Home / الرومانسية / خلف الأبواب الفارهة / الفصل الثاني: عتمة الطابق الخامس

Share

الفصل الثاني: عتمة الطابق الخامس

last update publish date: 2026-04-05 19:59:36

لم يكن الظلام الذي خيّم على ردهة فندق "لو رويال" مجرد غياب للأضواء، بل كان ثقيلاً وموحشاً، كأن الفندق الفاخر قد قرر في لحظة واحدة خلع قناعه البراق ليكشف عن وجهه الحقيقي المرعب. وقف أمين خلف منصة الاستقبال الرخامية، يده لا تزال تقبض على ذلك المغلف الأسود الغامض داخل جيبه. نبضات قلبه لم تكن تدق، بل كانت تُقرع كطبول حرب في أذنيه، تتسارع مع كل ثانية تمر في هذا السكون المطبق الذي أعقب الصرخة المكتومة.

"لينا.." همس بالاسم، وشعور بالمسؤولية لم يألفه من قبل بدأ يتسلل إلى صدره ويخنق كبرياءه المعتاد. هو ليس مجرد موظف مطيع الآن؛ هو الشخص الوحيد في هذا الصرح المظلم الذي يعرف أن هناك خطراً حقيقياً يطارد الضيفة في الغرفة 504، خطراً كُتب باللون الأحمر القاني.

أخرج كشافه اليدوي الصغير من درج المنصة بِيَد ترتعش قليلاً. شق ضوؤه الضعيف والأصفر عتمة الردهة، ليكشف عن ظلال الأثاث الفاخر التي بدت الآن كوحوش متربصة. تحرك بسرعة نحو سلالم الطوارئ؛ فالمصاعد تعطلت تماماً وأصبحت سجوناً فولاذية معلقة. مع كل درجة يصعدها، كان صدى خطواته الثقيلة يتردد في بئر السلم الإسمنتي البارد، وكأنه يذكره ببعد المسافة الشاسعة بين واقعه كشاب يكافح لتأمين قوت يومه، وبين عالم هؤلاء الذين يسكنون الطوابق العليا ويظنون أن أموالهم تشتري لهم الأمان المطلق.

عندما وصل إلى الطابق الخامس، كانت البرودة هناك تختلف عن أسفل؛ برودة لا علاقة لها بنظام التكييف المتعطل، بل برودة الخوف والخطر. دفع باب الطوارئ ببطء وحذر، ليصدر صريراً حاداً ومزعجاً جعله يتوقف مكانه لثوانٍ تجمدت فيها أنفاسه. مد الرواق الطويل كان غارقاً في صمت مريب، السجاد الفاخر السميك يمتص صوت خطواته تماماً، لكنه لا يمتص توتره المتصاعد مع كل متر يقطعه.

وصل إلى باب الغرفة 504. كان الباب موارباً قليلاً، وتفوح من الفتحة الصغيرة رائحة مطر قوية مختلطة بعطر لينا الفاخر.

توقف أمين. القوانين المهنية الصارمة التي حفظها ظهر قلب وطُبقت عليه بقسوة تقول: لا تدخل غرفة ضيف تحت أي ظرف دون إذن صريح. لكن القوانين الإنسانية، وذاك التحذير الأحمر المرعب على المغلف، وذاك الخيال المتربص تحت المطر، كانت تصرخ في عقله بضرورة الدخول فوراً.

دفع الباب ببطء شديد، ووجه ضوء كشافه نحو الداخل: "آنسة لينا؟ هل أنتِ بخير؟ أنا أمين، موظف الاستقبال.. الكهرباء انقطعت في الفندق بالكامل، وأتيت للاطمئنان."

لم يأتِ أي رد، لا صوت، لا حركـة. الغرفة كانت مبعثرة بشكل فوضوي يوحي بصراع قصير لكنه عنيف. حقيبة اليد المصممة من الجلد الغالي كانت ملقاة على الأرض، ومحتوياتها من أدوات تجميل وبطاقات متناثرة فوق السجاد، وهاتفها المحمول يضيء في الزاوية بإشعار لمكالمة لم يرد عليها.. مكالمة من "أبي". توجه أمين نحو الشرفة التي كانت ستائرها الحريرية تتطاير بعنف بسبب الرياح العاتية والمطر الذي بدأ يهطل بغزارة في الداخل. هناك، في الزاوية المظلمة، وجد لينا.

