Masukالفصل الرابع والثلاثون
ظلت سلمى تحدق في الرسالة، بينما كان ياسين يحاول قراءة ما ظهر على الشاشة. قال: "مريم؟" هزت رأسها. "أيوه." "بتقول إيه؟" ترددت للحظة، ثم ناولته الهاتف. قرأ الرسالة، ورفع عينيه إليها. "مش هتروحي." قالت فورًا: "هروح." "سلمى..." "بابا عندهم." "والرسالة دي ممكن تكون فخ." "وأنا عارفة." "إذن ليه مصممة؟" نظرت إليه وقالت: "لأن لو فضلت هنا، ممكن بابا يموت وأنا قاعدة مستنية." تدخلت هدى: "أنا هروح معاكي." قال ياسين: "وأنا." هزت سلمى رأسها. "الرسالة قالت متجيش." قال: "والرسالة اللي وصلتلك قبلها قالت إنهم عايزين المفتاح. يعني هما عايزين نتحرك، مش شرط يكونوا عايزين ياسين بعيد." قالت هدى: "هو عنده حق." نظر إليها ياسين باستغراب، فقالت: "اللي بيحصل دلوقتي أكبر من مجرد تهديد. لازم نعرف مين بيحرك كل ده." خرجوا من المنزل، لكن قبل أن يستقلوا السيارة، أوقفهم آدم. قال: "أنا جاي." قالت سلمى: "لأ." "مش هسيبكم." تدخل فارس: "وأنا كمان." نظر ياسين إلى سلمى، ثم قال: "هنروح كلنا، بس محدش يتحرك من نفسه." انطلقت السيارات باتجاه المستشفى القديمة. كان الطريق هادئًا، والسماء ملبدة بالغيوم، بينما كانت سلمى تمسك المفتاح طوال الطريق. لم تكن تعرف لماذا شعرت أن هذا المفتاح أهم من كل الأوراق والصور التي وجدوها. ربما لأن الشخص الذي يملك المفتاح يملك القدرة على فتح شيء ظلت عائلتها تغلقه لسنوات. عندما وصلوا، وجدوا المستشفى مهجورة تقريبًا. المبنى قديم، والنوافذ مكسورة، واللافتة فوق المدخل بالكاد يمكن قراءة اسمها. قالت هدى: "أنا مش عايزة أدخل." نظرت إليها سلمى. "ليه؟" قالت: "لأن هنا بدأت كل حاجة." دخلوا. كانت رائحة المكان ثقيلة، والممرات مظلمة. قال آدم: "فين الغرفة؟" أجابت هدى: "غرفة الولادة القديمة في الدور الثاني." صعدوا الدرج، حتى وصلوا إلى ممر طويل. توقفت هدى أمام باب عليه رقم 17. قالت: "هنا." أدخلت سلمى المفتاح في القفل. لم يفتح. قالت: "المفتاح مش للباب." نظر ياسين إلى الجدار، ثم لاحظ لوحة معدنية صغيرة بجوار الباب. ضغط عليها، فانفتح جزء من الحائط. ظهر خلفه قفل صغير. أدخلت سلمى المفتاح، فانفتح الباب. وجدوا غرفة صغيرة مليئة بالملفات القديمة. قالت سلمى: "دي كانت غرفة أرشيف." بدأوا يبحثون عن اسمها. قال فارس: "هنا." أخرج ملفًا يحمل اسم هدى، لكن عندما فتحه، وجدوا أوراقًا ناقصة. قالت سلمى: "حد أخد جزء منه." قال ياسين: "دوروا على أي ملف تاني." بعد دقائق، وجد آدم صندوقًا خلف أحد الرفوف. فتحه، فوجد بداخله مجموعة من الصور. أمسكت سلمى أول صورة، فتجمدت. كانت صورة لها وهي طفلة صغيرة، لكن التاريخ المكتوب خلفها كان بعد ولادتها بعام. قالت: "دي مش الصورة اللي قالت عليها ماما." قلبت الصورة، فوجدت جملة: "الطفلة بخير، لكن فريد لا يزال يبحث عنها." قال ياسين: "ليه