เข้าสู่ระบบفي عرين الأسد المظلم، حيث يجلس أمجد غارقاً في بحر من الخمر والندم، شق سكون المكتبة طرقات خفيفة ومترددة على الباب الخشبي الضخم. "سيدي..." جاء صوت الخادمة من الخارج، حذراً ومترقباً. "هناك فتاة من الجامعة تُدعى نوال تقف عند البوابة الرئيسية. لقد أمرتَ بمنع أي شخص من الدخول، لكنها ترفض المغادرة وتصر بشدة على مقابلتك شخصياً لأمر تقول إنه لا يحتمل التأجيل." عقد أمجد حاجبيه بانزعاج، وكاد أن يأمر بطردها، لكن عقله المنهك واليائس قفز فوراً إلى استنتاج واحد. نوال؟ عدوة ديما اللدودة؟ لماذا تأتي إلى هنا بشحمها ولحمها؟ هل يعقل أنها تعرف شيئاً عن ديما؟ هل جاءت لسبب يخص ديما؟ التقط أمجد هذا الخيط الوهمي بلهفة غريق. "أدخليها فوراً!" هدر أمجد بصوت أجش جعل الخادمة ترتجف خلف الباب. بعد دقائق معدودة، فُتح الباب لتسير نوال بخطوات واثقة، متمايلة، ومدروسة. كانت ترتدي فستاناً أحمر داكناً يبرز منحنياتها، وتضع أحمر شفاه صارخ يعكس نشوة الانتصار التي تتراقص في عينيها الماكرتين. نظرت إلى حالة أمجد الرثة؛ لحيته النابتة، قميصه المفتوح، وعينيه المحمرتين. لقد أدركت أن الألفا الجبار قد تحول إلى مجرد حطام. لم
في مكتبة القصر المعتمة، حيث لم تكن تشتعل سوى نار المدفأة التي أوشكت على الانطفاء، كان أمجد يجلس كظل مهجور وسط الركام. مرت أيام على رحيل ديما، لكن عطرها النقي كان لا يزال عالقاً في ستائر الغرفة، يتحدى رائحة التبغ والويسكي التي ملأ بها المكان. كان مظهره يشي بانهيار داخلي كامل؛ لحيته نابتة وكثيفة، قميصه الأسود مفتوح الأزرار بإهمال، وعيناه المظلمتان محاطتان بهالات حمراء من قلة النوم وكثرة الشرب. بين أصابعه الطويلة والقوية، كان يقبض بعنف على ساعة اليد الفاخرة التي تركتها ديما فوق السرير وسط بتلات الزهور الميتة. كان يحدق بعقاربها وكأنه يحدق في قلبه الذي تيبس في اللحظة التي غادرت فيها. كان يلوم نفسه، يجلد ذاته في كل ثانية؛ ففي عقله المخدر بالذنب، اعتقد أن إهماله وثمالته في تلك الليلة هما ما دفعا قطته الأليفة لتمزيق قيودها واختيار حريتها بعيداً عن جحيمه. لم يكن أمجد يوماً رجلاً طبيعياً، ولم يدّعِ ذلك قط. كان يدرك تماماً ذلك الجموح المظلم الذي يسري في عروقه كالإدمان؛ ذلك الشغف الطاغي بالسادية والسيطرة التامة على الإناث الخاضعات والمسكينات. لم يبحث أمجد في حياته عن علاقة عاطفية متكافئة، و
كانت رحلة التاكسي قصيرة، لكنها كانت كافية لتنقل ديما من جحيم الشوارع إلى جنة الاستقرار الهادئ. وقفت ديما أمام باب خشبي بسيط في حي سكني تملؤه أشجار الياسمين. عندما فُتح الباب، استقبلتها "السيدة خديجة"، امرأة في أواخر الخمسينيات من عمرها، يكسو وجهها الدائري تجاعيد الرضا، وترتدي ثياباً بيتية محتشمة تفوح منها رائحة المخبوزات الدافئة. وخلفها، كانت تختبئ طفلة صغيرة ذات سبع سنوات بعينين واسعتين وفضوليتين، إنها ابنتها "يارا". "أهلاً بكِ يا ابنتي، البيت بيتكِ،" قالت السيدة خديجة بابتسامة أمومية صادقة أذابت جبل الجليد في صدر ديما. أخذتها السيدة خديجة في جولة سريعة، حتى وصلتا إلى غرفتها. كانت غرفة صغيرة مقارنة بجناح أمجد، لكنها كانت تشع بالنظافة والأمان. سرير خشبي ذو ملاءات بيضاء ناصعة تفوح منها رائحة معطر الملابس، نافذة تطل على حديقة صغيرة، وخزانة بسيطة. لأول مرة منذ أيام، شعرت ديما بأنها تتنفس هواءً نقياً لا يخالطه الخوف. في صباح اليوم التالي، استيقظت ديما مبكراً. ارتدت أنظف ما تملكه من ملابس بسيطة، وتوجهت لتبدأ يومها الأول في عيادة الأسنان. كانت العيادة راقية، لامعة، ومنظمة جداً. ا