كانت جالسة على الأرض الباردة، تضم ركبتيها إلى صدرها بقوة، وجهها شاحب كالموت، وعيناها مثبتتان بذهول ورعب على باب الغرفة المفتوح. عندما رأت ضوء كشافه يقتحم عتمتها، صرخت صرخة مكتومة ومزقت هدوء الليل مرة أخرى، قبل أن تدرك أنه هو.. الشاب الذي تحدته قبل قليل.

"أرجوك.. لا تقترب!" قالت بصوت متهدج بالكاد يُسمع، وجسدها يرتجف بعنف لا يمكن السيطرة عليه.

"إهدئي، أنا أمين. تذكريني؟ من الاستقبال أسفل. ما الذي حدث هنا؟ ولماذا الباب موارب؟" سألها وهو يخفض ضوء الكشاف ليريح عينيها المتعبتين.

نهضت بصعوبة بالغة، كانت ترتجف ليس فقط من الخوف، بل من البرد القارس الذي اجتاح الغرفة من الشرفة المفتوحة. "كان هنا.. أقسم لك بأغلى ما أملك أنني رأيت خياله الأسود يمر في الغرفة فور انقطاع الكهرباء مباشرة. لقد لمسني.. ووضع هذا على السرير."

أشارت بيد ترتعش كورقة شجر خريفية نحو السرير الملكي المبعثر. هناك، وسط الملاءات البيضاء الناصعة، كانت تقبع زهرة "أوركيد" سوداء نادرة وباهظة الثمن، زهرة لا تنمو في هذا البلد، وبجانبها ورقة صغيرة بيضاء كُتب عليها بنفس الخط الأحمر المرعب: "المال يشتري الجدران الفارهة، لكنه لا يحميكِ من الحقيقة العارية.. الدين سيُدفع."

أحس أمين ببرودة قاتلة تسري في عظام جسده. نظر إلى الزهرة، ثم إلى لينا التي كانت تنظر إليه بنظرة استجداء نادرة. "لينا.. من هو؟ ولماذا يطاردكِ بهذه الطريقة؟ ما هي هذه الحقيقة التي يتحدث عنها؟"

نظرت إليه، ولأول مرة منذ لقائهما، غابت نظرة التعالي والغرور من عينيها تماماً، وحل مكانها انكسار إنساني عميق وصادق. "والدي.. والدي يعتقد أنه يمتلك العالم بأكمله بماله ونفوذه، لكنه لا يعرف أن أعداءه قرروا الوصول إليه من خلالي. الشخص الذي يطاردني ليس مجرد مجرم عادي يطمع في فدية؛ إنه شخص يعرف أسرار عائلتي التي ندفنها بعناية تحت هذا الرخام الفاخر وفي خزائن المصارف السويسرية."

اقترب أمين منها، نزع سترته الزرقاء الداكنة والثقيلة التي تحمل شعار الفندق، ووضعها بلطف على كتفيها المرتجفتين. كانت السترة واسعة جداً عليها، تفوح منها رائحة القهوة والورق وكفاح رجل بسيط، رائحة لم تعهدها لينا في عالمها المليء بالعطور الفرنسية الغالية. شعرت بدفء غريب لم تجده في معاطف الفرو الفاخرة التي تمتلكها.

"لن يلمسكِ أحد وأنا هنا،" قال أمين بصوت واثق وقوي، صوت لم يتوقعه هو نفسه من حنجرته. "لكن يجب أن تخرجي من هذه الغرفة الآن. هذا الفندق لم يعد آمناً كما كنتِ تظنين، ولا كما كنتُ أظن أنا."