فريد كان بيدور عليكي؟" قالت هدى: "لأن مريم كانت تعرف إن فريد كان بيحاول يستخدم اسمك في حاجة." قالت سلمى: "أي حاجة؟" لم تجب. فجأة سمعوا صوت باب يُغلق في آخر الممر. قال ياسين: "حد هنا." خرج هو وفارس وآدم، بينما بقيت سلمى وهدى مع سارة وملك. بعد لحظات عاد ياسين مسرعًا. قال: "مفيش حد." سألته سلمى: "يبقى مين قفل الباب؟" لم يجب. ثم جاء صوت والدها من سماعة صغيرة مثبتة في الجدار: "سلمى!" اقتربت منه. "بابا؟" جاء صوته متقطعًا: "متصدقيش..." ثم انقطع. صرخت: "بابا!" قال ياسين: "كان بيحاول يقول حاجة." قالت هدى: "متصدقيش مين؟" وفجأة أضاءت شاشة صغيرة في الغرفة. ظهر والد سلمى جالسًا على كرسي، ووجهه متعب. قال: "سلمى، لو وصلتي للمستشفى، يبقى هما عايزينك تفتحي الغرفة اللي تحت الأرض." قالت: "إنت فين؟" "أنا مش عارف." "مين أخدك؟" قال: "الشخص اللي كنت فاكره مات." ثم انقطع التسجيل. نظرت سلمى إلى ياسين. "هو يقصد فريد." قال ياسين: "أو يقصد شخص تاني." قبل أن يكمل، ظهر صوت خطوات خلفهم. استداروا، فوجدوا رجلًا يقف في نهاية الممر. كان يرتدي معطفًا أسود، ووجهه لم يكن واضحًا. قال: "سلمى." تقدمت خطوة. "إنت اللي أخدت بابا؟" قال: "أبوك بخير." "فينه؟" "تحت." "تحت فين؟" أشار إلى الأرض. "المكان اللي مريم حاولت تخبيه عنكم." قال ياسين: "إنت فريد؟" لم يجب الرجل. اقترب أكثر، ثم رفع وجهه. شهقت هدى، وتراجعت خطوة. قالت بصوت مرتجف: "مستحيل." نظر ياسين إلى الرجل، وكأنه فقد القدرة على الكلام. أما سلمى فحدقت فيه دون أن تفهم. قال الرجل بهدوء: "أنا عارف إن شكلي اتغير." همس ياسين: "أبي..." ابتسم الرجل. "أيوه." تجمدت سلمى. كان الرجل أمامهم يحمل نفس ملامح الصورة القديمة لفريد، لكن أكبر سنًا. قالت: "إنت فريد؟" أجاب: "أنا فريد." صرخ ياسين: "إنت كنت ميت!" قال فريد: "كنت محتاج الناس تصدق كده." اقتربت سلمى منه. "إنت أخدت بابا." "أيوه." "ليه؟" "لأنه الوحيد اللي يعرف مكان الحقيقة." قالت: "وأنا؟" نظر إليها طويلًا. "إنتِ السبب اللي خلاني أرجع." "أنا؟" "أيوه." قال ياسين: "ابعد عنها." ابتسم فريد. "لسه بتحميها." "وهفضل." نظر فريد إليه ثم قال: "وده أكبر خطأ ممكن تعمله." وفجأة انطفأت الأنوار. سمعوا صوت باب يُغلق، ثم صرخة هدى. قال ياسين: "سلمى!" أمسكت سلمى يده في الظلام، لكنها شعرت بيد أخرى تشدها من الخلف. صرخت: "ياسين!" أمسكها بقوة، لكن الشخص الآخر كان أسرع. وفي ثوانٍ اختفت سلمى من بين يديه. أضاءت الأنوار من جديد، ولم تكن سلمى موجودة. فقط سقط المفتاح على الأرض. وقف ياسين في مكانه مذهولًا، بينما ظهر فريد أمامه وقال بهدوء: "دلوقتي فهمت ليه قلتلك متجيش معاها؟" رفع ياسين عينيه إليه بغضب. "لو حصل لها حاجة، مش هسامحك." رد فريد: "لو عايزها ترجع، لازم تسمعني للآخر." ثم أضاف: "لأن الشخص اللي أخدها مش أنا."