أدخلت ديما المفتاح الصدئ في قفل باب غرفتها بيدين ترتجفان من فرط الإنهاك. وقبل أن تديره، شق سكون الممر المعتم صوت خطوات ثقيلة ومسرعة تصعد السلم الخرساني خلفها. تجمدت في مكانها، وتراجعت خطوة للخلف بذعر تلتفت لتدافع عن نفسها، لكن أنفاسها احتبست وهي تتفاجأ بـ "أنور" يقف في نهاية الممر المظلم، يلهث بشدة وثيابه مبتلة بقطرات المطر وكأنه كان يركض في سباق ضد الزمن. "ديما! أخيراً وجدتكِ!" قال أنور وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، وعلامات الراحة الطاغية تكتسي وجهه الذي كان شاحباً من القلق. تقدم خطوات سريعة نحوها، وأكمل بنبرة عتاب حادة ممزوجة بالخوف الحقيقي عليها: "لقد كدت أُجن طوال اليوم! اتصلت بكِ عشرات المرات وكان الخط مقطوعاً، وجئت إلى هذا الموتيل البائس ثلاث مرات متتالية ولم أجدكِ في غرفتكِ! أين كنتِ؟ ولماذا هاتفِك مغلق في وقت كهذا؟" نظرت إليه ديما بعينين محمرتين، غائرتين، وخاليتين من أي طاقة. لم تمتلك القدرة على صياغة تبريرات طويلة، ففتحت باب غرفتها بصمت ثقيل ودخلت، فتبعها بهدوء وأغلق الباب خلفه ليحميا أنفسهما من برودة الرواق. "لقد نفد شحن بطاريتي منذ الصباح الباكر..." همست ديما بصوت خافت
بعد أن قرأت ديما رسالة ندى القاسية أمام بوابة السكن الجامعي، شعرت وكأن جاذبية الأرض قد تلاشت، وأنها تسقط في هوة سحيقة لا قاع لها. الكلمات المكتوبة على شاشة هاتفها لم تكن مجرد حروف، بل كانت مسامير تدق في نعش حياتها السابقة. "لا أريد أن أتنفس نفس الهواء الذي تتنفسينه". أغلقت شاشة الهاتف ببطء شديد، ويدها ترتجف بضعف. لم تعد تملك في هذه المدينة الكبيرة صديقاً، ولا مأوى، ولا حتى عائلة تلجأ إليها. استدارت ومشت في شوارع المدينة بخطوات آلية مسلوبة الإرادة، لا تعرف أين تذهب ولا ماذا تفعل. كان العالم حولها يتحرك بسرعة جنونية؛ سيارات مسرعة ترش مياه الأمطار المتراكمة على الأسفلت، ضجيج باعة متجولين يصدح في الأرجاء، وطلاب يضحكون متوجهين لمحاضراتهم، يحتمون بمظلاتهم ومعاطفهم الأنيقة، بينما كانت هي تقف في منتصف كل هذا كشبح منسي، تلتف بسترتها الصوفية الباهتة التي لم تعد تقيها من البرد. ومع كل خطوة ثقيلة تخطوها، كان التوتر النفسي المريع والجوع الكافر ينهشان جسدها الضعيف. وفجأة، ودون أي سابق إنذار، داهمتها موجة غثيان عنيفة وقاسية جداً. لم يكن مجرد دوار عابر، بل شعرت بأن معدتها تتقلص بعنف وحشي، وأن ا
كان الفجر لا يزال يلفظ أنفاسه الباردة عندما عبرت ديما البوابة الحديدية الضخمة لقصر أمجد. وقفت في الشارع الخالي، تحمل حقيبتها الصغيرة المهترئة، وتلتف بسترتها الصوفية الباهتة التي لم تعد تقيها من صقيع هذا العالم. التفتت للمرة الأخيرة لتنظر إلى تلك الجدران العالية التي ابتلعت براءتها وقلبها. لقد خرجت إلى "الحرية"، لكنها حرية موحشة وباردة كالموت. مشت ديما لساعات في الشوارع شبه الخالية، حتى وصلت إلى حي شعبي بعيد عن أحياء الطبقة الراقية ومحيط الجامعة. لم تفكر في الذهاب إلى سكن الطالبات؛ كرامتها المحطمة وروحها المنهكة منعتاها من مواجهة أي وجه مألوف. بما تبقى معها من جنيهات قليلة كانت تخبئها في حقيبتها منذ شهور، استأجرت غرفة مزرية في فندق رخيص (موتيل) بالكاد يصلح للاستخدام الآدمي. كانت الغرفة ضيقة، جدرانها متقشرة، والسرير يئن تحت وطأة الجلوس عليه، بينما يتسرب هواء بارد من نافذتها رديئة الإغلاق. التناقض المرعب بين جناح أمجد الملكي المليء برائحة المسك والدفء، وبين هذه الغرفة العفنة، كان كفيلاً بكسر ما تبقى من تماسكها. جلست على حافة السرير ودفنت وجهها بين يديها، لكنها لم تبكِ؛ لقد جفت دموع