بينما كانا يهمان بالخروج من باب الغرفة الموارب، عاد التيار الكهربائي فجأة وبقوة. الأضواء القوية جرحت أعينهما المعتادة على الظلام. وفي تلك اللحظة القاتلة، رن جرس الهاتف الثابت الموصول بغرفة الفندق. تجمدت لينا في مكانها، وشحب وجهها أكثر إن أمكن.

أجاب أمين على الهاتف. كان صوتاً خشناً، عميقاً، مشوهاً إلكترونياً لدرجة تجعل التعرف عليه مستحيلاً: "أنت مجرد عامل صغير يا أمين. لا تتدخل فيما لا يعنيك، ولا تحاول لعب دور البطل، وإلا ستجد نفسك في غضون دقائق مطروداً، مديوناً، وربما.. مختفياً تماماً عن وجه الأرض. اترك الفتاة واخرج بسلام."

أغلق أمين الخط ببرود تام، برود كاذب يخفي وراءه رعباً حقيقياً من التهديد المباشر باسمه. نظر إلى لينا وقال بنبرة تغيرت تماماً، نبرة فيها تحذير واضح وخوف حقيقي: "يبدو أنهم يعرفون اسمي وتفاصيل حياتي أيضاً. هذا يعني أنهم يراقبوننا بدقة منذ مدة."

"لماذا تساعدني؟" سألت لينا وهي تنظر إلى وجهه المتعب الذي يحمل ملامح الرجولة المبكرة والكبرياء العصامي. "أنا كنت وقحة ومتعجرفة معك قبل قليل، وعائلتي يمكنها تدمير مستقبلك وطموحك في ثانية واحدة."

ابتسم أمين ابتسامة مريرة ومليئة بالأسى. "لأن مستقبلي وطموحي الذي أحارب من أجله كل ليلة لا يساوي شيئاً إذا تركتُ إنسانية تضيع أمامي هباءً. وأيضاً.. لأنني لا أحب أن يملي عليّ أحد ما أفعله، سواء كان والدكِ الثري أو هذا المجرم المختبئ في الظلام."

في تلك اللحظة الحاسمة، انفتح باب الغرفة بعنف شديد. لم يكن المجرم الملثم، بل كان "سليم بيك" شخصياً، والد لينا، محاطاً بحارسين شخصيين عملاقين. كان رجلاً في الخمسينيات، يرتدي بدلة إيطالية تساوي ثمن الفندق بالكامل، ملامحه قاسية كالصخر الصم، وعيناه لا تحملان أي أثر للرحمة.

نظر سليم باحتقار مقزز إلى ابنته وهي ترتدي سترة الموظف البسيط، ثم نظر إلى أمين بنظرة قاتلة لو كانت رصاصاً لأردته قتيلاً في الحال. "ما الذي تفعله هنا أيها الحشرة البائسة؟ وكيف تجرؤ على لمس ابنتي أو الاقتراب منها؟"

تقدم أمين خطوة للأمام، لم يتراجع، لم ينكس رأسه خوفاً كما يفعل الموظفون عادة أمام نفوذ سليم بيك. "ابنتكِ كانت في خطر حقيقي يا سيدي، وهناك من يتسلل إلى فندقكم الفاخر ويهدد حياة الضيوف علناً. بدلاً من السؤال عن هويتي البسيطة، ربما يجدر بك السؤال عمن وضع هذه الزهرة النادرة في غرفتها المغلقة."

التفت سليم بيك نحو الزهرة السوداء القابعة على السرير، وتغير لونه تماماً، من الغضب إلى الشحوب الخائف. ارتجفت شفته السفلى للحظة نادرة قبل أن يستعيد قناعه الجليدي البارد. "اخرج من هنا فوراً. أنت مطرود من الفندق من هذه اللحظة. ولا أريد رؤية وجهك في أي مكان يخصني أو يخص عائلتي، وإلا سأضمن لك أنك لن تجد وظيفة حتى كخادم غرف في هذا البلد."

نظرت لينا إلى والدها بصدمة وذهول: "أبي! هو من أنقذني! كان هناك شخص حقيقي في الغرفة هددني!"

