LOGINلم يلحق سامر بي.لم تفصلنا سوى بضع ثوان؛ فما إن صعدت إلى السيارة حتى خرج من باب القاعة.ركض خلف سيارتي طويلا، حتى استنفد قواه وتوقف، ثم أخذ يتصل بي مرارا وتكرارا.لم أرد على اتصالاته.بالأمس، كنا قد ذهبنا وأتممنا إجراءات الطلاق رسميا.أوهمته أننا، بعد انتهاء مراسم الزفاف اليوم، سنذهب لتسجيل عقد الزواج رسميا من جديد، ليكتمل الفرح بفرحتين.وبغبائه، صدقني.لم أشعر بأي متعة لأنني خدعته، بل شعرت بحزن لا نهاية له.حين كنت مستلقية على طاولة العمليات، وقد استسلمت لفكرة الموت، سمعت كلمات طبيبتي النفسية تشجعني.خلال فترة علاجي النفسي، كانت طبيبتي تدرك مدى اعتمادي النفسي على سامر، وحاولت تنبيهي بلطف، لكنني لم أصدقها حينها.إلى أن استلقيت على طاولة العمليات، وحينها فقط، كان وقع كلماتها في قلبي مختلفا تماما.في تلك اللحظة، لم يكن ما يدفعني إلى البقاء حية هو الرغبة في الحياة، بل إدراكي أنني لن أستطيع الرد على من خذلوني إلا إذا بقيت حية.وبهذا الدافع، تمسكت بالحياة.وعندما فتحت عيني ورأيت وجه سامر المتوتر، أدركت على الفور كيف سأنتقم منه.كان يكره أن ذلك القمر المعلق في السماء قد أضاء لغيره قبله.لذلك
خلال تلك الفترة، وبسبب إصرار نفيسة على إعادة بناء مشاعرهما، نام الاثنان في غرف منفصلة.وذات يوم، قطعت نفيسة ثمرة مانجو، وتوجهت بها نحو سامر الذي كان منشغلاً في عمله، وقالت بابتسامة عريضة:"سامر، يبدو أنني بدأت أتذكر بعض الأشياء."تصلب سامر في مكانه، ولم تكن ملامحه توحي بأنه سعيد أو حزين."أتذكر أنك تحب المانجو كثيراً، وكنت تتصل بي يومياً قبل عودتك من العمل لتطلب مني تقطيع طبق منها لك."كانت هذه الكلمات كدلو من الماء البارد سُكب على رأسه، وجمدت دماء سامر في عروقه.فمحب المانجو هو فواز.ما تذكرته نفيسة كان تفاصيل حياتها مع فواز.عندما رأت صمت سامر، بدت على وجه نفيسة علامات الحيرة:"لماذا لا تأكل؟ هل يعقل أنني أخطأت في تذكري؟ لكنني أذكر أن زوجي كان يعشق هذا، أم أن لي زوجاً آخر؟""بالطبع لا! أنا من أحب أكلها، لكنني فرحت كثيرا حتى لم أعرف كيف أتصرف!"ولإثبات أنه هو من يحب أكلها، أخذ سامر يأكل المانجو بنهم، وسرعان ما انتشر طفح جلدي على ذراعيه وظهره، لكنهما تصرفا وكأن شيئا لم يكن.كانت تطعمه مبتسمة، وكان يأكل مبتسماً.كانا يبدوان كزوجين في غاية الانسجام، وهما في الحقيقة زوجان يجمعهما حقد وغل
أدى عقد الزواج بهذا الحال إلى استياء نفيسة بطبيعة الحال.ولسبب ما، صارت نفيسة بعد فقدان ذاكرتها أكثر حدة في طباعها. فأخذت ترمي سامر بكل ما استطاعت حمله من أشياء، ثم اتهمته بعينين محمرتين:"لم تستطع حتى الحفاظ على عقد زواجنا، أنت لا تحبني إطلاقاً، أريد الطلاق منك!"كلمة "طلاق" جعلت سامر يفقد صوابه.جثا على ركبتيه مباشرة وبدأ يفسر:"إنه خطئي، لكن يمكننا استخراج بدل فاقد، وأعدكِ أنني سأحافظ عليه جيداً هذه المرة، ثقي بي، أرجوكِ."وأخيراً، وبعد أن استمر سامر في الجثو على ركبتيه متوسلاً، وبعد أن حول لنفيسة مبلغاً بعشرات الملايين دون قيد أو شرط...في يوم خروجها من المستشفى، لانت نفيسة أخيرا ووافقت على الذهاب معه لإعادة تسجيل عقد الزواج رسميا.وعند ركوب السيارة، جلست نفيسة في المقعد الخلفي.تذكر سامر أنها تعاني من دوار الحركة، فقال مبتسماً:"يا عزيزتي، هل نسيتِ أنكِ تصابين بدوار الحركة إذا جلستِ في الخلف؟"نظرت نفيسة من نافذة السيارة دون أن تلتفت إليه:"لا أريد الجلوس في الأمام، أشك في أن امرأة أخرى قد جلست في مقعد الراكب هذا، وأشعر بالقرف بمجرد رؤيته."تصلب وجه سامر، وحاول التفسير بإحراج:"لا
