LOGIN
كان صوت عجلات القطار وهي تضرب القضبان الحديدية أشبه بنبضات قلب "ديما" المتسارعة.
جلست بجوار النافذة، تسند رأسها على الزجاج البارد، وتراقب قريتها الوادعة وهي تتلاشى في الأفق، ليحل محلها غابة من الأسمنت والزجاج. المدينة! لأول مرة في حياتها ذات التسعة عشر عاماً، تغادر ديما قريتها. ورغم فستانها القطني البسيط الذي خاطته والدتها، وحقيبتها القماشية المهترئة، إلا أن وجهها كان لوحة من الجمال الطبيعي النادر؛ بشرة بيضاء نقية كالحليب، وعينان واسعتان تحملان براءة غزال شارد، وشعر أسود فاحم مزموم في ضفيرة طويلة. عندما وقفت أمام بوابات الجامعة، شعرت بالدوار. كان الصرح عظيماً، والطلاب يتجولون بملابس أنيقة وسيارات فارهة. شعرت وكأنها نملة صغيرة في غابة من العمالقة، لكنها ضمت كتبها إلى صدرها بقوة، مصممة على أن تنجح. انتهى بها المطاف في غرفة ضيقة بسكن للطلبة ذوي الدخل المحدود. لم يكن مكاناً فاخراً، لكنه كان قصرها الصغير. وهناك تعرفت على جارتها "ندى"، فتاة من المدينة، جريئة، تضع مساحيق تجميل زاهية، لكنها كانت ودودة ولطيفة مع ديما. في الليلة الثالثة... حدث ما لم يكن في الحسبان. كانت ديما تستلقي على سريرها المفرد، تقرأ كتاباً في هدوء، عندما اخترق أذنيها صوت غريب آتٍ من الغرفة المجاورة. غرفة ندى! عقدت ديما حاجبيها وهي تقترب من الجدار. كان صوتاً مكتوماً... أنين خافت... ثم صرخة قصيرة مكتومة، تلاها صوت خبط ورزع كأن جسداً يُضرب بالحائط! هل هناك من يضربها؟! اتسعت عينا ديما برعب. نبض قلبها بعنف وهي تسمع أنفاساً لاهثة وصوت لهاث عميق. يا إلهي! هناك لص أو مجرم يعتدي عليها! لم تفكر ديما مرتين. البراءة والشهامة الريفية دفعتها للتحرك. خرجت للرواق الرطب حافية القدمين، ودفعت باب غرفة ندى غير المغلق بإحكام. كانت الغرفة شبه مظلمة، لكن ضوء القمر المتسلل من النافذة كشف لها منظراً جعل الدم يتجمد في عروقها. كان هناك شاب ضخم يجثو فوق ندى على السرير، يثبتها تحته بينما هي تئن. صرخت ديما بأعلى صوتها، وتناولت مزهرية زجاجية ثقيلة من على المكتب الصغير قرب الباب، واندفعت نحو السرير كبطلة حرب: "ابتعد عنها أيها المجرم! ابتعد قبل أن أهشم رأسك بهذه المزهرية!" انتفض الشاب برعب، وسقط عن السرير وهو يسب ويلعن، محاولاً سحب الغطاء لستر جسده العاري تماماً. أما ندى، فقد شهقت بصدمة وهي تضم الرداء إلى صدرها العاري، وصرخت بعينين جاحظتين: "يا إلهي! ديما؟! من أين خرجتِ؟!" وقفت ديما تلهث، رافعة المزهرية في الهواء، تنظر للشاب بغضب، ثم لندى برعب: "أليس هذا المجرم يعتدي عليكِ يا ندى؟! لقد سمعتكِ تصرخين وتتألمين!" ضربت ندى جبهتها بيدها في يأس وصدمة، بينما الشاب الذي كان يختبئ خلف السرير لم يستطع تمالك نفسه وانفجر في نوبة ضحك هيستيرية. قالت ندى بوجه محتقن من الإحراج: "ديمااا! ماذا تفعلين بحق السماء؟! توقفي وضعي المزهرية! هذا... هذا ليس مجرماً، إنه صديقي (أنور)!" رمشت ديما عدة مرات، والخوف لا يزال يتملكها: "صديقك؟ هل أنتِ متأكدة؟ هل يبتزكِ؟ هل ستكونين بخير؟" ضحكت ندى هذه المرة، ضحكة متوترة ومحرجة: "نعم يا ديما، أقسم لكِ أنني بخير! فقط... أرجوكِ، غادري الآن وسنتحدث في الصباح." عادت ديما إلى غرفتها، أغلقت الباب، وجلست على سريرها في حيرة تامة. لم تفهم شيئاً! إذا كان صديقها، لماذا كانا عاريين تماماً؟ ولماذا كانت تئن وتصرخ وكأنه يؤذيها؟ ولماذا كان جسده فوق جسدها بتلك الطريقة العنيفة؟ عصرت ديما عقلها البريء، لكن خلفيتها الريفية المحافظة لم تسعفها بأي إجابة، فاستسلمت لنوم مليء بالكوابيس عن مصارعة الأصدقاء العراة. في صباح اليوم التالي، يوم الإجازة. كانت ديما ترتب كتبها بسلام، عندما انفتح الباب فجأة. دخلت ندى كالعاصفة، أغلقت الباب خلفها، ووضعت يديها على خصرها وهي تنظر لديما بعتاب. "ما الذي فعلتيه بالأمس يا ديما؟! لقد أحرجتني لدرجة الموت مع أنور!" نظرت ديما إليها بصدق وعيناها الواسعتان تفيضان بالبراءة: "أنا حقاً لم أفهم ما يحدث يا ندى! سمعت أنينك وصراخك، ظننت أن مكروهاً أصابك أو أن أحداً يقتلك! ولما دخلت، وجدته يضغط عليكِ وأنتِ تئنين تحته... ماذا كان يفعل بكِ بالضبط؟ ولماذا لم تدافعي عن نفسك؟" تلاشت ملامح الغضب من وجه ندى، وحل محلها ذهول حقيقي. اقتربت من ديما، نظرت في عينيها باحثة عن أي أثر للمزاح، لكنها لم تجد سوى البراءة المطلقة. قالت ندى بصوت خافت، والدهشة تعقد لسانها: "ديما... هل أنتِ جادة؟ حقاً... ألم تفهمي ماذا كان يفعل؟!" هزت ديما رأسها نفياً، وعقدت ذراعيها حول صدرها باستنكار: "فكرت كثيراً طوال الليل لكن لا، لم أفهم! والأهم من ذلك... لماذا كنتِ عارية يا ندى؟! ألا تخجلين من الوقوف هكذا أمام شاب غريب؟!" ساد الصمت في الغرفة للحظات، قبل أن ترمش ندى ببطء، وتدرك الحقيقة الصادمة... الفتاة التي تقف أمامها لا تعرف شيئاً عن الحياة، حرفياً.. لا شيء!في اليوم التالي، كانت ديما تجلس في كافتيريا الجامعة بجوار ندى، لكنها كانت حاضرة بجسدها فقط. عيناها شارِدتان في الفراغ، وعقلها يدور في دوامة لا تتوقف من الأفكار المرعبة حول ما فعلته بالأمس، وحول العقد الذي وقّعته. قاطع شرودها اقتراب "عمر"، الذي سحب كرسياً وجلس أمامهما بوجه شاحب يفتقر إلى لونه الطبيعي، وعينين متسعتين من الصدمة. "هل سمعتم ما حدث لسعيد؟ زميلي في السكن؟" سأل عمر بصوت يرتجف. اعتدلت ندى في جلستها باهتمام، بينما تجمدت ديما في مكانها. "ماذا حدث؟" سألت ندى. قال عمر وهو يمسح وجهه بكفيه: "لقد اقتحمت الشرطة سكننا فجر اليوم! ألقوا القبض على سعيد، وصادروا كل أجهزته الإلكترونية وحواسيبه وهواتفه... والمصيبة الأكبر، أنهم عثروا في غرفته على كمية ضخمة جداً من المخدرات المعبأة بغرض التجارة! أنا مصدوم حقاً، أعيش معه منذ زمن ولم أشك لحظة أنه تاجر مخدرات! عقوبة الاتجار بهذه الكمية تصل للسجن المؤبد... وربما الإعدام!" توقفت أنفاس ديما تماماً. بهذه السرعة؟! صرخت في داخلها. لم يمر على توقيعها للعقد سو
