Home / الآخر / حين نفد المال / غطاء من ذهب

Share

غطاء من ذهب

Author: roshi121202
last update publish date: 2026-10-28 07:36:09

أمسك فؤاد بذراع عم مصطفى وأنهضه برفق، ثم قاده عبر ممرّ جانبي إلى غرفة صغيرة خلف المطبخ، حيث لا تبلغ الموسيقى ولا العيون. أغلق الباب، وظلّ لحظة يلتقط أنفاسه، وكفّه ما تزال مضغوطة على القلب.

— أنا آسف يا مصطفى. أسفي أكبر من أن تسعه كلمات.

— لا عليك يا أستاذ فؤاد.

— بل عليّ. أنت معي منذ كنتُ أستأجر مكتبًا من غرفتين.

جلس الساعي على مقعد خشبي، يعصر المنديل المبلل بين أصابعه. كان صوته حين خرج هادئًا على نحو موجع:

— أنا لا أبكي من الإهانة. الإهانة تُنسى. أبكي لأن يوسف رأى. أمضيت عمري أقول له إن أباه رجل محترم، وإن الشركة أسرة كبيرة. ثم جاء أول امتحان فرأى بعينيه كيف تكون الأسرة.

أخرج فؤاد من جيبه الداخلي مظروفًا سميكًا، ووضعه على الركبة المرتجفة.

— هذا ليس تعويضًا، وإنما هدية صغيرة. وستحصل على إجازة مدفوعة أسبوعين، وزيادة في الراتب تبدأ من الشهر القادم.

نظر عم مصطفى إلى المظروف، ثم إلى الرجل الواقف أمامه، وأدرك فجأة أن الأمر لن يتوقف عند هذا. سيُغلَق الجرح بأوراق نقدية، وسيعود سليم إلى مكانه، والكل سيتظاهر بأن شيئًا لم يكن.

— أنا لا أطلب شيئًا يا أستاذ. لكنني سآخذ الإجازة لأن ابني يحتاج إليّ. أما المظروف فأعده إليك.

— مصطفى...

— أخشى أنه إن بقي في جيبي، فسأنسى يومًا أنني لم أبع كرامتي مقابله.

— وأنت يا أستاذ فؤاد، كنتَ تقول لنا دائمًا إن الأبناء مرايا آبائهم. فلا تدعها تتكسّر بين يديك.

نهض الساعي، ومسح عينيه بكمّه، وخرج من الباب الخلفي قاصدًا ولده. في الزقاق الخلفي كان يوسف ينتظره مستندًا إلى الحائط، وقد خلع نظارته ومسح عدستيها بطرف قميصه مرارًا دون أن تصفو.

— لماذا لم تضربه يا أبي؟

— لأن اليد التي ترتفع على إنسان لا تعود كما كانت.

— كان يضحك! رأيته بعيني. وأنت جثوتَ على ركبتيك أمامه.

— جثوتُ لأنني لم أشأ معركة تُفقدني عملي وأنت في سنتك الأخيرة بالمدرسة. ليس هذا ضعفًا يا ولدي، بل ثمن، وأنا أدفعه عنك.

ضمّ يوسف قبضتيه حتى ابيضّت مفاصل أصابعه.

— لن أعمل يومًا عند أمثاله. سأدرس الهندسة وأبني شركة تسحق شركته.

— ابنِ شركة تُكرم من يعمل فيها. فالسحق لا يلد إلا سحقًا آخر.

بقي فؤاد وحيدًا في الغرفة الضيقة، والمظروف الذي ردّه الرجل ما يزال بين يديه، أثقل مما كان. استلّ من جيبه قلمًا وبطاقة صغيرة وكتب عليها سطرين بخطّه المائل، ثم دسّ البطاقة بين الأوراق النقدية، وأعاد المظروف إلى الجيب الداخلي لسترته، كمن يحتفظ بدَين لا يريد أن يتخلّص منه.

في الأثناء كان سليم قد استبدل سترته بأخرى أحضرها له أحد المرافقين، وجلس عند طرف البار يتناول شرابه كمن ينجو من حادث سير تافه. جلس عمر إلى جواره وقد ابتلع ريقه.

— هل ترى ما فعلت؟ الكل ينظر إليك كأنك مجرم حرب.

— الكل ينظر إليّ كما ينظرون إلى كل من يملك ما لا يملكون. حسدٌ مغلّف بالمبادئ.

— أنت فقدتَ حسّك. أنا لا أحبّ الفقراء أكثر منك، لكن لا أركّعهم أمام أولادهم.