استعادت نفيسة وعيها بعد ثلاثة أيام من نجاح العملية.وما إن رآها تفتح عينيها حتى نهض سامر فورا، بعدما ظل ملازما سريرها ثلاثة أيام وثلاث ليال، وأخذ يسألها بلا توقف:"نفيسة، لقد استيقظتِ، هل تشعرين بأي ألم؟"تسمرت نفيسة للحظة، ثم قبضت على يدها المخبأة تحت الغطاء بقوة.وبعد برهة، هزت رأسها بنظرة استغراب وسألت:"من أنت؟"تجمد سامر للحظة، ثم غمرت قلبه فرحة عارمة.طوال فترة انتظار استيقاظها، كان قد أعد في ذهنه مئات الصيغ للاعتذار والتفسير، وكان مستعداً لمحاولة كسب قلبها من جديد.لكنه لم يتوقع أبداً أن تفقد نفيسة ذاكرتها وتنسى كل شيء.لقد منحه ذلك فرصة ليعيد كل شيء من بدايته.حاول إخفاء حماسه المتقد وقال:"أنا زوجك، لقد سجلنا عقد الزواج رسميا الأسبوع الماضي، ومن المفترض أن نقيم حفل الزفاف في نهاية هذا الشهر."توقف قليلاً ثم أضاف:"لكن قبل أيام، صعدتِ إلى السطح لمشاهدة النجوم وسقطتِ بالخطأ، خضعتِ للتو لعملية جراحية، وعليكِ التعافي لفترة، وعندما تستعيدين عافيتك سنقيم حفل الزفاف."وفي مكان بعيد عن أنظار سامر، رسمت نفيسة ابتسامة ساخرة على شفتيها.وبسرعة، تلاشت تلك الابتسامة لتسأل ببراءة:"تقول إنن
اشتعلت نيران الغيرة المتأججة في صدره تماماً.ففي كل دقيقة وكل ثانية تلت ذلك، أصبحت كل حركة تقوم بها نفيسة وكل نصيحة تقدمها بمثابة استفزاز لسامر.كلما زاد حبه، زاد ألمه، وكلما زاد ألمه، زاد حقده.وزاد الطين بلة أن غدى لم تتوقف عن تذكيره بماضي نفيسة مع فواز، وتحريضه قائلة:"ألا تجد أن هذا غير عادل؟""لقد أحببت نفيسة طوال تلك السنوات، لكنها لم تخترك إلا لأنها عدتك خيارا ثانيا.""لو كنت مكانك، لانتقمت دون تردد."أما الرسالة التالية، فكانت صورة جريئة أرسلتها غدى.وبطريقة جنونية، لبى سامر الدعوة.وعند عودته للمنزل، لم ينسَ أن يشتري لنفيسة الكعكة الصغيرة التي تحبها، فكان يتذكر قول طبيبتها النفسية إن تناول الحلويات باعتدال يساعد في تحسين المزاج.لكن حين رأى ابتسامة نفيسة الحلوة وهي تأكل الكعكة، شعر سامر بأن كل شيء فقد مذاقه.لماذا؟لقد عانى كثيرا من أجلها، بينما كانت هي لا تعلم شيئا عن كل ذلك.لذا، في يوم تسجيل عقد الزواج رسميا، كشف أوراقه.توقفت السيارة المسرعة فجأة حين تذكر سامر ذلك.شعر بالندم، لكنه لم يجد حتى وقتاً كافياً للأسف، فترجل مسرعاً وحمل نفيسة بين ذراعيه متجهاً نحو الطوارئ.كان قر
في الطريق إلى المستشفى.كانت ذكريات سامر مع نفيسة تتداعى في عقله، تماماً كما تداعت صور الماضي في ذهن نفيسة حين كانت تسير وحيدة تحت المطر في طريقها للمنزل.كان لقاؤهما الأول في السنة الثانية من الجامعة.عندما سقط سامر مغشياً عليه بسبب هبوط في السكر أثناء لعب كرة السلة، كانت نفيسة هي من مرت من هناك وقدمت له الحلوى التي كانت تحملها.حينها، لم يكن يعلم أن نفيسة هي الزميلة الجامعية الأصغر التي كان فواز، زميله في السكن، يحاول التقرب منها منذ ستة أشهر. بل وقع هو نفسه في حبها من النظرة الأولى، وبدأ يسعى لكسب قلبها بحماس شديد.وعندما علم بالحقيقة، كانت نفيسة قد ارتبطت بفواز بالفعل.يوم عرف بزواج نفيسة، بكى سامر طوال الليل.ثم قاد سيارته ليتبع موكب الزفاف طوال الطريق.وفي النهاية، عندما حمل فواز نفيسة من السيارة، لم يجرؤ سامر على الاقتراب، بل أدار سيارته وعيناه محمرتان من الألم.في تلك الليلة، حلم سامر، وهو غارق في سكره، بأنه هو من تزوج نفيسة.وعندما استيقظ، تمنى سامر بحقد ألا يعرف فواز كيف يقدر نفيسة، لعل وعسى تأتيه الفرصة.استجاب القدر لتمنياته، وتحققت أمنيته.تمكن أخيرا من استعادة قمره من صفح