الفصل الثالث عشر: انطلقت الرصاصة، فصرخت سلمى دون وعي.اندفع كريم نحوها وأسقطها أرضًا، بينما ارتطمت الرصاصة بالعمود الحجري خلفهما وتناثر الغبار في المكان.صرخ ياسين: "انزلوا!"واندفع آدم ناحية مصدر الطلقات، لكن فؤاد كان قد اختفى خلف أحد الأعمدة.بدأت أصوات الرصاص تتردد داخل المحطة القديمة، وركض الجميع بحثًا عن مكان يحميهم.أمسكت ليلى بيد سلمى وسحبتها خلف المقعد.قالت سلمى وهي تلهث: "إنتِ خنتي بابا؟"لم تجب ليلى.قالت سلمى: "ماما!"نظرت إليها ليلى، وكانت عيناها ممتلئتين بالدموع.قالت: "مش زي ما هو قال." "أمال إزاي؟" "أنا ما خنتش كريم."جاء صوت فؤاد من بعيد: "اسأليها عن اللي حصل في الليلة الأخيرة!"صرخ كريم: "فؤاد، كفاية!"ضحك فؤاد. "أنت أكتر واحد عارف إني بقول الحقيقة."تحرك آدم بحذر بين الأعمدة، ثم أشار إلى ياسين.كان هناك ممر جانبي يمكنهم الهرب من خلاله.قال ياسين: "من هنا."أمسك سليم بيد ليلى. "يلا."لكن كريم أوقفهم. "استنوا."نظر إلى آخر الرصيف.كانت هناك مجموعة من الرجال تقترب من المدخل.قال كريم: "في أكتر من فريق."قال آدم: "يبقى لازم نقسم نفسنا."رد كريم: "لا.محدش هيتقسم."قالت سلمى: "ليه؟"قال: "لأنهم
الفصل الثاني عشر: لم تستطع سلمى أن تتحرك.ظلت تحدق في الهاتف الذي انقطع الاتصال منه، وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويثبت لها أن ما سمعته لم يكن وهمًا.كان الجميع ينظر إليها، لكن عينيها لم تريا أحدًا.كل ما كانت تسمعه داخل رأسها هو الجملة الأخيرة: "أنا ما متش."اقترب ياسين منها ببطء.قال: "سلمى..."رفعت يدها. "ما تتكلمش."ثم نظرت إلى ليلى.كانت أمها تبكي بصمت.قالت سلمى: "إنتِ كنتِ عارفة؟"هزت ليلى رأسها بسرعة. "لا." "كريم عايش؟" "والله ما أعرف."قال سليم: "ممكن يكون التسجيل قديم."ردت سلمى: "بس هو ناداني باسمي."قال آدم: "وده معناه إن الشخص اللي اتصل كان عارف إننا هنا."نظر ياسين إلى الممر. "يعني ممكن يكون بيراقبنا."قال آدم: "بالضبط."أخذ الهاتف من يد سلمى وفحصه.قال: "مفيش رقم ظاهر."قالت: "إزاي؟" "مكالمة من شبكة داخلية أو جهاز معدل."سألت سلمى: "يعني إيه؟" "يعني الشخص اللي اتصل مش عايز نعرف مكانه."اقتربت ليلى من ابنتها. "سلمى، لازم نمشي."لكن سلمى لم تتحرك.قالت: "لو كريم عايش، أنا هروح له."قال سليم: "مش قبل ما نعرف هو فين."ردت: "هو أبويا."توقفت للحظة، ثم صححت نفسها بصوت مكسور: "حتى لو مش أبويا
الفصل الحادي عشر: لم تستطع سلمى أن تتحرك.كانت الكلمات ما زالت تدور داخل رأسها بعنف، وكأن عقلها يرفض أن يسمح لها بفهم معناها الحقيقي.كريم مش أبوها.الرجل الذي قضت سنوات وهي تبحث عن صورته، وتحاول أن تتخيل صوته، وتلوم نفسها لأنها لم تعرفه بما يكفي... لم يكن والدها.نظرت إلى سليم، وكانت عيناها ممتلئتين بالأسئلة.قالت بصوت مرتجف: "قولي إنه بيكدب."لم يجب سليم.اقتربت منه. "بابا، قولي إنه بيكدب."خفض سليم عينيه.صرخت: "بصلي!"رفع عينيه إليها، لكن الصمت الذي خرج منه كان أقسى من أي إجابة.قالت: "إنت كنت عارف؟"قال سليم: "أيوه."شعرت أن قدميها لم تعودا تحملانها.استندت إلى الحائط.قالت: "من إمتى؟"قال: "من قبل ما تولدي."ضحكت ضحكة قصيرة مليئة بالوجع. "يعني كل حاجة كانت كذبة؟"قال سليم: "لا."ردت بسرعة: "أمال إيه؟"قال: "كريم ما كانش أبوكي بالدم... لكنه كان أبوكي بكل معنى الكلمة."هزت رأسها. "مش عايزة كلام يهون الموضوع.عايزة الحقيقة."اقترب آدم وقال: "الحقيقة إن كريم كان الشخص اللي ربّاكي وحماكي."نظرت إليه بغضب. "وأبويا الحقيقي مين؟"لم يجب.قال فؤاد من بعيد: "أخيرًا وصلنا للسؤال الصح."التفتت إليه سلمى. "إنت تعرف."