رفع سليم كتفيه بلامبالاة.

— سيُنسى الأمر قبل الفجر. أبي سيعرف كيف يرضيه، دائمًا يعرف.

ثم ابتسم، فكانت ابتسامته أقبح ما في تلك الليلة.

وصل فؤاد إلى البار بعد دقائق، وقد استعاد مظهره المتماسك. وقف خلف ابنه دون أن يتكلم. ولما التفت سليم رآه فتجهّم قليلًا ثم أرخى ملامحه.

— هل أنهيتَ التعويض؟ ما أيسر الأمر حين يملك المرء المال، أليس كذلك؟

لم يردّ فؤاد. نظر إلى وجه ابنه طويلًا كما ينظر طبيب إلى صورة أشعّة لا يريد أن يقرأها. كان بإمكانه أن يصفعه، أن يصيح، أن يسحبه من ياقته أمام الجميع. غير أن يده، تلك التي عقدت آلاف الصفقات، لم ترتفع.

— عد إلى البيت، قال بصوت خافت. سنتحدث غدًا.

— غدًا أنام، وسنتحدث بعد الظهر. وربما، إن شئت، نعتبر الأمر منتهيًا.

مضى سليم بين الطاولات منتشيًا، وعمر يتبعه بخطى مترددة، وقد لاحظ فؤاد أن ابنه لم ينظر خلفه مرة واحدة.

عند باب القاعة اعترضه جلال الحدّاد.

— رأيتُ المشهد كله. وسمعتُ ما دار بينكما في الغرفة الخلفية.

— إذن فتعرف أنني فعلتُ ما ينبغي.

— فعلتَ ما اعتدتَه. مددتَ بيدك ما يحمي سليم من ثمن فعلته. وكل مرة تفعل ذلك، يا أستاذ فؤاد، تصنع له بابًا أوسع يعبر منه إلى الخطأ التالي.

— إنه ولدي.

— وهذا بالضبط ما سيقتله، أو يقتلك.

— وإن مرضتُ قبل أن يتعلّم؟

— ستمرض إن واصلتَ حمل كل شيء على صدرك وحدك.

— لن أمرض. لا وقت لديّ للمرض.

اشتدّ الوخز في صدر فؤاد فجأة، فاستند إلى الجدار وأغمض عينيه. اقترب جلال قلقًا، لكنه أشار إليه بيده: لا شيء. ثم قال بصوت يحاول أن يكون ثابتًا:

— أعدّ لي ملف مشروع الساحل الشمالي. صباح الغد. إن كانت الشركة تحتاج إلى شيء يطمئن المصرف، فليكن.

— وسليم؟

— سليم سيعرف بنفسه حين يحين الوقت.

مضى جلال وهو يهزّ رأسه، يعرف أن ذلك الوقت لا يحين إلا بعد فوات الأوان.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين نفد المال   الفيديو

    بعد أسابيع من الاعتراف بدأ المناخ في الشركة يتغير. لم يعد ياسر يتبادل معه نظرات التسلية، بل صار يسأله عن رأيه في عروض الأسعار. وأخذت الحاجة سعاد تضع له كل صباح قطعة حلوى على المكتب دون أن تقول شيئًا. وكان سليم يتعلم كل يوم شيئًا جديدًا: كيف يعدّ الأسعار بالقلم، وكيف يعتذر لعميل غاضب، وكيف يقف أمام آلة الطباعة ليعيد ورقة علقت فيها. وفي المساء، حين يعود إلى سطحه، كان يجد حمزة ينتظره بأسئلة عن البيع والشراء، فيجيبه بما تعلّم، وكأن كل جملة يقولها تثبّت قدمه على الأرض. وكان قد بدأ يحمل إلى أبيه كل جمعة برتقالًا جديدًا، وإلى أم حمدي كيس حلوى، وإلى ذاكرته قائمة صغيرة بأسماء من أخطأ في حقهم، يتصدرها اسم واحد: مصطفى. ولم يكن يعلم أن القائمة ستُفتح قبل أوانها.كان قد بلغ ثلاثة أشهر في عمله. وفي صباح خريفي بارد، وهو يحمل صندوقًا إلى المخزن، سمع ياسر يتحدث في الهاتف بصوت مرتفع ومندهش:— أرسل لي الرابط. نعم، الآن. الله! هل هذا هو؟لم يفكر سليم في الأمر، ومضى. لكن حين عاد بعد نصف ساعة وجد غرفة الموظفين صامتة على غير عادتها. كان ياسر يقف بجوار الحاجة سعاد، وكلاهما يحدّق في شاشة هاتف صغير. وحين لمحاه

