Share

الفصل 2

Author: رند الغدير
"حسناً، أعلم أنك تحبينني، نلتقي في المساء، سأوصل نفيسة إلى المنزل أولاً."

أعادني صوت سامر من ذكرياتي البائسة.

أغلق الهاتف، ولم يتبقَّ في السيارة سوى صوت أنفاسنا.

وبعد لحظات، بادر سامر بالكلام:

"لا بد أنك جائعة. لنذهب أولا ونشتري لك كعكتك المفضلة، ثم أوصلك إلى المنزل."

كانت نبرته لطيفة، وكأن شيئاً لم يحدث للتو.

مما جعلني أبدو كأضحوكة، بعيني المحمرتين وجسدي الذي يرتجف.

"سامر، لماذا فعلت كل هذا؟"

"ألم تقل إنك ستقدرني وتعتز بي طوال عمرك؟"

كان صوتي مبحوحاً، ودموعي تنهمر رغماً عني.

لكن هذه المرة، لم يمسح سامر دموعي كما كان يفعل دائماً باهتمام.

اتكأ على كرسيه نصف اتكاءة، وعلى شفتيه ابتسامة لا تخلو من السخرية:

"نفيسة، لو أنك اخترتني منذ البداية، لربما كنت سأقدرك وأعتز بك طوال عمري. أما الآن، فأنت مجرد بضاعة مستعملة، فلماذا أصون نفسي من أجلك؟"

وبعد أن قال ذلك، مد لي منديلاً وكأنه يتصدق عليّ.

لكنني تراجعت للخلف فجأة، أنظر إليه وكأنني أرى شيطاناً.

كنا جميعاً زملاء في الجامعة.

قبل سنوات، اعترف لي كل من سامر وفواز بحبهما في آن واحد.

في ذلك الوقت، اخترت فواز.

بارك لي سامر بتهذيب، وحافظت أنا على مسافة بيننا بعد الزواج.

حتى خانني فواز.

لم أتحمل الصدمة، فأقدمت على الانتحار بقطع شرايين معصمي،

وظهر سامر في عالمي فجأة كمنقذ.

داواني، وأعادني من الجحيم إلى الحياة.

ومع تذكر كل ما فعله لأجلي، سألته بيأس:

"ما دمت تهتم بهذا الأمر، فلماذا سعيت للتقرب مني أصلا؟ ولماذا ارتبطت بي؟"

تلاقت أعيننا، فتنهد سامر:

"ظننت أنني لا أبالي، لكن عندما بدأنا التحضير لحفل الزفاف..."

نظر إليّ وابتسم ابتسامة مثقلة بالضيق:

"كنتِ بارعة أكثر من اللازم... عند التقاط صور الزفاف، كنتِ تعرفين كيف تفاوضين المصور على السعر. وعند شراء الخواتم، كنتِ تعرفين أنه ينبغي شراء خاتم مقلد لاستخدامه في مراسم الزفاف، خشية أن يضيع الخاتم الحقيقي. وحتى اليوم، عند تسجيل عقد الزواج رسميا، كنتِ تعرفين ماذا يجب أن ترتدي من دون أن تبحثي عن ذلك..."

كلما زاد في حديثه، أظلم وجهه.

"كل ما فعلتِه كان يصرخ في وجهي بوضوح بأنني، أنا سامر، تزوجت بضاعة مستعملة. نفيسة، لم أستطع ابتلاع هذه الإهانة."

ضباب الدموع حجب رؤيتي.

وعندما لم أعد أرى، أصبح سمعي أوضح.

"لكنني أحبك."

"لذلك، بما أنك تزوجتِ فواز لمدة عام، فقد أطلقتُ العنان لنفسي عاماً أيضاً قبل أن أعود إلى المنزل، أليس هذا عدلاً؟"

شعرت بدفء على وجهي.

رمشت بعيني بقوة، فسقطت دموعي على يد سامر.

