ログインفي الطرف الاخر من المدينة توقفت سيارة سوداء أمام منزل قديم يقع في أحد أحياء الجبل الهادئة.ترجلت فيروز.رفعت نظارتها الشمسية ونظرت إلى المنزل.كان بسيطًا تحيط به حديقة صغيرة.ويبدو أن صاحبه يعيش فيه منذ سنوات طويلة.تقدمت نحو الباب وضغطت الجرس.بعد لحظات فتح الباب رجل تجاوز السبعين من عمره.شعره الأبيض مرتب بعناية.وعيناه تحملان شيئًا من الحذر.نظر إليها مستغربًا وقال:"تفضلي."ابتسمت فيروز وقالت بهدوء:"مرحبًا دكتور كمال هل تسمح لي بدقائق؟"تردد قليلًا ثم فتح الباب أكثر.وأشار إليها بالدخول.دخلت فيروز وجلست في غرفة الجلوس.ساد الصمت.حتى قال الدكتور كمال:"أعتقد أننا لا نعرف بعضنا."ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:"ربما لكنني أعرف عنك أكثر مما تتصور."تغيرت ملامحه قليلًا لكنه بقي صامتًا.قالت وهي تنظر إلى صور قديمة معلقة على الجدار:"خمسون عامًا في خدمة مديرية الآثار ثم تقاعد هادئ."ابتسم ابتسامة متحفظة وقال:"هذه رحلة طويلة."رفعت نظرها إليه وقالت:"لكن هناك محطة في تلك الرحلة لم تغادرها الذاكرة."ساد الصمت.شعر الدكتور كمال بأن الحديث لم يعد عاديًا.فسأل بحذر:"ماذا تقصدين؟"أجابته به
دخلت سلمى مكتبها مبكرًا كعادتها.وضعت حقيبتها على الكرسي.ثم فتحت الستائر دخل ضوء الصباح إلى المكتب.فتحت جدول أعمالها كان اليوم مزدحمًا.مراجعة ثلاثة مشاريع.واجتماع مع فريق الترميم.وتدقيق المخططات النهائية قبل إرسالها إلى البلدية.جلست أمام الحاسوب.وأخذت تراجع الملاحظات التي سجلتها في اجتماع الأمس.هذه المرة كان ذهنها أكثر هدوءًا.منذ أن رأت باسم في محل الملابس اختفى ذلك القلق الذي لازمها منذ علمت بعودته.لم تعد تتساءل إن كان بخير.لقد رأته بعينيها وكان هذا يكفي مؤقتًا.بعد دقائق دخل حسام يحمل بعض الملفات ابتسم وقال:"صباح الخير."رفعت رأسها وردت بابتسامة هادئة:"صباح النور."وضع الملفات على الطاولة وقال:"هذه النسخة الأخيرة من مشروع السوق القديم."فتحتها سلمى.وبدأت تقلب الصفحات بسرعة.توقفت عند إحدى الرسومات وقالت:"يجب تعديل هذا الجدار."اقترب حسام ونظر إلى الرسم.ثم ابتسم وقال:"كنت متأكدًا أنك ستلاحظينه."ابتسمت بخفة وقالت:"لو تركناه كما هو سنفقد توازن الواجهة."هز رأسه موافقًا.ثم جلس إلى جوارها وأخذا يناقشان المشروع بتفاصيله.بعد ساعة دخل بقية المهندسين.وبدأ الاجتماع الصب
في منزل نادرأنزلت نوال الهاتف ببطء.وبقيت تنظر إليه.كانت وحدها في الصالة.تنهدت بهدوء ثم همست:"يبدو أن الأمور لن تبقى هادئة طويلًا."بعد دقائق فُتح باب المنزل ودخل نادر.كان قد عاد للتو من الخارج.خلع معطفه ثم اقترب منها.وسأل:"من كان؟"أجابته بصوت هادئ:"ليلى دعتنا جميعًا إلى العشاء غدًا."توقف نادر لحظة.ثم قال:"جميعًا؟"أومأت برأسها.وأضافت:"باسم أيضًا سيكون هناك."تبادل الزوجان نظرة قصيرة.لم يتكلما.لكن كليهما أدرك أن لقاءً جديدًا بين باسم وسلمى أصبح مسألة وقت.انتهى يوم العمل وكانت جودي تغلق حاسوبها عندما التفتت إلى سلمى.وقالت بابتسامة:"انتهى الدوام."تنهدت سلمى.وأغلقت آخر ملف أمامها.قالت:"وأخيرًا."اقتربت منها جودي وقالت بحماس:"تعالي معي."ابتسمت سلمى وسألت:"إلى أين؟"أجابت جودي:"ما زال ينقصني فستان العرس ولا أثق بذوق أحد غيرك."ابتسمت سلمى للمرة الأولى منذ بداية اليوم.وقالت:"أظن أنك تبالغين."ضحكت جودي."بل أعرف أنك لن تتركيني أبدو سيئة في يوم زفافي."هزت سلمى رأسها باستسلام وقالت:"حسنًا لنذهب."في الجهة الأخرى من المدينة كان عمر ينهي عمله.أخرج هاتفه واتصل بب
