LOGINكانت واجهة متجر فساتين الأعراس تتلألأخلف الزجاج الكبير، اصطفّت الفساتين البيضاء في هدوء، وكأنها تنتظر صاحباتها ليبدأن معها فصلًا جديدًا من الحياة.توقفت سيارة نورا أمام المتجر.ترجلت منها نورا وهي تتنفس بعمق.ابتسمت والدتها وهي تنظر إليها."هل أنتِ مستعدة لرؤية الفستان للمرة الأخيرة؟"ضحكت نورا بخفة."أشعر وكأنني سأراه لأول مرة."وضعت سمر يدها حول ذراع ابنتها."لأن هذه آخر بروفة وبعدها سيصبح فستانك."دخلتا المتجر.ما إن رأتهما مديرة المتجر حتى استقبلتهما بابتسامة واسعة."أهلًا بالعروس الجميلة."ابتسمت نورا بخجل."صباح الخير."قالت المديرة وهي تشير إلى غرفة القياس:"انتهينا من جميع التعديلات التي طلبتها أضفنا اللمسات الأخيرة على الخصر، وعدلنا طول الذيل كما أردتِ."ثم أضافت بابتسامة:"أعتقد أنه أصبح مثاليًا."اختفت الموظفة خلف الستار، ثم عادت وهي تحمل الفستان داخل غطاء أبيض فاخر.فتحته بحرص.انساب القماش الحريري الناصع تحت الإضاءة، بينما انعكست حبات الكريستال المطرزة عليه كبريق النجوم.توقفت نورا تنظر إليه بصمت.في كل مرة كانت ترى الفستان...كانت فكرة الزواج تبدو أقرب إلى الحقيقة.قالت
قبل دقائق من موعد الاجتماعكانت شركة سلمى للهندسة قد استعادت حيويتها المعتادة.يتنقل الموظفون بين المكاتب حاملين المخططات والملفات، بينما كانت أصوات الطابعات والهواتف تمتزج في إيقاع يوم عمل جديد.دخلت سلمى من الباب الرئيسي بخطوات هادئة.ألقت تحية الصباح على موظفي الاستقبال، فرد الجميع بابتساماتهم المعتادة.كان هناك شيء مختلف فيها هذا الصباح.لم تعد تلك النظرة المرهقة التي لازمتها خلال الأسابيع الماضية.لم يكن الحزن قد غادرها لكنه لم يعد يسيطر عليها.كانت أكثر هدوءًا.وأكثر تصالحًا مع نفسها.ربما لأن الليلة الماضية منحتها شيئًا افتقدته منذ سنوات...حين أمسكت فرشاة الرسم من جديد، شعرت وكأنها استعادت جزءًا ضائعًا من روحها.ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تتجه نحو مكتبها.وضعت حقيبتها جانبًا.ثم فتحت الملف الخاص بالاجتماع مع شركة باسم.بدأت تراجع المخططات الهندسية للمشروع بندًا بندًا.تأكدت من الملاحظات التي كتبتها مساء الأمس، ثم رتبت الأوراق داخل ملفات أنيقة، وأضافت إليها نسخة من الدراسة المالية، وأخرى من الجدول الزمني للتنفيذ.لم تترك تفصيلًا دون مراجعة.طرقت جودي الباب بخفة."صباح الخير."رفع
بعد أن أنهى نادر مكالمته مع يوسف، أغلق الهاتف وهو يشعر بأن ثقله ازداد بين يديه.بقي واقفًا في غرفته للحظات.كان يدرك من نبرة يوسف أن الأمر لم يعد يحتمل التأجيل.ارتدى سترته على عجل، ثم خرج من غرفته متجهًا إلى الطابق السفلي.في الصالةكانت نوال ترتب بعض الهدايا التي ستقدم في العرس فوق الطاولة، وإلى جانبها دفتر صغير دونت فيه آخر الملاحظات الخاصة بالزفاف.رفعت رأسها عندما سمعت خطواته.ابتسمت قائلة:"صباح الخير."بادلها الابتسامة، رغم أن القلق كان واضحًا في عينيه."صباح النور."لاحظت أنه يرتدي ملابسه الرسمية في وقت مبكر، فسألته باستغراب:"إلى أين في هذا الوقت؟"اقترب منها وهو يلتقط مفاتيح سيارته من فوق الطاولة."يوسف اتصل بي."تغيرت ملامح نوال قليلًا."خير؟"أجابها بهدوء:"هناك أمر مهم يجب أن نتحدث فيه."لم يشأ أن يزيد من قلقها، فاكتفى بذلك.هزت رأسها بتفهم، ثم قالت وهي تعود لترتيب البطاقات:"أما أنا فستأتي ليلى بعد قليل."ابتسم نادر ابتسامة خفيفة."لتكملا تجهيزات الزفاف؟"أجابت وهي تضحك:"تبقت تفاصيل صغيرة فقط لكنك تعرف النساء، التفاصيل الصغيرة قد تأخذ ساعات."ضحك نادر للمرة الأولى منذ ا