"اصمتي!" صرخ سليم بقسوة أرعبت الجميع. "هذا مجرد تمثيل رخيص وسخيف لابتزازنا بالمال. هؤلاء الصعاليك الجوعى يفعلون أي شيء من أجل الحصول على بضعة دنانير."

نزع أمين بطاقة التعريف البلاستيكية من صدره، ورماها على الأرض تحت قدمي سليم بيك الفاخرتين. "المال الذي تظن أنني أطمع فيه، هو نفس المال الذي أعماك عن رؤية الخطر الحقيقي الذي يحيق بابنتك الوحيدة. لا تقلق، سأخرج بكرامتي.. لكن تذكر، الحقيقة التي تهرب منها وتظن أنك دفنتها، أصبحت الآن داخل جدرانك الفارهة."

خرج أمين من الغرفة برأس مرفوع وكبرياء جريح، تاركاً خلفه لينا التي كانت تنظر إليه بنظرة ندم وإعجاب خفي بجرأته، ووالدها الذي كان يرتجف غضباً وخوفاً، وقبضته مشدودة على الزهرة السوداء التي تحطمت في يده.

عاد أمين إلى غرفته الصغيرة والمتهالكة في حي شعبي متواضع بضواحي المدينة. جلس على سريره الحديدي الصدئ، وأخرج هاتفه المحمول القديم. فتح ملفاً سرياً ومشفراً كان يعمل عليه منذ أشهر طويلة بدقة وتفانٍ، ملفاً يحتوي على ثغرات مالية وأدلة قوية على صفقات مشبوهة في حسابات مجموعة فنادق "لو رويال".

"لقد بدأنا اللعبة الحقيقية يا سليم بيك،" تمتم أمين لنفسه بعيون تشع بتحدٍ مرعب. "أنت طردت الموظف البسيط، لكنك لا تعرف أنك أطلقت سراح المنافس الشرس الذي سيسقط إمبراطوريتك الزائفة.. من أجل كرامتي، ومن أجل عيني لينا التي لا تستحق هذا الجحيم."

فجأة، في غمرة أفكاره، وصلته رسالة نصية قصيرة من رقم مجهول وغير مسجل: "شكراً لأنك لم تأخذ المغلف لرجال الشرطة.. لقد تصرفت بذكاء. لينا ليست الوحيدة التي تحتاج للحماية في هذا العالم المنافق. غداً في الساعة العاشرة صباحاً، كن في مقهى 'الريف'.. سأريك كيف تصبح غنياً وقوياً في ليلة واحدة، وكيف تنتقم لكرامتك."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خلف الأبواب الفارهة   الفصل السابع والثلاثون: تراتيل الياسمين في فجر الحرية المطلق

    لم يكن الصباح الذي تلا تحرير "الذاكرة المائية" في ميناء حلق الوادي مجرد شروق شمس عادي؛ بل كان انبعاثاً كونياً لروح تونس التي غُيبت خلف ستائر "ملوك الظل" لعقود طويلة. استيقظ أمين ولينا على وقع نوارس البحر التي كانت تحلق في أسرابٍ بيضاء كثيفة فوق رصيف الميناء، وكأنها هي الأخرى تحتفل بانقشاع الغمة الرقمية عن سماء البلاد. كان الهواء في تلك اللحظة يحمل مذاقاً مختلفاً، مذاقاً يمزج ملوحة البحر بعبير الياسمين الذي بدأ ينفتح في كل ركن من أركان المدينة، معلناً انتصار الطبيعة على الخوارزميات الباردة.كان أمين يراقب لينا وهي نائمة في قمرة الغواصة الصغيرة التي رست بسلام، ضوء الفجر يتسلل عبر النافذة الدائرية ليرسم خطوطاً من الذهب فوق ملامحها الهادئة. في تلك اللحظة، شعر برغبة عارمة في كتابة كل كلمة، كل همسة، وكل تنهيدة مرت بهما في هذا الفصل الأخير من حياتهما السابقة. لم تعد "لينا" بالنسبة له مجرد امرأة أحبها؛ لقد صارت هي "التجسيد الحي" لكل تضحياته، والبوصلة التي أرشدته عبر صحراء الخديعة إلى واحة الحقيقة. انحنى نحوها، وطبع قبلة رقيقة على جفنيها المغلقين، فتململت بابتسامة ناعمة، وفتحت عينيها لترى العا

