Mag-log inلكنها خرجت بشيء أخطر من الملف: *الحقيقة*.
وفي الغرفة المظلمة، وقف إيهاب وحده. مد يده ومسح الغبار عن صورة الشابين الضاحكين. همس لصورة والد ملك: "سامحني يا مازن... لم أكن أعلم أن ابنتك... ستكون عقابي الأجمل." الساعة 9 صباحاً - بهو القصر الرخامي. وقفت ملك الفريد تحمل صينية فضية عليها إبريق شاي ذهبي. بعد ترقيتها لـ "سكرتيرة تنفيذية" صار الكل يراقبها... ويكرهها. فجأة... صوت كعب عالي يضرب الرخام كطلقات. "توقفي!" التفتت. تجمد الدم في عروقها. *ليلى الخالدي* - أم إيهاب. امرأة في الخمسين، لكن وجهها مشدود بعمليات تجميل قصور نوفاريس. فستان أبيض من حرير "فيلار" وثمنه ثروة. عيناها رماديتان كالصلب، وشفتها مطلية أحمر دموي. خلفها 20 خادمة وخادم مصطفين كجنود. الكل منحني الرأس. تقدمت ليلى بخطوات ملكية حتى وقفت أمام ملك. أنفها المرفوع يشم رائحة "الفقر" في ثوب ملك البسيط. "إذن... هذه هي الحشرة التي استحوذت على مكتب ابني" قالت وصوتها عسل مسموم. "ابنة مازن الفريد اللص." مدت يدها وأخذت إبريق الشاي من الصينية. "سمعت أنكِ أصبحتِ ذكية فجأة وأنقذتِ مليار" سكبت الشاي المغلي... ليس في الفنجان. سكبته على يد ملك مباشرة. _أح_ صرخة مكتومة. جلد ملك احمر فوراً وظهرت فقاعات الحرق. لكنها عضت على شفتها حتى سال الدم. لم تصرخ. لم تبك قدامها. الخدم شهقوا. ليلى ابتسمت ابتسامة شيطان. "هذه تحية عائلة الخالدي للضيوف غير المرغوب فيهم يا ابنة اللص" مسحت يدها بمنديل حرير ورمته على الأرض عند قدمي ملك. "نظفيه بلسانك." الصمت قاتل. الكل ينتظر ملك تنهار وتبكي وتتوسل. لكن ملك الفريد رفعت عينيها البنيتين. الألم في يدها لا شيء مقارنة بالنار في صدرها. انحنت ببطء... التقطت المنديل الملطخ بالشاي... ومسحت به الأرض. ثم نهضت. نظرت لليلى مباشرة في العين. لأول مرة خادمة تجرؤ. "شكراً على التحية سيدتي" قالت وصوتها بارد كجليد جبل الذروة. "لكن الكلاب فقط... هي التي تشرب من الأرض. وأنا ابنة الفريد... أشرب من الكؤوس الذهبية فقط." صفعة. ليلى رفعت يدها لتصفعها، لكن يد قوية أمسكتها في الهواء قبل أن تلمس وجه ملك. الكل تجمد. إيهاب الخالدي. ظهر من العدم. بدلته السوداء، وعيناه الخضراوان عاصفة ثلجية. يده القوية تمسك معصم أمه بقبضة حديدية. "أمي" قال بصوت منخفض لكنه هز القصر كله. "في مملكة أزوريث... من يمد يده على من هم تحت حمايتي... يخسر يده." ترك يدها ببرود ودفعها للخلف خطوة. ثم التفت لملك. عيناه استقرتا على يدها المحروقة المتورمة. للحظة واحدة... برق الغضب الخام في عينيه. غضب لم تره مملكة أزوريث كلها من قبل. خلع معطفه الأسود ولفه حول كتفيها المرتجفتين دون كلمة. التفت للحراس: "السيدة