Masukفي غرفة "مرح" الهادئة، ساد صمت ثقيل بعد أن أنهت الفتاة المحطمة اعترافها. كانت سمر تجلس أمامها، تعتصر ذهنها بحثاً عن طريقة للوصول إلى تلك القائمة المجهولة من الضحايا. "هل تتذكرين أي تفصيل صغير يا مرح؟" سألت سمر بإلحاح هادئ. "اسم مدرسة؟ لون زي مدرسي؟ علامة مميزة لأي فتاة منهن أراكِ سيف صورتها؟" هزت مرح رأسها بأسى، وعيناها تفيضان بدموع العجز، وقالت بصوت مكسور: "لا شيء يا سمر. كان يفتح هاتفه بسرعة، يتباهى بالصور أمامي كأنها إنجازات، ثم يغلقه. لا أعرف أسمائهن، ولا عناوينه، ولا أي شيء. أنا آسفة.. لقد خذلتكِ وخُذلت جاد." تنهدت سمر وأسندت جبهتها على كفيها للحظات. كخبيرة تسويق، كانت تعلم أن الرسالة التي تفتقر للأدلة الداعمة هي رسالة ميتة. لكن فجأة، التمع بريق حاد في عينيها. رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى مرح بابتسامة واسعة، باردة، ومفعمة بالدهاء الخالص. "أنتِ لم تخذلي أحداً يا مرح.." همست سمر، ونهضت لتبدأ في سحب الستائر لتعديل إضاءة الغرفة. "إذا لم نتمكن من الذهاب إليهن في عتمتهن، فسنجعلهن يخرجن إلينا في النور! سنجعل من قصتكِ صرخة توقظ كل من قتلهن الصمت." أخرجت سمر هاتفها، وثبتته على حام
تركت "سمر" المدينة الغاضبة خلفها، واستقلت حافلة متجهة نحو الأطراف الريفية الهادئة. طوال الطريق، كانت عيناها معلقتين بزجاج النافذة، لكن عقلها كان يدور كآلة لا تهدأ. كانت ترتب أفكارها، وتزن خياراتها، وتستعد نفسياً للمواجهة القادمة؛ فهي ذاهبة لتنكأ جراح فتاة محطمة لإنقاذ الرجل الذي تحبه. بعد ساعات من السفر، وقفت سمر أخيراً أمام البوابة الخشبية لمزرعة الجد "محمود الدالي". كان المكان يلفه سكون طبيعي يتناقض تماماً مع العواصف التي تضرب عائلة الحسيني في العاصمة. أخذت نفساً عميقاً، وطرقت الباب. بعد لحظات، فُتح الباب ليظهر الجد "محمود"، بوجهه الوقور وملامحه الطيبة التي حفر عليها الزمن خطوط الحكمة. عقد الجد حاجبيه قليلاً باستغراب وهو يرى فتاة غريبة تقف أمامه في هذا الوقت. "تفضلي يا ابنتي، من أنتِ؟" سأل محمود بصوته الدافئ. حاولت سمر رسم ابتسامة هادئة لتخفي توترها، وقالت بنبرة محترمة: "مرحباً يا عمي.. أنا اسمي سمر. أنا صديقة لمرح من العاصمة، وقد جئت من العاصمة لأراها في أمر ضروري جداً..." تفرس محمود في وجهها للحظة. قرأ في عينيها صدقاً وإلحاحاً لا يمكن تزييفهما، فأومأ برأسه مرحباً
كان الشارع يغلي كخلية نحل غاضبة. في كل ممر، وعلى كل شاشة، وفي كل تجمع، لم يكن هناك حديث يعلو فوق حديث "وحش الحسيني" والطلاب المفقودين. كانت صور "سيف" تملأ الجدران محاطة بعبارات المطالبة بالعدالة، بينما اختفى "جاد" تماماً عن الأنظار إثر تصاعد الاحتجاجات العنيفة. في زاوية نائية وشبه معتمة من كافتيريا الجامعة، كانت "سمر" تجلس متصلبة، تراقب فنجان قهوتها بذهن شارد. رفعت عينيها عندما