سحب يده وكأنه تعرض للحرق.

"هذا ليس عدلاً!"

"كان يمكنك إخباري بما يزعجك، بدلاً من خيانتي بعد أن أنقذتني!"

"سامر، أريد الطلاق منك!"

صرخت بغضب، وشعرت وكأن روحي تتمزق من الألم.

أما هو، فقد ظل ينظر إليّ ببرود، حتى انتهيت من تفريغ غضبي، ليتفضل هو بالقول:

"لقد تم تسجيل عقد الزواج رسميا، والعدل أو عدمه ليس بيدك."

"الطلاق؟ لا تفكري في الأمر حتى، اقبلي بالواقع إن استطعتِ، وإن لم تستطيعي فاصبري."

بعد أن قال ذلك، فتح سامر باب السيارة من جهتي، ودفعني بخفة:

"حالك الآن لا يرضيني أبدا. ابقي هنا وراجعي نفسك جيدا."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين يتحول الحنين إلى غواية   الفصل 12

    لم يلحق سامر بي.لم تفصلنا سوى بضع ثوان؛ فما إن صعدت إلى السيارة حتى خرج من باب القاعة.ركض خلف سيارتي طويلا، حتى استنفد قواه وتوقف، ثم أخذ يتصل بي مرارا وتكرارا.لم أرد على اتصالاته.بالأمس، كنا قد ذهبنا وأتممنا إجراءات الطلاق رسميا.أوهمته أننا، بعد انتهاء مراسم الزفاف اليوم، سنذهب لتسجيل عقد الزواج رسميا من جديد، ليكتمل الفرح بفرحتين.وبغبائه، صدقني.لم أشعر بأي متعة لأنني خدعته، بل شعرت بحزن لا نهاية له.حين كنت مستلقية على طاولة العمليات، وقد استسلمت لفكرة الموت، سمعت كلمات طبيبتي النفسية تشجعني.خلال فترة علاجي النفسي، كانت طبيبتي تدرك مدى اعتمادي النفسي على سامر، وحاولت تنبيهي بلطف، لكنني لم أصدقها حينها.إلى أن استلقيت على طاولة العمليات، وحينها فقط، كان وقع كلماتها في قلبي مختلفا تماما.في تلك اللحظة، لم يكن ما يدفعني إلى البقاء حية هو الرغبة في الحياة، بل إدراكي أنني لن أستطيع الرد على من خذلوني إلا إذا بقيت حية.وبهذا الدافع، تمسكت بالحياة.وعندما فتحت عيني ورأيت وجه سامر المتوتر، أدركت على الفور كيف سأنتقم منه.كان يكره أن ذلك القمر المعلق في السماء قد أضاء لغيره قبله.لذلك

  • حين يتحول الحنين إلى غواية   الفصل 11

    خلال تلك الفترة، وبسبب إصرار نفيسة على إعادة بناء مشاعرهما، نام الاثنان في غرف منفصلة.وذات يوم، قطعت نفيسة ثمرة مانجو، وتوجهت بها نحو سامر الذي كان منشغلاً في عمله، وقالت بابتسامة عريضة:"سامر، يبدو أنني بدأت أتذكر بعض الأشياء."تصلب سامر في مكانه، ولم تكن ملامحه توحي بأنه سعيد أو حزين."أتذكر أنك تحب المانجو كثيراً، وكنت تتصل بي يومياً قبل عودتك من العمل لتطلب مني تقطيع طبق منها لك."كانت هذه الكلمات كدلو من الماء البارد سُكب على رأسه، وجمدت دماء سامر في عروقه.فمحب المانجو هو فواز.ما تذكرته نفيسة كان تفاصيل حياتها مع فواز.عندما رأت صمت سامر، بدت على وجه نفيسة علامات الحيرة:"لماذا لا تأكل؟ هل يعقل أنني أخطأت في تذكري؟ لكنني أذكر أن زوجي كان يعشق هذا، أم أن لي زوجاً آخر؟""بالطبع لا! أنا من أحب أكلها، لكنني فرحت كثيرا حتى لم أعرف كيف أتصرف!"ولإثبات أنه هو من يحب أكلها، أخذ سامر يأكل المانجو بنهم، وسرعان ما انتشر طفح جلدي على ذراعيه وظهره، لكنهما تصرفا وكأن شيئا لم يكن.كانت تطعمه مبتسمة، وكان يأكل مبتسماً.كانا يبدوان كزوجين في غاية الانسجام، وهما في الحقيقة زوجان يجمعهما حقد وغل

