LOGINاكتظّت قاعة الفندق الكبرى بالمدعوّين: رجال أعمال بأوسمة من العطور الغالية، وسيدات يتلألأن تحت الثريات البلّورية، وموظفون قدامى بدت بدلاتهم المكويّة بعناية وكأنها أُخرجت من خزائن لا تُفتح إلا في المناسبات. وقف فؤاد قرب المنصّة يصافح الضيوف، وعيناه لا تفارقان الباب.
دقّت الساعة الثامنة، ثم الثامنة والنصف، ثم التاسعة إلَّا ربعًا. دخل سليم أخيرًا بصحبة عمر، مرتديًا سترة كريمية اللون صُنعت خصيصًا له في ميلانو، وعلى وجهه ابتسامة من لا يشعر بذنب. اخترق القاعة كما تخترق السفينة موجًا هادئًا، يوزّع التحية يمنة ويسرة دون أن يتوقف. — متأخر ساعة إلّا ربعًا، همس فؤاد حين وصل إليه. — الطريق كان مزدحمًا. ثم إنك لم تبدأ الخطاب بعد، فلم أفوّت شيئًا. اقترب الدكتور كمال متّكئًا على عصاه، ونظر إلى السترة بتمعّن من يقيّم لوحة. — سترة جميلة يا بنيّ. لا بد أنها كلّفتك الكثير. — ستة وثمانون ألفًا. لا أقبل بغير الحياكة اليدوية. — ستة وثمانون ألفًا... كان هذا أجر موظف عندنا ثلاث سنوات حين أسسنا الشركة. كنا نحسب كل قرش ونحن نشتري مسامير البناء. — لحسن حظي أنني ولدتُ بعد انتهاء عصر المسامير. ابتسم العجوز ابتسامة قصيرة بلا دفء، وتمتم وهو يبتعد: «سنرى كم سيصمد عصرك». كان عم مصطفى يعمل في الشركة منذ ثمانية وعشرين عامًا. ساعي مكاتب بدأ حياته ينقل الأوراق بين الطوابق، ثم صار يعرف مواضع الملفات القديمة أفضل من أمناء الأرشيف. في تلك الليلة كان مدعوًّا ضمن المكرَّمين، لكنه أصرّ على أن يتولى بنفسه توزيع العصير على الضيوف، فهو لا يحتمل الجلوس وسط الكبار. وقد أعدّت له زوجته بدلة رمادية اشترتها بالتقسيط على ستة أشهر، وظلّ يتدرّب منذ أسبوع على كلمة الشكر التي سيلقيها: ثلاث جمل لا أكثر، يبدؤها بحمد الله وينهيها بالدعاء لصاحب الشركة. حمل صينية عليها كؤوس البرتقال، وشقّ طريقه بين الحشد بخطوات حذرة. وعند المنصّة، اصطدمت به سيدة تتراجع إلى الخلف وهي تضحك، فاهتزّت الصينية، وانسكب كأس كامل على صدر السترة الكريمية. ساد صمت مباغت. انحبست الأنفاس، وتجمّدت الابتسامات على الوجوه. انطلق وميض كاميرا من مصوّر الحفل، ثم اختنق فجأة حين خفض يده خجلًا، وارتفع همس من الموائد: «هذا ابن فؤاد بك؟» و«ما الذي علّموه إياه في تلك المدارس الغالية؟». نظر سليم إلى البقعة البرتقالية الكبيرة التي تمتدّ على القماش الثمين، ثم رفع عينيه إلى الرجل الأشيب أمامه. لم يكن ما انفجر فيه غضبًا، بل شيئًا أقدم وأسوأ: متعة التسلّط حين يجد جمهورًا. — أنت! هل تعرف كم تساوي هذه السترة؟ — أعتذر يا سليم بك، لم أقصد... السيدة هي التي... — أتعرف؟ تساوي أجر عام كامل من أعوامك الثمانية والعشرين. عام كامل لتنظّف خطأ لحظة. — سأدفع ثمن التنظيف، والله ما قصدتُ. أمسك عم مصطفى بمنديل قماشي من جيبه ومدّ يده المرتجفة نحو السترة، لكن سليم أبعدها بحركة مقزّزة. حاول عمر أن يمسك بذراعه وهمس: «يكفي يا سليم، الناس تنظر». لكن اليد نُفضت عنه كما تُنفض ذبابة. وكانت الموسيقى الهادئة قد توقفت وحدها، كأن العازفين أدركوا أن النغم لا يليق بما يجري. — لا تلمسني. اركع وامسح حذائي، فقد وصلتني منه قطرات أيضًا. ربما تتعلم هكذا أن للأثاث أماكن وللخدم أماكن. شهقت إحدى السيدات. تراجع عمر خطوة، وقد اختفت ابتسامته الساخرة. أما عم مصطفى فتسمّر مكانه، وارتعشت شفته السفلى كطفل يوشك على البكاء ويرفض ذلك. تسلّلت عيناه نحو طرف القاعة حيث وقف فتى في السابعة عشرة بقميص أبيض ونظّارة طبية، يُمسك بيد أمّه، ويحدّق في أبيه. كان الفتى ابنه يوسف. وقد جاء ليرى أباه يُكرَّم. وإلى جواره وضعت الأم كفّها على فمها، وارتجف طرف وشاحها المطرّز الذي اشترته خصيصًا لهذه الليلة. ببطء، انحنى الساعي. ركبته اليمنى لامست الأرض الرخامية، وانحنى المنديل في يده نحو طرف حذاء سليم الأسود اللامع. لكنه توقّف على بعد شبر، وظلّ هناك، جاثيًا في منتصف القاعة، لا يتحرك. — هيا، أسرع، قال سليم بنفاد صبر، وقد بدأ يشعر لأول مرة بأن الصمت من حوله لا يعني الإعجاب. — يكفي، دوّى صوت من خلفه. كانت منى الرفاعي، تقف بكفّين مشبوكتين وعينين صارمتين. — يكفي يا سليم. هذا الرجل حمل أوراق والدك على كتفيه قبل أن تتعلّم أنت المشي. وما فعلتَه ليس رجولة، بل فقر في الأخلاق مهما كثرت الأصفار في جيبك. قف يا عم مصطفى. لم ينهض الرجل. حدّق في الأرض، وانفلتت من عينه دمعة واحدة سقطت على الرخام. ثم رفع رأسه ونظر إلى سليم مباشرة، نظرة ليس فيها غضب ولا استعطاف، بل شيء يشبه الأسف على شاب ظنّ نفسه عظيمًا. سمع سليم تململ الحضور، فأطلق ضحكة عالية مصطنعة، ورفع ذراعيه: — يا جماعة، نكتة! اعتبروها نكتة. من يطلب كأس عصير آخر؟ لم يضحك أحد. أخذ الفتى يوسف يشقّ طريقه عبر الجمع نحو أبيه، وقد احمرّ وجهه تحت النظارة، بينما اندفع فؤاد من خلف المنصّة بخطى لاهثة، وقد شحب وجهه إلى لون الشمع، وإحدى يديه تضغط على صدره.بعد أسابيع من الاعتراف بدأ المناخ في الشركة يتغير. لم يعد ياسر يتبادل معه نظرات التسلية، بل صار يسأله عن رأيه في عروض الأسعار. وأخذت الحاجة سعاد تضع له كل صباح قطعة حلوى على المكتب دون أن تقول شيئًا. وكان سليم يتعلم كل يوم شيئًا جديدًا: كيف يعدّ الأسعار بالقلم، وكيف يعتذر لعميل غاضب، وكيف يقف أمام آلة الطباعة ليعيد ورقة علقت فيها. وفي المساء، حين يعود إلى سطحه، كان يجد حمزة ينتظره بأسئلة عن البيع والشراء، فيجيبه بما تعلّم، وكأن كل جملة يقولها تثبّت قدمه على الأرض. وكان قد بدأ يحمل إلى أبيه كل جمعة برتقالًا جديدًا، وإلى أم حمدي كيس حلوى، وإلى ذاكرته قائمة صغيرة بأسماء من أخطأ في حقهم، يتصدرها اسم واحد: مصطفى. ولم يكن يعلم أن القائمة ستُفتح قبل أوانها.كان قد بلغ ثلاثة أشهر في عمله. وفي صباح خريفي بارد، وهو يحمل صندوقًا إلى المخزن، سمع ياسر يتحدث في الهاتف بصوت مرتفع ومندهش:— أرسل لي الرابط. نعم، الآن. الله! هل هذا هو؟لم يفكر سليم في الأمر، ومضى. لكن حين عاد بعد نصف ساعة وجد غرفة الموظفين صامتة على غير عادتها. كان ياسر يقف بجوار الحاجة سعاد، وكلاهما يحدّق في شاشة هاتف صغير. وحين لمحاه