سُحب الكرسي المقابل لها، ليجلس "فارس". عقدت سمر حاجبيها بقلق وهي تتأمل وجه زميلها. كان فارس يبدو كطيف شاحب؛ عيناه محاطتان بسواد عميق، ويداه ترتجفان بوضوح وهو يضمهما فوق الطاولة. كان يتهرب من النظر إلى شاشات التلفاز المعلقة التي تبث صور المظاهرات، وكأن مجرد رؤية الأخبار تصيبه بنوبة هلع. "فارس.. هل أنت بخير؟" سألته سمر بنبرة قلقة. "تبدو وكأنك لم تنم منذ أيام. هل بسبب ما يحدث لجاد؟ هذه الحملة الإعلامية الجنونية التي شوهته وحولته إلى شيطان في نظر الناس؟" ابتلع فارس ريقه بصعوبة، ونظر إليها بعينين تلمعان برعب دفين، وقال بصوت متقطع: "أنتِ.. أنتِ لا تفهمين يا سمر. الإعلام لم يشوهه... الإعلام لا يعرف حتى عُشر ال
في صباح اليوم التالي، لم تستيقظ المدينة على خيوط الشمس الهادئة، بل على دوي هتافات غاضبة وصوت تحطم الزجاج. أمام أحد أشهر وأفخم مطاعم سلسلة "الحسيني" في ساحة العاصمة، تجمهر المئات من المواطنين والطلاب الغاضبين. تطايرت الحجارة لتخترق الواجهات الزجاجية الفاخرة محولة إياها إلى شظايا متناثرة، وانطلقت عبوات الطلاء الأحمر لتلطخ الجدران الرخامية البيضاء، فتسيل منها كدماء ضحايا وهميين. رددت الحناجر الغاضبة هتافات تطالب بالقصاص من "الوحش" الذي يختطف أبناءهم من المدارس، ورفعت اللافتات التي تندد بسطوة المال فوق القانون. لقد نجحت شرارة "خليل" الرقمية في إشعال حريق مجتمعي حقيقي، حريق لا يمكن إطفاؤه بالرصاص أو الرشاوى. في تلك الأثناء، داخل المكتب الرئيسي لقلعة الحسيني، كان الجد "نادر" يقف أمام شاشة التلفاز الضخمة، يراقب الفوضى التي تجتاح الشوارع بوجه خالٍ تماماً من التعبير، مستنداً بكلتا يديه على عصاه الفضية. فُتح الباب بعنف، ودخل "جاد" بخطوات ثقيلة، وعروق رقبته بارزة من فرط الغضب الذي يغلي في دمه، وخلفه والده "أمجد" الذي بدا متجهماً ومترقباً. "دعني أنزل إليهم يا جدي!" زمجر جاد بصوته
في زاوية مظلمة من شقة كئيبة تفوح منها رائحة القهوة الباردة والسجائر المحترقة، لم تكن هناك إضاءة سوى الوهج الأزرق البارد المنبعث من أربع شاشات حواسيب متراصة. هناك، وسط هذه الفوضى، كان يجلس "خليل". لم يعد ذلك الشاب الجامعي الأنيق، اللعوب، والواثق من نفسه الذي اعتاد الإيقاع بالفتيات. لقد تحول إلى طيف باهت؛ وجهه شاحب كالموتى، عيناه غائرتان بشدة تحيط بهما هالات سوداء عميقة، وشعره مشعث وكأنه لم يذق طعم النوم منذ أسابيع. كان يحدق بهوس مجنون في إحدى الشاشات. المقطع المعروض كان يعاد مراراً وتكراراً ببطء.. مقطع فيديو مهتز صوّره أحد الطلاب خلسة، يُظهر "جاد الحسيني" بسترته السوداء، يسحل "سيف" من شعره عبر باحة المدرسة الثانوية في وضح النهار، بينما تقف سيارة الشرطة في الخلفية بلا حراك! مع كل إعادة للمقطع، كانت دقات قلب خليل تتسارع، وتتجلى أمامه كوابيسه الخاصة. تذكر زمجرة مروحية "غضب الليل"، تذكر برودة هواء المحيط الأسود تحته، وتذكر نفسه وهو راكع على ركبتيه، يبكي كطفل مذعور، يقبل الأقدام ويتوسل من أجل حياته أمام جاد ونادر الحسيني. وجرمه الوحيد؟ أنه أحب "سمر" وحاول التقرب منها. أغمض خليل عيني