ليلى الخالدي ممنوعة من دخول قصر عش الصقر لمدة شهر. بأمري." خرج وهو يسحب ملك من يدها السليمة. ترك أمه واقفة وشاحبة من الغضب. في المصعد الزجاجي، ملك لم تحتمل. ساقاها خارتا وجلست على الأرض تبكي أخيراً... من الألم ومن الصدمة. إيهاب نظر لها من الأعلى. لم يواسها. فقط أخرج علبة مرهم فاخرة من جيبه... نفس المرهم الذي يستخدمه فرسان أزوريث للحروق. جثا على ركبته الواحدة - الصقر الجليدي يركع - وأمسك يدها المحروقة. بدأ يدهن المرهم البارد على جلدها الملتهب بأنامل دقيقة... كأنه يلمس زجاج قابل للكسر. ملك شهقت. هذه أول لمسة حانية من رجل دمر عائلتها. رفعت عينيها له. وجدته يحدق في يدها... ليس في عينيها. "لماذا؟" همست. "لماذا تحميني من أمكِ؟" توقف للحظة. ثم أكمل دهن المرهم دون أن يرفع عينيه. "لأن اليد التي أنقذت مليار درهم أمس... لا تستحق أن تحترق اليوم" قال ببرود. "ولأن... الدين لم يُسدد بعد." المصعد وصل الطابق الخمسين. سحبها للداخل وأغلق الباب.في كهف القلب*، كان *صقر واقفًا عند المدخل، بندقيته معلقة على كتفه، وعيناه معلقتان بالبحر. خلفه، كانت ملك قد غفت أخيرًا بعد يومين من الرعب، ملتحفة بسترته الثقيلة التي تفوح منها رائحة الدخان والبحر، فوق الثياب القديمة التي أعطاها إياها ليث.دخل ليث من ممر جانبي صخري وهو يلهث.قال هامسًا: "يجب أن نخرج الآن."قال صقر دون أن يلتفت: "مستحيل. المد بدأ يرتفع، وبعد ساعة سيُغلق الكهف بالماء. هذا هو المكان الأكثر أمانًا."اقترب ليث منه وقال الجملة التي جعلت صقر يلتفت إليه:"هكذا يفكر الجندي. أما رعد فلا يفكر كجندي، بل كصياد مثلي."فتح ليث جهازه اللاسلكي الصغير وقال: "العم نوح كان يتصل بي كل ساعة ليطمئنني على حال يوسف. مضت ساعتان ولم يتصل. وقبل قليل سمعت هدير محرك قادم من جهة الشمال. ليس محرك نوح الخفيف المتقطع، بل محرك ثقيل، غليظ الصوت... كمحركات زوارق الدورية التي يستخدمها رعد."فهم صقر في الحال. إذا كان نوح قد صمت، فهذا يعني أن رعد قد وصل إليه. وإذا كان يوسف مع رعد، فغيرته ستقوده إليهما. يوسف هو الخريطة.في تلك اللحظة، استيقظت ملك فزعة: "يوسف؟ هل ذكرت يوسف؟ هل هو بخير؟"لم يجبها أحد، وتبادل صق
وصل رعد إلى كوخ صقر القديم مع أول خيط فجر.لم يدخل مباشرة. وقف عند الباب دقيقتين يراقب. لا دخان، لا صوت.لبس قفازاً، وفتح جواله وبدأ يصور كل شيء فيديو قبل أن يلمس أي شيء - هذه قاعدة عسكرية.السرير فارغ. مكان نوم يوسف ما زال دافئاً قليلاً، وبقعة عرق كبيرة على القماش. وعلى الحائط، مكتوب بإصبع: "لا تبحث عني - م"أي جندي عادي سيقول: هربت وكتبت رسالة.رعد لم يقل شيئاً. اقترب من الكتابة وصورها بالماكرو.