  • حين يتحول الحنين إلى غواية   الفصل 10

    أدى عقد الزواج بهذا الحال إلى استياء نفيسة بطبيعة الحال.ولسبب ما، صارت نفيسة بعد فقدان ذاكرتها أكثر حدة في طباعها. فأخذت ترمي سامر بكل ما استطاعت حمله من أشياء، ثم اتهمته بعينين محمرتين:"لم تستطع حتى الحفاظ على عقد زواجنا، أنت لا تحبني إطلاقاً، أريد الطلاق منك!"كلمة "طلاق" جعلت سامر يفقد صوابه.جثا على ركبتيه مباشرة وبدأ يفسر:"إنه خطئي، لكن يمكننا استخراج بدل فاقد، وأعدكِ أنني سأحافظ عليه جيداً هذه المرة، ثقي بي، أرجوكِ."وأخيراً، وبعد أن استمر سامر في الجثو على ركبتيه متوسلاً، وبعد أن حول لنفيسة مبلغاً بعشرات الملايين دون قيد أو شرط...في يوم خروجها من المستشفى، لانت نفيسة أخيرا ووافقت على الذهاب معه لإعادة تسجيل عقد الزواج رسميا.وعند ركوب السيارة، جلست نفيسة في المقعد الخلفي.تذكر سامر أنها تعاني من دوار الحركة، فقال مبتسماً:"يا عزيزتي، هل نسيتِ أنكِ تصابين بدوار الحركة إذا جلستِ في الخلف؟"نظرت نفيسة من نافذة السيارة دون أن تلتفت إليه:"لا أريد الجلوس في الأمام، أشك في أن امرأة أخرى قد جلست في مقعد الراكب هذا، وأشعر بالقرف بمجرد رؤيته."تصلب وجه سامر، وحاول التفسير بإحراج:"لا

  • حين يتحول الحنين إلى غواية   الفصل 9

    استعادت نفيسة وعيها بعد ثلاثة أيام من نجاح العملية.وما إن رآها تفتح عينيها حتى نهض سامر فورا، بعدما ظل ملازما سريرها ثلاثة أيام وثلاث ليال، وأخذ يسألها بلا توقف:"نفيسة، لقد استيقظتِ، هل تشعرين بأي ألم؟"تسمرت نفيسة للحظة، ثم قبضت على يدها المخبأة تحت الغطاء بقوة.وبعد برهة، هزت رأسها بنظرة استغراب وسألت:"من أنت؟"تجمد سامر للحظة، ثم غمرت قلبه فرحة عارمة.طوال فترة انتظار استيقاظها، كان قد أعد في ذهنه مئات الصيغ للاعتذار والتفسير، وكان مستعداً لمحاولة كسب قلبها من جديد.لكنه لم يتوقع أبداً أن تفقد نفيسة ذاكرتها وتنسى كل شيء.لقد منحه ذلك فرصة ليعيد كل شيء من بدايته.حاول إخفاء حماسه المتقد وقال:"أنا زوجك، لقد سجلنا عقد الزواج رسميا الأسبوع الماضي، ومن المفترض أن نقيم حفل الزفاف في نهاية هذا الشهر."توقف قليلاً ثم أضاف:"لكن قبل أيام، صعدتِ إلى السطح لمشاهدة النجوم وسقطتِ بالخطأ، خضعتِ للتو لعملية جراحية، وعليكِ التعافي لفترة، وعندما تستعيدين عافيتك سنقيم حفل الزفاف."وفي مكان بعيد عن أنظار سامر، رسمت نفيسة ابتسامة ساخرة على شفتيها.وبسرعة، تلاشت تلك الابتسامة لتسأل ببراءة:"تقول إنن