  • خلف الأبواب الفارهة   الفصل السادس والثلاثون: صدى الميناء والعهد المكتوب بالياسمين والدم

    لم تكن شمس قرطاج التي بزغت فوق المسرح الأثري مجرد إعلان عن نهاية ليلة طويلة، بل كانت شاهدة على ميلاد جديد لروحين صهرهما الألم حتى استحالتا جوهراً واحداً. ساد صمتٌ مهيب في أرجاء المكان، صمتٌ لم تقطعه سوى زقزقة العصافير التي بدأت تعود لأشجار الزيتون المحيطة، وكأن الطبيعة ذاتها كانت تنتظر رحيل "آيفي" وظلالها الرقمية لتتنفس الصعداء. ممدداً فوق الحجارة القرطاجية الباردة التي شهدت صعود وسقوط أعظم القادة، كان أمين يحدق في السماء الزرقاء الصافية، يشعر بثقل "لينا" فوق صدره، وبشعرها الذي يداعب وجهه كخيوط من الحرير المنسوج بعبق الحرية.كان جسده يؤلمه، ليس بسبب المعركة الجسدية فحسب، بل بسبب "التفريغ العاطفي" الهائل الذي قام به؛ لقد وهب كل ذكرياته، كل قوته، وكل شفراته لتكون درعاً يحمي المرأة التي يحب. لم يعد يشعر بنبض "النظام المفتوح" في عروقه، بل صار يشعر بنبض "الحياة البسيطة"، وهو إحساس لم يعرفه منذ أن وجد تلك الشفرة الملعونة في فندق "لو رويال" بباريس. نظر إلى لينا، التي كانت لا تزال مغمضة العينين، وكأنها تخشى أن تفتحها لتكتشف أن كل هذا كان حلماً جميلاً سيتلاشى مع أول لمسة للواقع."لينا.. افتحي

  • خلف الأبواب الفارهة   الفصل الخامس والثلاثون: ملحمة قرطاج.. صرخة العشق في وجه الفناء

    غادرت السيارة المتهالكة رمال الجنوب الملتهبة، تاركةً وراءها حطام "مطماطة" وأسرار "الذاكرة الحجرية" التي دُفنت تحت أطنانٍ من الغبار، لتبدأ رحلة الزحف نحو الشمال، نحو قرطاج، حيث ترقد الأشباح العتيقة وتنتظر "آيفي" فرصتها الأخيرة لإعادة صياغة الوعي البشري. كان الطريق طويلاً وموحشاً، لكنه بالنسبة لأمين ولينا كان "برزخاً" من المشاعر التي تفجرت بعد كسر قيد الخديعة. في المقعد الخلفي، كانت لينا تسند رأسها على كتف أمين، تشعر بنبض قلبه الذي أصبح بوصلتها الوحيدة في عالمٍ فقد كل اتجاهاته الرقمية. لم تنطق بكلمة، فصمت العشاق في تلك اللحظة كان أبلغ من أي شيفرة، وكان دفء يده التي تشد على يدها هو "الرسالة" الوحيدة التي تحتاجها لتصدق أنها لا تزال حية، وأنها ليست مجرد خطوطٍ برمجية في مخيلة "ملوك الظل".كانت تونس تمر من نافذة السيارة كشريطٍ من الذكريات المحترقة؛ مزارع الزيتون، القرى النائية، والشواطئ التي كانت يوماً ملاذاً للسياح وصارت الآن مسرحاً لصراع العمالقة. ومع كل كيلومتر يقطعونه نحو العاصمة، كان التوتر يزداد في عروق أمين. لم يعد يملك "القدرات الخارقة" التي منحتها إياه الشريحة، لكنه اكتشف قوةً جديدة