الدم لونه فاتح، وردي مائل للبني، وليس أحمر قاتم. ولا يوجد أي أثر للتجلط أو لرائحة الحديد المميزة لدم الإنسان. على الأرض بجانب الحائط، وجد علبة سردين فارغة مفتوحة حديثاً.تمتم لنفسه: "دم سمك. أخذ دم العلبة وكتب به... لو كانت ملك فعلاً وتريد الهرب، لماذا تكتب بدم سمك؟ ولماذا حرف ميم فقط؟ الفتاة التي تخاف تكتب (سامحوني) أو تكتب اسمها كاملاً لتبرئ نفسها. حرف واحد يعني أن كاتب الرسالة لا يريد أن يُكشف خطه."ثم نظر للأرض. لم يكن هناك أثر جر واضح كما في الأفلام. كان هناك شيئان لا يلاحظهما إلا صياد:1- خط رفيع متقطع من زيت محركات قديم على الرمل، وصقر لا يستخدم محرك، قاربه مجداف.2- آثار حذاء رجالي م
استيقظت ملك ترتجف.البرد كان ينهش عظمها. ثوبها ممزق، ملتصق بجسدها من قفزتها في البحر، والدم الجاف يلطخ كاحلها المجروح.عند باب الكوخ، كان صقر الحديدي واقفاً، ثابتاً كالصخرة، منظاره معلق على عينيه يمسح الأفق.قال دون أن يلتفت:"جيش إيهاب انسحب. لكنهم تركوا واحداً وراءهم."التفت إليها أخيراً."كلب صيد. واحد فقط، لكنه أخطر من الجيش كله. لو بقيتِ هنا، سيجد رائحة دمك."حاولت ملك أن تغطي جسدها ببقايا ثوبها المبلل.فهم صقر. فتح حقيبته القماشية القديمة بهدوء، وأخرج قميصاً رمادياً واسعاً، وسترة ثقيلة تفوح منها رائحة الملح.وضعها أمامها على الأرض وخرج فوراً، وأدار ظهره للباب احتراماً."البسي هذا. ملابسك ستقتلك قبل أن يجدك هو. يجب أن نتحرك الآن."في الداخل، خلعت ملك ثوبها البارد وارتدت ملابسه. كانت واسعة عليها بشكل مضحك ومؤلم في نفس الوقت. الأكمام غطت كفيها تماماً، والسترة أغرقتها. لكنها كانت دافئة. دافئة لأول مرة منذ يومين. رائحة بحر ورجولة علقت بأنفها، فشعرت فجأة بالأمان.خرجت.نظر إليها صقر من الأعلى للأسفل، وعيناه لانت للحظة."الآن..." قال بابتسامة خفيفة لم ترها من قبل، "الآن أصبحتِ تشبهين أ
لم ينتظر إيهاب المكالمة الثانية.مكالمة يوسف لم تكن مكالمة. كانت شهقة متقطعة، صوت رجل يحترق بالحمى: "ملك... المنحدر... كيثيرا... قفزت..."وانقطع الخط.في الرابعة فجراً، كان البحر الأسود يشق بثلاثة قوارب حربية لا تحمل أضواء. فوقهم طائرة استطلاع صامتة تمسح الجزيرة بحرارة الأجساد. عشرة رجال من حرس أزوريث الخاص، لا يعرفون الرحمة.في مقدمة القارب الأول، كان إيهاب يقف كتمثال من حديد أسود. لم ينم. عيناه حمراوان، وفي يده هاتف لا يضيء إلا على صورة واحدة لملك وهي تضحك.قالها مرة واحدة، بصوت لم يسمعه رجاله منه من قبل:"أريدها حية. حتى لو اضطررتم لانتزاع الجزيرة من البحر."كيثيرا كانت صامتة أكثر من اللازم.البيت الحجري مفتوح. الباب يضرب الجدار مع الريح. في الداخل، صحنان، طعام بارد لم يمس، وبطانية لا تزال دافئة.قال قائد الحرس وهو يفحص الأرض: "سيدي..."كانت هناك آثار أقدام. حافية. صغيرة. لامرأة. تركض. لا تمشي. تركض نحو المنحدر.تبعوها.عند حافة الهاوية، انتهى كل شيء.هناك، على الصخرة المبللة، انقطع الأثر. وتحتها، لا شيء سوى البحر وهو يجلد الصخور بجنون، كأنه يخفي جريمة.همس أحد الرجال: "سقطت من هنا