  • حين يتحول الحنين إلى غواية   الفصل 8

    اشتعلت نيران الغيرة المتأججة في صدره تماماً.ففي كل دقيقة وكل ثانية تلت ذلك، أصبحت كل حركة تقوم بها نفيسة وكل نصيحة تقدمها بمثابة استفزاز لسامر.كلما زاد حبه، زاد ألمه، وكلما زاد ألمه، زاد حقده.وزاد الطين بلة أن غدى لم تتوقف عن تذكيره بماضي نفيسة مع فواز، وتحريضه قائلة:"ألا تجد أن هذا غير عادل؟""لقد أحببت نفيسة طوال تلك السنوات، لكنها لم تخترك إلا لأنها عدتك خيارا ثانيا.""لو كنت مكانك، لانتقمت دون تردد."أما الرسالة التالية، فكانت صورة جريئة أرسلتها غدى.وبطريقة جنونية، لبى سامر الدعوة.وعند عودته للمنزل، لم ينسَ أن يشتري لنفيسة الكعكة الصغيرة التي تحبها، فكان يتذكر قول طبيبتها النفسية إن تناول الحلويات باعتدال يساعد في تحسين المزاج.لكن حين رأى ابتسامة نفيسة الحلوة وهي تأكل الكعكة، شعر سامر بأن كل شيء فقد مذاقه.لماذا؟لقد عانى كثيرا من أجلها، بينما كانت هي لا تعلم شيئا عن كل ذلك.لذا، في يوم تسجيل عقد الزواج رسميا، كشف أوراقه.توقفت السيارة المسرعة فجأة حين تذكر سامر ذلك.شعر بالندم، لكنه لم يجد حتى وقتاً كافياً للأسف، فترجل مسرعاً وحمل نفيسة بين ذراعيه متجهاً نحو الطوارئ.كان قر

  • حين يتحول الحنين إلى غواية   الفصل 7

    في الطريق إلى المستشفى.كانت ذكريات سامر مع نفيسة تتداعى في عقله، تماماً كما تداعت صور الماضي في ذهن نفيسة حين كانت تسير وحيدة تحت المطر في طريقها للمنزل.كان لقاؤهما الأول في السنة الثانية من الجامعة.عندما سقط سامر مغشياً عليه بسبب هبوط في السكر أثناء لعب كرة السلة، كانت نفيسة هي من مرت من هناك وقدمت له الحلوى التي كانت تحملها.حينها، لم يكن يعلم أن نفيسة هي الزميلة الجامعية الأصغر التي كان فواز، زميله في السكن، يحاول التقرب منها منذ ستة أشهر. بل وقع هو نفسه في حبها من النظرة الأولى، وبدأ يسعى لكسب قلبها بحماس شديد.وعندما علم بالحقيقة، كانت نفيسة قد ارتبطت بفواز بالفعل.يوم عرف بزواج نفيسة، بكى سامر طوال الليل.ثم قاد سيارته ليتبع موكب الزفاف طوال الطريق.وفي النهاية، عندما حمل فواز نفيسة من السيارة، لم يجرؤ سامر على الاقتراب، بل أدار سيارته وعيناه محمرتان من الألم.في تلك الليلة، حلم سامر، وهو غارق في سكره، بأنه هو من تزوج نفيسة.وعندما استيقظ، تمنى سامر بحقد ألا يعرف فواز كيف يقدر نفيسة، لعل وعسى تأتيه الفرصة.استجاب القدر لتمنياته، وتحققت أمنيته.تمكن أخيرا من استعادة قمره من صفح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status