وقفت ديما أمام باب خشب البلوط الثقيل، تمسح دموعها بظهر يدها بعنف، وتأخذ أنفاساً عميقة ومتلاحقة لتحبس شهقاتها. ابتلعت الغصة الجارحة في حلقها، رتبت هندامها، واستجمعت كل ما تبقى من أشلاء روحها لتظهر بأكبر قدر ممكن من التماسك. ثم، رفعت يدها المرتجفة، وطرقت الباب. "ادخل." جاء صوته العميق والواثق. أدارت المقبض ودخلت. كان أمجد يجلس خلف مكتبه، يراجع بعض الأوراق. وعندما رفع رأسه ورآها، توقفت يده عن الحركة. ارتفع حاجباه قليلاً في دهشة خفية لم تدم سوى جزء من الثانية، قبل أن تتبدل ملامحه إلى الهدوء التام. نهض من كرسيه، وأشار بيده نحو المقعد الوثير أمامه بترحيب أرستقراطي بارد. "ديما؟ تفضلي بالجلوس. هل أطلب لكِ بعض القهوة لتستردي لون وجهكِ الشاحب؟" جلست ديما على حافة الكرسي، ورفضت القهوة بهزة خفيفة من رأسها. شبك أمجد أصابعه أمامه، وأمال رأسه قائلاً بصوت منخفض: "إذن... لمَاذا ندين بهذه الزيارة الجميلة وغير المتوقعة؟ ما الذي أتى بكِ إلى مكتبي اليوم؟" أخفضت ديما رأسها، ولم تستطع منع دمعة يتيمة من الهروب والتدحرج على خدها. قالت بصوت حزين، منكسر، ولكنه يحمل استسلاماً تاماً: "سيدي... أل
كانت ديما تظن أنها وجدت ملاذها الآمن بين ذراعي ندى. كانت تلك الليالي بالنسبة لها مجرد مسكن للألم، وملاذ مؤقت هربت إليه من وحشية الذكور التي أرعبتها. كلتاهما كانتا تعرفان في قرارة نفسيهما أنهما ليستا مثليتين، وأن أجسادهما خُلقت لتخضع لرجال، لكن هذا كان المتاح والأكثر أماناً في ظل هذا العالم المليء بالذئاب. لكن، كما يُقال: من يهرب من الذئب، قد يسقط في عرين الأسد. في ظهيرة أحد الأيام الكئيبة، رن هاتف ديما. كانت والدتها على الطرف الآخر، لكنها لم تكن تتحدث... كانت تصرخ وتنتحب بصوت يمزق نياط القلب. "ديما! أبوكِ يا ديما... أبوكِ يموت!" سقطت الكتب من يد ديما، وتسمرت في مكانها والدموع تنهمر كالشلال: "ماذا حدث يا أمي؟! أرجوكِ تحدثي!" من بين الشهقات، أخبرتها والدتها أن والدها الحبيب سقط مغشياً عليه في الحقل. قلبه المتعب خذله أخيراً، وهو الآن يرقد في العناية المركزة بين الحياة والموت. الأطباء كانوا حاسمين: يحتاج إلى معجزة للنجاة... عملية زراعة قلب عاجلة في مستشفى تخصصي، تكلفتها تتجاوز الـ 100 ألف دولار! مبلغ خيالي، رقم لم تره عائلتها يوماً حتى في أحلامها. أغلقت ديما الخط، وانهارت على أرض
في إحدى الليالي، كانت ديما تسهر في غرفة ندى. كان الجو دافئاً، وكلتاهما ترتديان ملابس نوم صيفية خفيفة؛ ديما ترتدي قميصاً قطنياً بحمالات رفيعة، وندى ترتدي روباً حريرياً قصيراً. كانت ندى تتقلب على سريرها بضجر واضح، ويبدو أنها كانت تشتعل من الداخل بحرمان جسدي، فأنور لم يعد يزورها كثيراً كالسابق بعد أن أخذ عهداً على نفسه بالابتعاد. كانت ندى ترمق ديما بنظرات فاحصة، تتأمل نعومة بشرتها وانحناءات جسدها التي تبرز من تحت القماش الرقيق. نهضت ندى فجأة، واقتربت من ديما ببطء، وجلست بجوارها. وبحركة بدت عفوية في البداية، مدت يدها وبدأت تلامس ذراع ديما، ثم مررت أصابعها على كتفها العاري. ضحكت ديما بخفة، وأبعدت يدها بلطف قائلة: "ما بكِ يا ندى؟ هل جُننتِ؟ أنا ديما ولست أنور لتعوضي غيابه بي!" ابتسمت ندى ابتسامة ماكرة، ولم تبتعد، بل اقتربت أكثر حتى لامست ركبتها ركبة ديما، وردت بصوت خفيض: "أعرف أنكِ ديما... وأنتِ عندي أجمل وأشهى من ألف رجل. هل تثقين بي يا ديما؟" ردت ديما بابتسامة متسعة: "نعم بالطبع أثق بكِ." قالتها على سبيل المزاح، ظناً منها أن ندى تعبث وتمازحها كما تفعل الفتيات عادة. لكن ندى لم تكن
بالعودة إلى صخب المدينة وجدران السكن الجامعي، انقسمت حياة ديما إلى عالمين متناقضين لا يلتقيان. في النهار، كانت الأمور روتينية، بل ومملة أكثر من اللازم؛ حضور المحاضرات، تدوين الملاحظات، ثم الانغماس في ساعات طويلة من الدراسة العميقة بعد العصر. كانت تمثل دور "الطالبة المثالية" ببراعة، لكن تحت هذا القناع البارد، كان هناك بركان يغلي. كانت ديما تتشوق بجنون لغروب الشمس، تعد الساعات والدقائق لحلول الليل، كي تغلق باب غرفتها، وترتمي في أحضان "عشيقها الوهمي" عبر شاشة الهاتف. توالت الأيام على هذا الروتين السري. لكن، وكطبيعة أي رغبة لا تلجمها حدود، بدأ شريكها الافتراضي يطالب بالمزيد. في إحدى الليالي، وبعد محادثة نصية ساخنة، أرسل لها رسالة جعلت قلبها يقفز: "الكتابة لم تعد تكفي، والصور جامدة. أريد مكالمة فيديو... أريد أن أراكِ تتحركين وتتأوهين في بث مباشر." ترددت ديما كثيراً. كان هذا تجاوزاً لخط أحمر جديد. لكنه بدأ يمارس عليها لعبة الإقناع بمهارة شيطانية؛ أقنعها أن الأمر سيكون أكثر إثارة، حيث سيستطيعان رؤية استجابة بعضهما البعض في اللحظة ذاتها. وتحت تأثير الشهوة التي كانت تعمي بصيرتها، وبحكم أن
انقضت أيام الامتحانات النهائية ككابوس ثقيل، وحزمت ديما حقائبها لتعود إلى قريتها الوادعة لقضاء إجازة منتصف العام التي تمتد لأسبوعين. كانت تظن أن ابتعادها عن ضجيج المدينة، وعن أنور وعمر وأمجد، سيعيد إليها هدوءها القديم وصرامتها المعهودة. في الأيام الأولى، شعرت ديما ببعض السكينة وسط دفء عائلتها. لكن، بمجرد أن كان الليل يسدل ستائره، وتأوي إلى فراشها القطني القديم في غرفتها الصغيرة، كانت تواجه حقيقة مرعبة: عقلها ربما عاد للقرية، لكن جسدها بقي في المدينة. جسدها الذي استيقظ وتذوق طعم اللذة، أصبح يطالب بحقوقه كل ليلة بشراسة. لم يعد الأمر مقتصراً على التنصت على ندى وأنور، لقد تحولت الرغبة إلى جوع دائم يسكن أسفل بطنها. حاولت في إحدى الليالي المظلمة أن تلمس نفسها، أن تداعب أنوثتها دون أي حافز خارجي، لكن الأمر كان ميكانيكياً وبلا روح. لم تشعر بتلك الحرارة، ولم تصل للذروة. كانت بحاجة إلى وقود لتشتعل! في لحظة يأس وفراغ، سحبت هاتفها من تحت الوسادة. فتحت معرض الصور المخفي، وشغّلت ذلك الفيديو القصير الذي التقطته من ثقب الجدار لعضو أنور وهو يخترق ندى. توقعت أن تضربها تلك الصعقة الكهربائية المعتا