انتهى حفل العشاء الذي بدا لـ "سمر" وكأنه حلم دافئ اقتُطع من قصة خيالية. ودّعت عائلة الحسيني بقلب يفيض بمشاعر متناقضة أربكت كيانها؛ فالجدة فاطمة طبعت قبلة حنونة على جبينها، وديما عانقتها بود غريب وعيناها تلمعان بإعجاب خفي وكأنها تعرفها منذ سنوات، وحتى أمجد ونادر ودعاها بابتسامات وقورة لا تليق إلا بملوك متوجين. خرجت سمر إلى باحة القصر الخارجي وهي تلف معطفها الخفيف حول كتفيها فوق فستانها الأزرق، تتوقع رؤية سيارة "الرولز رويس" والسائق بانتظارها كما جاءت. لكنها توقفت في مكانها حين رأت "جاد" يقف مسنداً ظهره إلى سيارة رياضية سوداء لامعة، يطوي أكمام قميصه الحريري ببطء وجاذبية طاغية. أشار جاد للسائق بالانصراف، ثم فتح باب سيارته الرياضية بنفسه، ونظر إليها بعينين داكنتين تبتلعان أضواء القصر، وقال بنبرة هادئة لا تقبل النقاش: "سأوصلكِ بنفسي." لم تجادل سمر. كانت أضعف من أن تقاوم سحره الليلة. ركبت في المقعد المجاور له، وجلس هو خلف المقود. انطلقت السيارة بسلاسة وهدير منخفض لتشق طريقها في شوارع المدينة المظلمة. كان الصمت داخل المقصورة الفاخرة مشحوناً بكهرباء التوتر. كانت سمر تنظر من النا
كانت ديما تجوب غرفتها الضيقة جيئة وذهاباً كأنها نمرة حبيسة تحرث الأرض بقدميها. هذه المرة، لم يكن الصراع مجرد أفكار عابرة، بل كانت معركة طاحنة تمزقها من الداخل؛ بين تربيتها الريفية الصارمة وأخلاقها المحافظة من جهة، وبين ذلك الفضول الأسود والشهوة الغامضة التي استيقظت بداخلها من جهة أخرى. كانت تتش
في الليالي الثلاث التالية، كانت ديما تستلقي في فراشها ويداها معقودتان فوق بطنها بقلق. كانت تخشى أن يأتي "أنور" مجدداً، وأن تضطر لخوض تلك المعركة الطاحنة مع فضولها، خاصة بعد اكتشافها لذلك الثقب الشيطاني خلف اللوحة.لكن... أنور لم يأتِ.مرت الليلة تلو الأخرى، وغرفة ندى هادئة تماماً. في البداية، تنفست
جلست ندى على حافة سرير ديما، تربع ساقيها وتنظر إليها بعينين متسعتين وكأنها ترى كائناً فضائياً."هل تمزحين معي يا ديما؟ تسعة عشر عاماً ولم تلمسي حتى يد شاب؟ لم تعيشي قصة حب ولو مراهقة عابرة؟"تراجعت ديما للخلف، تضم ركبتيها إلى صدرها وكأنها تحمي نفسها من كلمات ندى الجريئة. احمرت وجنتاها بشدة وقالت ب
كان صوت عجلات القطار وهي تضرب القضبان الحديدية أشبه بنبضات قلب "ديما" المتسارعة.جلست بجوار النافذة، تسند رأسها على الزجاج البارد، وتراقب قريتها الوادعة وهي تتلاشى في الأفق، ليحل محلها غابة من الأسمنت والزجاج. المدينة!لأول مرة في حياتها ذات التسعة عشر عاماً، تغادر ديما قريتها. ورغم فستانها القطني







