرة أيام. أُغلقت في وجهه أبواب أخرى بوسائل متنوعة: صمت، وبريد إلكتروني آلي، ومدير شاب سأله بسخرية: «هل جرّبتَ العمل في شركة والدك؟». أحصى سليم ما بقي في جيبه: ثلاثة وستون ألفًا، تتناقص كلما ركب حافلة أو اشترى رغيفًا، وصار الشهر القادم يقترب منه كجدار.في اليوم الحادي عشر، استيقظ مع الفجر، وغسل وجهه بماء بارد، وارتدى القميص الوحيد الذي لا تعلوه تجاعيد. قطع الطريق إلى وسط البلد بالحافلة، واقفًا بين أجساد متلاصقة، يتشبث بقضيب معدني دافئ بعرق الآخرين. لمس أحدهم محفظته بيده بالخطأ، فانتفض كمن يحمل كنزًا. وكانت المرة الأولى التي يشمّ فيها رائحة الخبز الساخن من فرن الحيّ في السادسة صباحًا، ويرى بائع الجرائد يرتّب عناوين لا تعنيه أكثر من حجارة الرصيف.وصل إلى «المدى» في السابعة والنصف، قبل أن يفتح أحد الباب. جلس على درج العمارة ينتظر. كان الهواء باردًا، وكان يسمع ارتطام أبواب المحال وهي تُرفع، فتذكّر أنه لم يسمع هذا الصوت قط وهو مستيقظ. ثم وصلت مريم بعد الثامنة بدقائق، وتوقفت أمامه وهي تضع المفتاح في القفل.— جئتَ باكرًا.— أريد مقابلة الأستاذ عادل.— أخبرتك أنه ليس عنده شاغر.— لا أطلب