  • حين نفد المال   وعد لا يُنفَّذ

    أغلق سليم أول صفقة بعد شهرين. لم تكن عملاقة، لكنها بدت له كأنها أعظم مشروع قاده: مدرسة خاصة اسمها «النور الحديثة» اشترت منه عشرين طاولة وعشرين كرسيًا. عمولته بلغت ستمئة جنيه، فأنفقها كلها على غداء جماعي لزملائه، وأحسّ بفخر لا يعرف له مثيلًا. ولاحظ أنه كلما أصغى إلى مدير المدرسة أكثر، قلّ ما احتاج إلى قوله. ورفع ياسر كأس الشاي وقال: «على أول صفقة، وعلى أن الكراسي التي يبيعها أريح من وجهه». ضحك الجميع، وضحك سليم أكثر منهم، وقد شعر لأول مرة بأن الضحك يمكن أن يُقاسَم دون أن يُشترى.ورفع ياسر كأس الشاي قائلًا: «هذا أول مندوب يدفع غداء الجميع من أول عمولة، سيدخل التاريخ!». ضحك الجميع، حتى عادل ابتسم تحت شاربه.شجّعه ذلك، فبدأ يطارد صفقة أكبر. جاء عميل اسمه الأستاذ حامد، مدير مدرسة أخرى، وطلب ستين مكتبًا للمعلمين وأربعين خزانة. قال إن المدرسة تفتتح فرعًا جديدًا بعد أسبوعين، وإن عليه أن يختار الشركة الأقدر على التسليم قبل ذلك.— نسلّم خلال عشرة أيام، قال سليم دون تردد.— هل أنت واثق؟ الشركات الأخرى تقول ثلاثة أسابيع.— أنا واثق.مسح الأستاذ حامد نظارته ببطء، وأضاف:— وإن تأخرتَ يومًا واحدًا،

  • حين نفد المال   أول راتب

    في آخر الشهر وضع المحاسب أمامه ظرفًا أبيض مختومًا. فتحه سليم أمام مرآة الحمّام الصغير في الشركة، وأخرج أوراقًا ملوّنة: أربعة آلاف ومئة وخمسون جنيهًا. بعد الخصومات.وقف يحدّق فيها كمن يتأمل خريطة لبلد لا يعرفه. المبلغ نفسه، تقريبًا، كان إكرامية لنادل على اليخت. ثم تذكّر أنه حين أعطى ذلك النادل نقوده لم يسأله عن اسمه، وها هو الآن يعدّ كل ورقة كأنها لقاء بين صديقين.وقبل أن ينصرف اقترب ياسر وطلب أن يستلف مئتي جنيه حتى آخر الأسبوع. تردّد سليم، فالمئتان ثمن غداء أسبوع، لكنه تذكّر حاتم وكلمة «الظروف»، فمدّ يده بالمبلغ دون سؤال. وردّه ياسر يوم الخميس فعلًا.في المساء جلس على سريره الحديدي بالآلة الحاسبة وورقة وقلم. كتب: الإيجار، ألفان ومئتان. المواصلات، ستمئة. الطعام، ألف. بقي ثلاثمئة وخمسون. هتف بصوت مسموع: «ثلاثمئة وخمسون جنيهًا لكل شيء آخر في الحياة». ضحك حتى دمعت عيناه، ثم صمت.طرق حمزة الباب في تلك اللحظة، وهو يحمل رغيفًا ساخنًا.— أمي أرسلت لك هذا. تقول إنك نحيف.— قل لها شكرًا. وتعال، أريد أن أسألك سؤالًا. كم ثمن علبة العصير في المحل المجاور؟— ستة جنيهات.— وطبق الكشري؟— خمسة عشر.—