الفصل العاشر: لم تتحرك سلمى.ظلت تحدق في آدم وكأنها تنتظر منه أن يضحك ويخبرها أن كل ما سمعته كان مجرد سوء فهم.لكن آدم لم يضحك.لم ينكر.ولم يحاول حتى أن يقترب منها.كان واقفًا في مكانه، وجهه شاحب وعيناه ثابتتان عليها، وكأن اللحظة التي خاف منها طوال سنوات وصلت أخيرًا.قال ياسين بصوت منخفض: "آدم... قول إن الكلام ده مش حقيقي."ظل آدم صامتًا.رفع ياسين صوته: "آدم!"أجاب أخيرًا: "حقيقي."شعرت سلمى بأن قلبها توقف للحظة.تراجعت خطوة، ثم أخرى.قالت: "إنت كنت هناك؟"أومأ آدم.قالت: "في الغرفة البيضاء؟"أجاب: "أيوه."ارتجفت شفتاها. "إنت كنت واحد منهم؟"رفع آدم عينيه إليها. "لا."صرخت: "أمال كنت بتعمل إيه هناك؟"قال: "كنت بحاول أخرجك."ضحكت سلمى بسخرية وهي تمسح دموعها. "كل واحد فيكم عنده نفس الإجابة.حماية.إنقاذ.محاولة إخراجي.طيب ليه أنا فاكرة صوتك؟"لم يجب.اقترب سليم منه بعصبية. "جاوبها."قال آدم: "لأني كنت جزءًا من الفريق."تجمد الجميع.قال ياسين: "فريق إيه؟"قال آدم: "الفريق اللي كان بيتابع المشروع."قالت سلمى: "يعني كنت دكتور؟"هز رأسه. "كنت طبيبًا وباحثًا."قالت: "وبعدين؟"أخذ نفسًا عميقًا. "لما اكتشفت اللي بيحصل للأط
الفصل التاسع: لم تستطع سلمى أن تستوعب ما حدث.كانت واقفة في نهاية الممر، والورقة بين أصابعها ترتجف، بينما المكان الذي كانت تقف فيه أمها منذ لحظات أصبح فارغًا تمامًا.لا صوت، لا حركة، ولا حتى أثر يدل على الطريق الذي أخذته.كانت الجملة المكتوبة على الورقة تتكرر في رأسها: "لو عايزة أمك، تعالي للمكان اللي مات فيه أبوكي." رفعت عينيها نحو آدم.قالت: "إنت متأكد إن البيت ده هو المكان؟" أجاب: "أيوه." "إنت رحت هناك قبل كده؟" صمت. قال ياسين: "آدم، رد." تنهد آدم. "أيوه." قالت سلمى: "إمتى؟" "بعد اختفاء أبوكي بأيام." اقتربت منه. "ولقيت إيه؟" قال: "لقيت البيت مفتوح." "وأبويا؟" "ما لقيتش حد." "طب ليه ما قلتليش؟" نظر إليها. "لأن اللي لقيته هناك كان أخطر من إنك تعرفيه وإنتِ صغيرة." قالت سلمى بغضب: "أنا مش صغيرة دلوقتي!" قال آدم: "عارف." "يبقى بلاش أسرار." أومأ. "البيت كان متفتش بالكامل.كل حاجة مكسرة.الأوراق متبعثرة.والحائط الخلفي كان عليه دم." تجمدت سلمى. "دم؟" "أيوه." "يعني أبويا مات هناك؟" "مش بالضرورة." سأل ياسين: "ليه؟" قال آدم: "لأن الدم كان قديم، لكن مفيش جثة." قالت سلمى: "يعني ممكن يكون عايش وقتها.
لم تتحرك سلمى.كانت تحدق في المرأة الواقفة أمامها، تحاول أن تجد في ملامحها أي شيء مألوف.أي تفصيلة صغيرة يمكن أن تجعل عقلها يصدق الكلمات التي سمعتها للتو.لكن وجه المرأة كان غريبًا عنها تمامًا.لم تعرفه.لم تتذكره.لم تشعر حتى بذلك الإحساس الغريب الذي يأتي أحيانًا عندما نرى شخصًا قديمًا ونشعر أننا عرفناه في مكان ما.لم يكن هناك شيء.قالت سلمى بصوت مرتجف: "إنتِ... أمي؟"ابتسمت المرأة بحزن."أيوه يا سلمى."تراجعت سلمى خطوة."لا."نظر ياسين إليها بقلق."سلمى..."رفعت يدها تمنعه من الاقتراب."محدش يقرب."كانت عيناها على المرأة."أمي ماتت."ردت المرأة بهدوء:"قالوا لك كده."صرخت سلمى:"لأنها ماتت!"قالت المرأة:"لا.أنا عايشة."تدخل سليم لأول مرة."إنتِ مين؟"نظرت المرأة إليه."لسه هتسألني أنا مين يا سليم؟"ساد صمت ثقيل.كان واضحًا من نظرات سليم أنه يعرفها.قالت سلمى:"إنت تعرفها."لم يجب.اقتربت منه."بابا... إنت تعرفها."قال سليم بصوت منخفض:"أيوه.""مين هي؟"نظر إليها طويلًا."اسمها ليلى."شهقت سلمى.الاسم وحده جعل شيئًا يتحرك في داخلها.ليلى.كانت هناك أغنية قديمة في ذاكرتها، كانت تسمعها وهي ط