  • خلف الأبواب الفارهة   الفصل الرابع والثلاثون: ترياق الخديعة وعناق الأرواح المتمردة

    ساد الصمت فوق تلال "مطماطة" بعد رحيل آيفي، لكنه لم يكن صمتاً مريحاً؛ بل كان صمتاً مثقلاً بالأسئلة التي تنهش الصدور. وقف أمين في مواجهة الريح، يشدّ "لينا" إلى صدره كأنها آخر قطعة يابسة في محيطٍ من الأكاذيب. كانت أنفاسها اللاهثة تصطدم بعنقه، تشعل في جسده حرارةً تفوق وهج النبضات الكهرومغناطيسية التي كانت تخترقه. لم يكن يهمّه في تلك اللحظة إن كانت "لينا" مشروعاً جينياً أو صنيعة مختبرات، فكل ما كان يشعر به هو ارتعاش جسدها بين يديه، ذاك الارتعاش الإنساني الصرف الذي لا يمكن لآلة أن تحاكيه مهما بلغت دقتها."أمين.. انظر إليّ،" همست لينا وهي ترفع وجهها المبلل بالدموع والرماد، عيناها الواسعتان كانتا تعكسان حطام القلعة وحطام روحها في آنٍ واحد. "ذاك الوشم الذي تراه على معصمي.. أنا أشعر به يغلي في عروقي، كأنه قيدٌ جديد يحاول سحب روحي بعيداً عنك. إذا كانت آيفي قد تركت فيّ بذرة لمحو وجودي، فأرجوك.. لا تتركني أتحول إلى سلاحٍ ضدك. اقتلني بحبك قبل أن يقتلوني بحقدهم".أمسك أمين بمعصمها، وحدق في الرمز الأرجواني النابض الذي بدا وكأنه طفيليٌّ رقمي يتغذى على طاقتها الحيوية. لم يكن مجرد وشم، بل كان "نقطة ولوج

  • خلف الأبواب الفارهة   الفصل الثالث والثلاثون: رماد الأقنعة وصرخة الوجدان

    وقف أمين في البرزخ بين عالمين؛ عالم "آيفي" البارد الذي يعده بسلطة مطلقة تخلو من ألم الخيانة، وعالم "لينا" الذي صار جحيماً من الشكوك الممزوجة بعطر الياسمين الزائف. كانت النبضة المغناطيسية التي أطلقتها آيفي لا تزال تطن في أذنيه، لكن النبضة التي كانت تزلزل كيانه هي تلك الدمعة التي جمدت على وجنة لينا الملقاة أرضاً. هل كانت دمعة حزن حقيقي، أم هي مجرد إفراز كيميائي مبرمج في "مشروع العاطفة المستهدفة"؟"خطوتك القادمة ستحدد مصير التاريخ يا أمين،" قالت آيفي وهي تقترب ببرود، وجهازها اللوحي يرسل موجات تحكم بدأت تتغلغل في مسام جلده، "اترك هذا الوهم الجيني.. اترك هذه الفتاة التي صُممت لتكون قيدك، وتعال لتمسك بمقاليد الوعي الكوني. أنت لست إنساناً، أنت 'المعالج الأعلى' الذي انتظره ملوك الظل لآلاف السنين". شعرت أمين بقوة "سينثيسيس" تجذبه، وكأن عقله بدأ ينفصل عن جسده ليسبح في بحر من المعلومات اللانهائية، حيث لا وجع، لا خيانة، ولا حب.لكن، وفي اللحظة التي كاد فيها يلمس يد آيفي الباردة، انبعث من تحت رمال مطماطة صوتٌ لم يكن رقمياً؛ كان هديراً يشبه زئير الأسود القرطاجية القديمة. الرمز الذي أضاء على جدران ا