  • حين نفد المال   درج السطح

    في صباح الاثنين جمع عادل الموظفين حول الطاولة الطويلة في غرفة الاجتماعات الضيقة، ووضع أمامه ملفًّا رمادي الغلاف. كان سليم قد أمضى ليلتين يُعدّ أول عرض سعر في حياته لمدرسة خاصة تريد تجهيز خمسة فصول، وقد طبعه بأناقة وأضاف إليه ألوانًا ورسومًا، ظنًّا أن الحماسة تعوّض الخبرة. وكانت مريم قد عرضت أن تراجعه قبل الإرسال، فرفض بابتسامة متعالية: «أنا أعرف كيف أكتب».— هذا عرض سليم، قال عادل ببرود، وبدأ يقرأ.— «نقدم لكم أفضل أثاث في السوق بأسعار لا تُقارن». هذه ليست جملة عرض، بل لافتة سيرك. ثم... مجموع البنود: مئة وثمانون ألفًا. والمجموع الصحيح مئتان وعشرة. هل عاد الحساب إلى الصفر في المدرسة التي تعلمتَ فيها؟— وفي الصفحة الثالثة وصفتَ الكرسي بأنه «جلد طبيعي»، بينما الورقة التقنية تقول «جلد صناعي». أتريدنا أن ندخل السجن بتهمة الغش؟ضحك ياسر، الموظف الثرثار، ثم كتم ضحكته بكفّه. أحسّ سليم بسخونة تصعد من عنقه إلى أذنيه.— وهنا، تابع عادل، منحتَ العميل خصمًا بنسبة عشرة في المئة دون موافقة أحد. هل تظن أن لديك صلاحية؟— أردتُ أن أضمن الصفقة.— أردتَ أن تضمن عمولتك. وإن أرسلنا هذا العرض كما هو، فسنخسر

  • حين نفد المال   الصندوق الأزرق

    في اليوم الثالث وصل سليم إلى الشركة في التاسعة إلا خمس دقائق، لاهثًا، وقميصه ملتصق بظهره. كانت الحافلة قد تعطّلت في منتصف الطريق، فنزل يركض نصف ساعة تحت الشمس، وهو يتذكر أن سيارته الحمراء كانت تقطع المسافة نفسها في سبع دقائق.وقف عادل عند الباب وساعة يده مرفوعة.— الثامنة والنصف، قلتُ.— الحافلة عطلت...— ولو عطّلت طائرة، فالمطلوب أن تخرج قبلها بساعة. ستخصم عني ساعة اليوم، وأي تأخير آخر سأجمعها في ورقة.— لكنني...— لكنك؟مرّت لحظة بدا فيها أن سليم سيفعل ما تعوّد عليه: أن يرفع صوته ويتهم الحافلات والطرق والحكومة. غير أن عينيه وقعتا على مريم من وراء المكتب، تتابع المشهد بحياد، ولا تُظهر شفقة. ابتلع الكلمة وقال: «حاضر».كانت الجملة الأولى التي قالها لرئيس في حياته.في الظهيرة جاءه الحاج جمال، أمين المخزن، بكوب شاي، وجلس إلى جواره على صندوق مقلوب.— لا تحمّل الأستاذ عادل أكثر مما يحتمل. أكلنا معه الخبز والمرارة منذ عشرين سنة. يصرخ ثم ينسى.— لم أطلب منه شيئًا.— لكنك تظن أن الدنيا تدين لك بالاعتذار، وهي لا تدين لأحد بشيء. هيا، ساعدني في رفع هذا الصندوق.وفي الأسبوع التالي ارتكب الخطأ الذ

  • حين نفد المال   العودة من الباب الخلفي

    مرّت عشرة أيام. أُغلقت في وجهه أبواب أخرى بوسائل متنوعة: صمت، وبريد إلكتروني آلي، ومدير شاب سأله بسخرية: «هل جرّبتَ العمل في شركة والدك؟». أحصى سليم ما بقي في جيبه: ثلاثة وستون ألفًا، تتناقص كلما ركب حافلة أو اشترى رغيفًا، وصار الشهر القادم يقترب منه كجدار.في اليوم الحادي عشر، استيقظ مع الفجر، وغسل وجهه بماء بارد، وارتدى القميص الوحيد الذي لا تعلوه تجاعيد. قطع الطريق إلى وسط البلد بالحافلة، واقفًا بين أجساد متلاصقة، يتشبث بقضيب معدني دافئ بعرق الآخرين. لمس أحدهم محفظته بيده بالخطأ، فانتفض كمن يحمل كنزًا. وكانت المرة الأولى التي يشمّ فيها رائحة الخبز الساخن من فرن الحيّ في السادسة صباحًا، ويرى بائع الجرائد يرتّب عناوين لا تعنيه أكثر من حجارة الرصيف.وصل إلى «المدى» في السابعة والنصف، قبل أن يفتح أحد الباب. جلس على درج العمارة ينتظر. كان الهواء باردًا، وكان يسمع ارتطام أبواب المحال وهي تُرفع، فتذكّر أنه لم يسمع هذا الصوت قط وهو مستيقظ. ثم وصلت مريم بعد الثامنة بدقائق، وتوقفت أمامه وهي تضع المفتاح في القفل.— جئتَ باكرًا.— أريد مقابلة الأستاذ عادل.— أخبرتك أنه ليس عنده شاغر.— لا أطلب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status