منذ ان انهى يوسف المكالمةبقي جاليا في مكانه، وعيناه معلقتان بالفراغ.كل ما كان يطارده طوال السنوات الماضية بدأ يتحول إلى حقيقة.التسجيل موجود.وفيروز لم تعد تخفي نواياها.أما فؤاد مراد فقد أصبح هدفًا مباشرًا.تنهد يوسف ببطء، ثم اتجه إلى مكتبه.فتح دفتر ملاحظاته، وأعاد قراءة الاسم الذي كتبه في الليلة السابقة.فؤاد.أغلق الدفتر.ثم التقط هاتفه مرة أخرى، واختار رقمًا يعرفه عن ظهر قلب.لم ينتظر طويلًا.جاءه صوت نادر، وقد بدا أنه استيقظ لتوه."صباح الخير يوسف خير إن شاء الله؟"قال يوسف دون مقدمات:"لدينا مشكلة."جلس نادر في سريره مباشرة.اختفى أثر النعاس من صوته."ماذا حدث؟"سكت يوسف لحظة.ثم قال بهدوء:"الرجل الذي اتصل بي قبل أيام عاد واتصل بي قبل قليل."انعقد حاجبا نادر."الشخص المجهول؟""نعم.""ماذا قال؟"اقترب يوسف من النافذة، وأبعد الستارة قليلًا.كان ضوء الفجر قد بدأ ينتشر فوق المدينة.قال بصوت منخفض:"أكد كل شكوكي, قال إنه يملك تسجيلًا كاملًا لاجتماع جمع فيروز بالرجل النافذ."ساد الصمت على الطرف الآخر.ثم سأل نادر:"تسجيل؟""نعم تسجيل يدينهما بالكامل."أخذ نادر نفسًا عميقًا."إذن أ
قبل أن يشرق أول خيط من الفجر...كان الصمت يلف منزل يوسف كعادته.المنزل القديم، الذي شهد سنوات طويلة من خدمته في جهاز التحقيق، بدا ساكنًا تمامًا، حتى عقارب الساعة المعلقة على الجدار كانت تتحرك ببطء يكاد لا يُسمع.كان يوسف نائمًا نومًا خفيفًا.لم يعد يعرف النوم العميق منذ سنوات.منذ أن قرر أن يبتعد عن العمل الرسمي، أصبح عقله يرفض أن يمنحه راحة كاملة، وكأن جزءًا منه ظل محققًا حتى بعد التقاعد.وفجأة مزق رنين الهاتف المحمول سكون الغرفة.فتح يوسف عينيه فورًا.لم يحتج إلى أكثر من ثانية ليستعيد وعيه.مد يده نحو الطاولة الصغيرة بجوار السرير، والتقط الهاتف.نظر إلى الشاشة.رقم مجهول.انعقد حاجباه.في مثل هذا الوقت لا يتصل أحد عبثًا.جلس على حافة السرير، ثم ضغط زر الإجابة دون أن ينطق بكلمة.ساد صمت قصير.ثم جاءه صوت خافت، متردد، كأنه يخشى حتى أنفاسه."أستاذ يوسف...""نعم... من معي؟"تردد الصوت قليلًا قبل أن يقول:"لا يهم من أكون...""المهم أنني أملك شيئًا سيوفر عليك بحث سنوات."تغيرت ملامح يوسف.نهض من السرير، واتجه مباشرة إلى نافذة الغرفة.أزاح الستارة قليلًا.الشارع ما زال غارقًا في الظلام.لا
في منزل نادر...كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساءً.ساد المنزل هدوء دافئ لم يقطعه سوى صوت تقليب الأوراق بين يدي سلمى.جلست على أرضية غرفتها، وقد أحاطت بها عدة صناديق قديمة كانت تؤجل ترتيبها منذ سنوات.ابتسمت بخفة وهي تخرج دمية صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها، ثم وضعتها جانبًا.بعدها وجدت بعض دفاتر الجامعة، ورسائل تهنئة قديمة، وصورًا عائلية أعادتها إلى أيام كانت تبدو فيها الحياة أكثر بساطة.تنهدت وهي تواصل ترتيب أغراضها.وفجأة...توقفت يدها.كان في أسفل الصندوق كتاب قديم.عرفته قبل أن تلمسه.ذلك الكتاب الذي أهداه إليها باسم في عيد ميلادها السابع عشر.ما زالت الصفحة الأولى تحمل خطه."إلى سلمى... لأن بعض الكتب تشبه أصحابها، كلما عدت إليها اكتشفت فيها شيئًا جديدًا."ابتسمت ابتسامة حزينة.مررت أصابعها فوق الكلمات برفق، وكأنها تخشى أن تمحوها.ترددت...هل تعيده إلى الصندوق؟أم تضعه في خزانة الكتب؟أم تخفيه بعيدًا حتى لا تراه مرة أخرى؟ظلت تحدق فيه طويلًا.ثم ضمته إلى صدرها للحظة قصيرة، قبل أن تضعه فوق مكتبها بدلًا من إعادته إلى الصندوق.همست لنفسها:"انتهت الخطبة"ثم سكتت.وأكملت بصوت بالكاد ي