دخل طارق مكتبه يحمل كوب القهوة.ألقى التحية على الموظفين.ثم أغلق الباب خلفه وضع جدول أعمال اليوم أمامه.كانت الاجتماعات متتالية وملفات المشاريع تغطي المكتب.لكن ذهنه لم يكن في العمل.منذ حديثه الأخير مع نورا بدأ يعيد النظر في أشياء كثيرة.وفي مقدمتها باسم.تنهد بهدوء.ثم فتح أول ملف.حاول أن يركز في الأرقام.لكنه أغلقه بعد دقائق.ضغط زر الهاتف الداخلي.فدخلت السكرتيرة قالت:"صباح الخير أستاذ طارق."ابتسم وقال:"هل وصل تقرير مشروع بيروت القديمة؟"ناولته الملف وقالت:"وصل قبل قليل."شكرها.قبل أن تخرج توقفت عند الباب.وقالت:"المهندسة نورا بانتظارك في قاعة الاجتماعات."ابتسم للمرة الأولى ذلك الصباح وقال:"سألحق بها."دخل قاعة الاجتماعات.كانت نورا تراجع بعض المخططات.رفعت رأسها وقالت مبتسمة:"تأخرت ثلاث دقائق."ضحك طارق وقال:"بدأتِ تحاسبينني بالدقائق؟"أجابته ضاحكة:"المهندس الناجح يحترم المواعيد."جلس إلى جوارها وبدآ يناقشان تفاصيل المشروع.لكن الحديث لم يظل مهنيًا طويلًا.قالت نورا وهي تغلق الملف:"كيف هو باسم؟"ابتسم طارق.وقال:"يحاول أن يتأقلم."ثم أضاف بعد لحظة:"أشعر أنه يخفي
في الجهة الأخرى من المدينة كان باسم يقود سيارته بصمت.وفي الجهة المقابلة كانت سلمى ما تزال تقف عند النافذة.لم يسمع أحدهما صوت الآخر.لكن تلك النظرة العابرة كانت كافية لتوقظ في قلبيهما كل ما حاولا دفنه خلال مدة الغياب.ظل حسام ينظر إلى سلمى للحظات.كان يقف الى جانبهالكن ذهنها كان في مكان آخر.أعاد لفافة المخططات إلى الحقيبة الجلدية التي يحملها.وقال مبتسمًا:"أظن أنني لن أستطيع منافسة هذه الأفكار التي تدور في رأسك."انتبهت إليه سلمى وقالت معتذرة:"آسفة لم أقصد."ابتسم بهدوء وقال:"لا داعي للاعتذار كل إنسان يمر بأيام يكون فيها أكثر شرودًا."ثم أشار إلى غرفة الاجتماعات"لنكمل الاجتماع."أومأت برأسها وسارا معًالم يلاحظ حسام شيئًا غير طبيعي.لم ير السيارة.ولم يشعر بالنظرات التي مرت بين الشارع والمبنى.كان يظن أن سلمى ما زالت تحتاج إلى وقت لتعتاد فكرة الخطبة.أما الحقيقة فكانت أبعد بكثير مما يتخيل.دخل الاثنان إلى غرفة الاجتماعات.بدأ حسام يشرح مراحل المشروع المقبلة.ويتحدث عن جدول التنفيذ.كانت سلمى تدون الملاحظات.لكنها توقفت أكثر من مرة.وتعيد السؤال عن أمور شرحها قبل دقائق.ابتسم حسام
خرج باسم من مبنى دائرة التنظيم المدني بعد أن أنهى آخر معاملة تتعلق بتسجيل فرع الشركة في لبنان.كان يحمل ملفًا أزرق صغيرًا، بينما أخذ يتقدم ببطء نحو موقف السيارات.رفع رأسه يتأمل الشارع.كانت بيروت مختلفة عن باريس.ضجيج السيارات أصوات الباعة.رائحة القهوة المنبعثة من المقاهي الصغيرة.كل شيء فيها يحمل شيئًا من ذاكرته.ابتسم دون شعور.ثم فتح هاتفه.وجد رسالة من لوران.كيف تسير أمورك في الوطن؟ابتسم بخفة.وكتب:كل شيء بخير. بيروت ما زالت كما تركتها.ظل ينظر إلى الرسالة قبل أن يرسلها.ثم ضغط زر الإرسال.أعاد الهاتف إلى جيبه.وسار نحو سيارته.لكن قبل أن يفتح الباب وقعت عيناه على المبنى المقابل.تجمد في مكانه.قرأ اللوحة المعلقة على المدخل.شركة سلمى للاستشارات الهندسية.شعر بأن قلبه خفق بقوة.لم يكن يعلم أن معاملته ستقوده إلى هذا الشارع.وقف للحظات.وأخذ ينظر إلى المبنى.كم مرة تخيل أنه سيقف هنا.وكم مرة أقنع نفسه أن لقاءها سيكون سهلًا.لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.همس لنفسه:"اهدأ لن يحدث شيء."كان على وشك أن يركب السيارة.لكن باب الشركة انفتح.وخرج عدة العملاء.نظر إليهم دون اهتمام.ثم