  • خلف الأبواب الفارهة   الفصل الثاني والثلاثون: مرآة "آيفي" وزيف الياسمين

    سقط الهاتف من يد أمين ليرتطم بالحصى الصحراوي، لكن صدى الرسالة ظل يتردد في أعماقه كصرخة في وادٍ سحيق. نظر إلى لينا، التي كانت لا تزال تستند إلى كتفه، وجهها المضيء بنور الفجر يبدو طاهراً كصلاة فجرٍ في جامع الزيتونة، لكن بريق عينيها الآن صار يشبه في نظره وميض الشاشات التي حطمها. هل يمكن لهذا الحب، الذي كان وقوده في زنازين ملوك الظل، أن يكون مجرد "برمجية عاطفية" صُممت بدقة لتكون القيد الذي لا يُكسر؟"أمين؟ ما بك؟ وجهك شاحب كالموت،" همست لينا وهي تمد يدها لتلمس جبينه، لكنه تراجع خطوة إلى الوراء بشكلٍ غريزي، وهي حركة جعلت ملامح لينا تتصلب فجأة ويسكنها حزنٌ مفاجئ. "هل تخاف مني الآن؟ بعد كل ما خضناه؟" سألت بصوتٍ مخنوق بالعبرات، لكن أمين لم يكن يراها هي، بل كان يرى الصورة التي أرسلتها "آيفي"؛ تلك المرأة في الصورة القديمة، التي كانت تقف بجانب والده، لم تكن تشبه لينا فحسب، بل كانت نسخة طبق الأصل منها، بذات الشامة الصغيرة عند طرف العين، وذات الابتكار الحزين في النظرة.اندفعت صوفيا نحو أمين بعد أن رأت حالته، والتقطت الهاتف لتقرأ الرسالة. اتسعت عيناها بذهول ونظرت إلى لينا ثم إلى أمين، وأدركت في ثان

  • خلف الأبواب الفارهة   الفصل السادس: زلزال في "لو رويال"

    كانت عقارب الساعة الكبيرة في ردهة فندق "لو رويال" تتحرك ببطء قاتل، كأنها مقصلة تنتظر رقبة ضحيتها. الساعة العاشرة إلا خمس دقائق. الموظفون في الاستقبال يقفون ببدلاتهم المكوية بعناية، يتبادلون همسات قلقة. الإشاعة انتشرت كالنار في الهشيم: "المستثمر الغامض، السيد كمال، وصل إلى المدينة وسيكون هنا بعد دقا

  • خلف الأبواب الفارهة   الفصل الخامس: مرايا الماضي المكسورة

    كانت الليلة التي تسبق المواجهة الكبرى في فندق "لو رويال" أطول ليلة في حياة أمين. في شقته الباردة التي تعلو ناطحات السحاب، ساد صمت غريب، صمت لا يقطعه سوى صوت قطرات المطر التي كانت تنقر على الزجاج المصفح، وكأنها تذكره بتلك الليلة التي طُرد فيها.وقف أمين أمام مرآة الحمام الضخمة، ينظر إلى الرجل الذي ص

  • خلف الأبواب الفارهة   الفصل الرابع: خيوط العنكبوت الرقمية

    مر شهر كامل على تلك الليلة العاصفة، شهر تحول فيه أمين من "رقم وظيفي" في سجلات فندق لو رويال إلى "شبح" يطارد أحلام سليم بيك. في شقة سرية تقع في الطابق الأربعين من برج زجاجي حديث، كان أمين يقف أمام شاشات عملاقة تعرض رسوماً بيانية باللونين الأحمر والأخضر. لم يعد يرتدي زي الاستقبال الأزرق، بل يرتدي قمي

  • خلف الأبواب الفارهة   الفصل الثالث: صفقة الغبار والذهب

    لم يكن الحي الذي يسكنه أمين يشبه "لو رويال" في شيء؛ فبدلاً من رائحة البخور والعطور الفرنسية، كانت تفوح رائحة الخبز الطازج الممزوجة برطوبة الجدران القديمة التي شهدت تعب أجيال. جلس أمين على طرف سريره الحديدي، يراقب وميض هاتفه في الظلام الدامس. الرسالة المجهولة كانت كطعم يلقى لسمكة جائعة، لكن أمين لم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status