لم ينم يوسف تلك الليلة.كأن جزيرة كيثيرا كلها صارت صدراً ضيقاً لا يتسع لصراخه. كان يركض كالممسوس، حافياً على صخور الشاطئ، مصباحه يرتجف في يده، وصوته الذي بُحّ لم يعد ينادي اسماً، بل جرحاً."مَلَك! مَلَك!"كان يقتحم الماء، يسبح بين الصخور السوداء، يغوص بلا هواء، ثم يخرج يضرب صدره كأنه يريد أن يخرج قلبه من مكانه."يا قلبي... أنا أحبها... قلبي متعلق بها..."والبحر لم يرد. البحر كان فارغاً، بارداً، وكاذباً. لا جسد، لا أثر، لا وداع.هناك، في أقصى الطرف الآخر من الجزيرة، حيث لا يصل حتى صدى صراخه، كان هناك كوخ خشبي منسي، تأكله الرطوبة.في داخله، كانت ملك مستلقية على سرير خشبي قاسٍ، ترتجف كغصن في عاصفة.الحمى تأكلها، وركبتها تنزف بغزارة من جرح عميق خلفته الصخور، وشفتاها زرقاوان، وملابسها ملتصقة بها، تقطر برداً وموتاً.لم تكن تقوى على الكلام، كانت تهذي، عالقة بين عالمين:"نبض... تالين... حبيباتي لا تتركوني..."وكان بجانبها صقر الحديدي.دون تردد، أبعد عنها الملابس المبتلة التي كانت تسرق آخر دفء فيها، ولف جسدها المرتجف ببطانية صوفية سميكة، ثم أشعل ناراً كبيرة حتى امتلأ الكوخ بدفء وضجيج الخشب الم
كان الهاتف القديم يرتجف في يد ملك.على الطرف الآخر، في برج العاصمة البلورية، كان صوت نبض يأتي مختنقاً بين الغضب والبكاء:"أمي؟ أين أنتِ؟ أعيدي، أين أنتِ؟ تالين مريضة ولا تأكل شيئاً!"همست ملك بسرعة وهي تنظر إلى ظهر يوسف الواقف عند الباب يتظاهر بالبرود:"أنا بخير يا نبض، أنا بخير. اعتنِ بأختك جيداً حتى أعود. أخبر إيهاب أنني..."لم تكمل.انتزع يوسف الهاتف من يدها بقسوة وأنهى المكالمة.قال ببرود متكلف: "اتفقنا أنها لحظة واحدة، وقد انقضت اللحظة."ثم جلس على الكرسي أمام الباب يحرسها، ووضع يده على صدره، يضغط عليه بقوة، وهمس لنفسه بصوت لم تسمعه:"تمهل يا قلبي... تمهل... إنني أهواها وأتصنع الجفاء، هي من استوطنت فؤادي وأنا أسعى لإخفائها عن أعين الناس جميعاً."من شدة الإرهاق، غفت عيناه.ساد الصمت.لم يبق سوى صوت أمواج جزيرة كيثيرا وهي تضرب الصخور.فتحت ملك عينيها ببطء. نظرت إلى يوسف، كان نائماً ورأسه مائل، ويده لا تزال قابضة على صدره حتى في نومه.كانت هذه فرصتها الوحيدة.خلعت حذاءها كي لا تحدث صوتاً، وزحفت نحو النافذة الخلفية للبيت الحجري. فتحتها بصعوبة، فأصدر الخشب صريراً خفيفاً.تجمدت في مكان