أغلق سليم أول صفقة بعد شهرين. لم تكن عملاقة، لكنها بدت له كأنها أعظم مشروع قاده: مدرسة خاصة اسمها «النور الحديثة» اشترت منه عشرين طاولة وعشرين كرسيًا. عمولته بلغت ستمئة جنيه، فأنفقها كلها على غداء جماعي لزملائه، وأحسّ بفخر لا يعرف له مثيلًا. ولاحظ أنه كلما أصغى إلى مدير المدرسة أكثر، قلّ ما احتاج إلى قوله. ورفع ياسر كأس الشاي وقال: «على أول صفقة، وعلى أن الكراسي التي يبيعها أريح من وجهه». ضحك الجميع، وضحك سليم أكثر منهم، وقد شعر لأول مرة بأن الضحك يمكن أن يُقاسَم دون أن يُشترى.ورفع ياسر كأس الشاي قائلًا: «هذا أول مندوب يدفع غداء الجميع من أول عمولة، سيدخل التاريخ!». ضحك الجميع، حتى عادل ابتسم تحت شاربه.شجّعه ذلك، فبدأ يطارد صفقة أكبر. جاء عميل اسمه الأستاذ حامد، مدير مدرسة أخرى، وطلب ستين مكتبًا للمعلمين وأربعين خزانة. قال إن المدرسة تفتتح فرعًا جديدًا بعد أسبوعين، وإن عليه أن يختار الشركة الأقدر على التسليم قبل ذلك.— نسلّم خلال عشرة أيام، قال سليم دون تردد.— هل أنت واثق؟ الشركات الأخرى تقول ثلاثة أسابيع.— أنا واثق.مسح الأستاذ حامد نظارته ببطء، وأضاف:— وإن تأخرتَ يومًا واحدًا،
في آخر الشهر وضع المحاسب أمامه ظرفًا أبيض مختومًا. فتحه سليم أمام مرآة الحمّام الصغير في الشركة، وأخرج أوراقًا ملوّنة: أربعة آلاف ومئة وخمسون جنيهًا. بعد الخصومات.وقف يحدّق فيها كمن يتأمل خريطة لبلد لا يعرفه. المبلغ نفسه، تقريبًا، كان إكرامية لنادل على اليخت. ثم تذكّر أنه حين أعطى ذلك النادل نقوده لم يسأله عن اسمه، وها هو الآن يعدّ كل ورقة كأنها لقاء بين صديقين.وقبل أن ينصرف اقترب ياسر وطلب أن يستلف مئتي جنيه حتى آخر الأسبوع. تردّد سليم، فالمئتان ثمن غداء أسبوع، لكنه تذكّر حاتم وكلمة «الظروف»، فمدّ يده بالمبلغ دون سؤال. وردّه ياسر يوم الخميس فعلًا.في المساء جلس على سريره الحديدي بالآلة الحاسبة وورقة وقلم. كتب: الإيجار، ألفان ومئتان. المواصلات، ستمئة. الطعام، ألف. بقي ثلاثمئة وخمسون. هتف بصوت مسموع: «ثلاثمئة وخمسون جنيهًا لكل شيء آخر في الحياة». ضحك حتى دمعت عيناه، ثم صمت.طرق حمزة الباب في تلك اللحظة، وهو يحمل رغيفًا ساخنًا.— أمي أرسلت لك هذا. تقول إنك نحيف.— قل لها شكرًا. وتعال، أريد أن أسألك سؤالًا. كم ثمن علبة العصير في المحل المجاور؟— ستة جنيهات.— وطبق الكشري؟— خمسة عشر.—
في صباح الاثنين جمع عادل الموظفين حول الطاولة الطويلة في غرفة الاجتماعات الضيقة، ووضع أمامه ملفًّا رمادي الغلاف. كان سليم قد أمضى ليلتين يُعدّ أول عرض سعر في حياته لمدرسة خاصة تريد تجهيز خمسة فصول، وقد طبعه بأناقة وأضاف إليه ألوانًا ورسومًا، ظنًّا أن الحماسة تعوّض الخبرة. وكانت مريم قد عرضت أن تراجعه قبل الإرسال، فرفض بابتسامة متعالية: «أنا أعرف كيف أكتب».— هذا عرض سليم، قال عادل ببرود، وبدأ يقرأ.— «نقدم لكم أفضل أثاث في السوق بأسعار لا تُقارن». هذه ليست جملة عرض، بل لافتة سيرك. ثم... مجموع البنود: مئة وثمانون ألفًا. والمجموع الصحيح مئتان وعشرة. هل عاد الحساب إلى الصفر في المدرسة التي تعلمتَ فيها؟— وفي الصفحة الثالثة وصفتَ الكرسي بأنه «جلد طبيعي»، بينما الورقة التقنية تقول «جلد صناعي». أتريدنا أن ندخل السجن بتهمة الغش؟ضحك ياسر، الموظف الثرثار، ثم كتم ضحكته بكفّه. أحسّ سليم بسخونة تصعد من عنقه إلى أذنيه.— وهنا، تابع عادل، منحتَ العميل خصمًا بنسبة عشرة في المئة دون موافقة أحد. هل تظن أن لديك صلاحية؟— أردتُ أن أضمن الصفقة.— أردتَ أن تضمن عمولتك. وإن أرسلنا هذا العرض كما هو، فسنخسر
في اليوم الثالث وصل سليم إلى الشركة في التاسعة إلا خمس دقائق، لاهثًا، وقميصه ملتصق بظهره. كانت الحافلة قد تعطّلت في منتصف الطريق، فنزل يركض نصف ساعة تحت الشمس، وهو يتذكر أن سيارته الحمراء كانت تقطع المسافة نفسها في سبع دقائق.وقف عادل عند الباب وساعة يده مرفوعة.— الثامنة والنصف، قلتُ.— الحافلة عطلت...— ولو عطّلت طائرة، فالمطلوب أن تخرج قبلها بساعة. ستخصم عني ساعة اليوم، وأي تأخير آخر سأجمعها في ورقة.— لكنني...— لكنك؟مرّت لحظة بدا فيها أن سليم سيفعل ما تعوّد عليه: أن يرفع صوته ويتهم الحافلات والطرق والحكومة. غير أن عينيه وقعتا على مريم من وراء المكتب، تتابع المشهد بحياد، ولا تُظهر شفقة. ابتلع الكلمة وقال: «حاضر».كانت الجملة الأولى التي قالها لرئيس في حياته.في الظهيرة جاءه الحاج جمال، أمين المخزن، بكوب شاي، وجلس إلى جواره على صندوق مقلوب.— لا تحمّل الأستاذ عادل أكثر مما يحتمل. أكلنا معه الخبز والمرارة منذ عشرين سنة. يصرخ ثم ينسى.— لم أطلب منه شيئًا.— لكنك تظن أن الدنيا تدين لك بالاعتذار، وهي لا تدين لأحد بشيء. هيا، ساعدني في رفع هذا الصندوق.وفي الأسبوع التالي ارتكب الخطأ الذ
مرّت عشرة أيام. أُغلقت في وجهه أبواب أخرى بوسائل متنوعة: صمت، وبريد إلكتروني آلي، ومدير شاب سأله بسخرية: «هل جرّبتَ العمل في شركة والدك؟». أحصى سليم ما بقي في جيبه: ثلاثة وستون ألفًا، تتناقص كلما ركب حافلة أو اشترى رغيفًا، وصار الشهر القادم يقترب منه كجدار.في اليوم الحادي عشر، استيقظ مع الفجر، وغسل وجهه بماء بارد، وارتدى القميص الوحيد الذي لا تعلوه تجاعيد. قطع الطريق إلى وسط البلد بالحافلة، واقفًا بين أجساد متلاصقة، يتشبث بقضيب معدني دافئ بعرق الآخرين. لمس أحدهم محفظته بيده بالخطأ، فانتفض كمن يحمل كنزًا. وكانت المرة الأولى التي يشمّ فيها رائحة الخبز الساخن من فرن الحيّ في السادسة صباحًا، ويرى بائع الجرائد يرتّب عناوين لا تعنيه أكثر من حجارة الرصيف.وصل إلى «المدى» في السابعة والنصف، قبل أن يفتح أحد الباب. جلس على درج العمارة ينتظر. كان الهواء باردًا، وكان يسمع ارتطام أبواب المحال وهي تُرفع، فتذكّر أنه لم يسمع هذا الصوت قط وهو مستيقظ. ثم وصلت مريم بعد الثامنة بدقائق، وتوقفت أمامه وهي تضع المفتاح في القفل.— جئتَ باكرًا.— أريد مقابلة الأستاذ عادل.— أخبرتك أنه ليس عنده شاغر.— لا أطلب







