ログインارتجفت يد ليان وهي تحدق في الصورة التي التقطتها من أسفل الباب.
كانت سيارة والدها محطمة من الجهة الأمامية، وقد التف الناس حولها، بينما كانت أضواء سيارات الإسعاف تنعكس فوق الإسفلت المبتل. لكن ما شد انتباهها لم يكن السيارة. بل الرجل الواقف على بعد خطوات منها. آدم الكيلاني. كان يرتدي المعطف الأسود نفسه تقريبًا، ينحني فوق شيء لا يظهر في الصورة، ويداه ملطختان بالدم. أما العبارة المكتوبة خلف الصورة، فقد كانت كافية لتزرع الشك في قلبها. "اسأليه لماذا كان أول من وصل إلى والدك قبل موته." ارتفع الطرق على الباب من جديد. — «آنسة ليان... افتحي الباب.» كان الصوت هادئًا، لكنه يحمل إصرارًا غريبًا. ثم جاء صوت آخر، أكثر خشونة: — «لن نؤذيك... نريد المفتاح فقط.» وضعت ليان الصورة داخل جيب سترتها بجوار المفتاح، ثم تراجعت ببطء نحو غرفة والدها. كانت أنفاسها متسارعة، وأفكارها تتصادم داخل رأسها. هل آدم قاتل؟ أم أن أحدًا يحاول إقناعها بذلك؟ تذكرت نظراته أمام الباب. لم يكن يبدو كرجل جاء ليؤذيها. لكنه أيضًا لم يكن يبدو بريئًا. --- فجأة... ساد صمت كامل. توقفت الأصوات خلف الباب. لا طرق. لا حديث. لا خطوات. أصبح الهدوء أكثر رعبًا من الضجيج. اقتربت ليان بحذر من العين السحرية. لم تر أحدًا. الممر فارغ. اختفى الجميع. لكن قبل أن تشعر بالارتياح... اهتز هاتفها. رسالة جديدة. فتحتها بسرعة. "لا تنظري من العين السحرية طويلًا." تجمدت في مكانها. رفعت رأسها ببطء. ثم ابتعدت عن الباب فورًا. كيف عرف المرسل أنها كانت تنظر؟ هل توجد كاميرا؟ هل أحد يراها؟ بدأت تتفقد سقف الممر داخل الشقة. الجدران. زوايا المدخل. لكنها لم تجد شيئًا. --- رن هاتفها فجأة. هذه المرة لم يكن رقمًا مجهولًا. بل... آدم الكيلاني. ترددت. ثم أجابت. جاء صوته منخفضًا ومتعبًا. — «هل أنت بخير؟» قالت بحدة: — «أين أنت؟» — «ابتعدت عن المبنى.» — «هل هربت؟» — «اضطررت.» — «هل كنت تتشاجر مع أولئك الرجال؟» — «نعم.» صرخت: — «ومن يثبت لي أنك لست واحدًا منهم؟» ساد صمت قصير. ثم قال: — «انظري إلى الصورة مرة أخرى.» أخرجتها من جيبها. — «ماذا عنها؟» — «هل ترين الساعة الموجودة فوق سيارة الإسعاف؟» دققت النظر. بالفعل... كانت هناك ساعة إلكترونية صغيرة مثبتة على السيارة. قال: — «اقرئي الوقت.» قالت: — «السادسة وإحدى عشرة دقيقة.» أجاب فورًا: — «وتقرير الشرطة يقول إن الحادث وقع في السادسة وثلاثين دقيقة.» شعرت بالذهول. — «ماذا يعني ذلك؟» — «يعني أن الصورة التقطت قبل الوقت الرسمي للحادث.» ساد الصمت بينهما. كانت المعلومة صادمة. إذا كانت صحيحة... فالتقرير الرسمي كاذب. أو أن الصورة مزورة. قالت: — «كيف تعرف ذلك؟» — «لأنني كنت هناك.» — «ولهذا اتهموك.» — «بل ولهذا يريدون قتلي.» --- أغلقت ليان الهاتف دون أن تنطق بكلمة. لم تعد تعرف ماذا تصدق. كل شخص يقول نصف الحقيقة. كل شخص يخفي النصف الآخر. جلست فوق الأريكة. وضعت رأسها بين يديها. كانت تشعر بأنها تغرق. وفي وسط ذلك الصمت... وقع نظرها على مكتبة والدها. شيء صغير كان يلمع تحتها. ركعت على الأرض. أدخلت يدها أسفل الخزانة. وسحبت قطعة معدنية صغيرة. لم تكن مفتاحًا. بل... وحدة تخزين إلكترونية صغيرة. USB. كان عليها ملصق أبيض كتب عليه بخط والدها: "إذا وصلتِ إلى هذه المرحلة... فلا تثقي بأحد." حبست أنفاسها. كان هذا أول شيء يتركه والدها لها مباشرة. أسرعت نحو حاسوبه المحمول الموجود فوق المكتب. ضغطت زر التشغيل. لكن الجهاز طلب كلمة مرور. أغلقت عينيها. ما هي كلمة المرور؟ جربت تاريخ ميلاده. خطأ. تاريخ ميلادها. خطأ. اسم والدتها. خطأ. بدأ القلق يزداد. ثم تذكرت شيئًا. كان والدها يكرر دائمًا عبارة: "أجمل أيام حياتي بدأت في السابع عشر من يناير." كتبت: 1701 خطأ. ثم كتبت: 17January خطأ. أغلقت الحاسوب بعصبية. لم تكن تعرف. --- رن هاتفها مرة أخرى. هذه المرة... منى. أجابت بسرعة. قالت منى بقلق شديد: — «ليان... أين أنت؟» — «في المنزل.» — «لا تخرجي.» — «لماذا؟» تنهدت منى. — «هناك رجل جاء إلى المقهى الذي أعمل فيه قبل ساعة.» تجمدت ليان. — «ماذا أراد؟» — «كان يحمل صورتك.» تسارعت أنفاسها. — «هل تعرفينه؟» — «لا.» — «ماذا قال؟» ساد صمت قصير. ثم قالت منى: — «سألني إن كنت ما زلت أراك كل يوم.» شعرت ليان بأن الدم تجمد في عروقها. — «وماذا قلتِ؟» — «قلت إنني لا أعرفك.» ابتسمت ليان لأول مرة منذ أيام. — «أحسنتِ.» لكن منى لم تضحك. قالت بصوت مرتجف: — «ليان...» — «نعم؟» — «قبل أن يغادر... قال جملة أخافتني.» — «ماذا قال؟» أجابت منى ببطء: — «قال إن العد التنازلي بدأ... ولم يبق سوى سبعة أيام.» ساد الصمت. سبعة أيام؟ سبعة أيام لماذا؟ قبل أن تسأل... سمعت ليان صوتًا صادرًا من داخل شقتها. صوتًا لم يكن موجودًا قبل لحظات. صوت درج خشبي... يُفتح ببطء. توقفت عن التنفس. كانت وحدها في المنزل. أو... هكذا كانت تعتقد. أنهت المكالمة فورًا. وأمسكت أقرب شيء وجدته أمامها... ثم اتجهت ببطء نحو غرفة والدها. كان الباب نصف مفتوح. والنور مطفأ. لكنها سمعت بوضوح صوت شخص يقلب الأوراق داخل الغرفة. شعرت بقلبها يكاد يقفز من صدرها. دفعت الباب ببطء... فوجدت الدرج السفلي، الذي كان مقفلًا طوال السنوات الماضية... مفتوحًا على مصراعيه. أما الشخص الذي فتحه... فلم يكن هناك.توقفت أنفاس ليان وهي تحدق في الأحرف الثلاثة المكتوبة أسفل الورقة: ن. ع. س، بينما جاء صوت نادر من خلف المكتبة مرة أخرى، أقرب هذه المرة: «ليان؟ أعلم أنك هنا.» التفتت إلى آدم، فرأت في عينيه التحذير نفسه الذي شعرت به داخلها، لكن شيئًا آخر كان أقوى من الخوف، فقد أمضت أيامًا تهرب من أنصاف الحقائق، ولم تعد مستعدة للاختباء كلما ظهر اسم جديد. وضعت الصور والورقة داخل حقيبتها، ثم همست: «لن نبقى هنا.» حاول آدم منعها بإشارة من يده، لكنها فتحت الباب السري قبل أن يفعل، وخرجت إلى المكتب.كان نادر واقفًا قرب الطاولة، وقد تجمدت ملامحه عندما رآها تخرج من خلف المكتبة، ثم ازداد توتره عندما ظهر آدم وراءها. انتقلت عيناه إلى الباب المخفي، وقال بصوت خافت: «إذن وجدتماه.» لم تسأله ليان كيف دخل المنزل، فقد كان يحمل نسخة من المفتاح منذ سنوات بحكم قربه من والدها، لكن السؤال الذي خرج منها كان أكثر أهمية: «هل كنت تعرف بوجود هذا الممر؟»أجاب بعد لحظة: «نعم.»ضحكت بمرارة. «بالطبع، الجميع يعرف أسرار بيتي إلا أنا.»أغلق آدم الباب السري خلفه، ثم وقف قريبًا منها دون أن يتدخل
بقيت ليان تحدق في شاشة هاتفها، تنتقل بين الرسائل القديمة واحدة تلو الأخرى، وكأن نقطة صغيرة في نهاية سطر أصبحت فجأة الحد الفاصل بين من كان يحاول مساعدتها ومن كان يقودها إلى الخطر. لم تكن قد انتبهت إليها من قبل، ولم يكن هناك سبب يدفعها إلى ذلك، لكن بعد اعتراف محمود أصبحت الرسائل تبدو مختلفة تمامًا، بعضها ينتهي بنقطة واضحة، وبعضها ينتهي بلا علامة، كأن شخصين يتحدثان بالصوت نفسه، لكن كل واحد منهما يريد أخذها في اتجاه مختلف. جلست أمام الطاولة، وفتحت دفتر ملاحظاتها، ثم بدأت تصنف الرسائل بحسب ترتيب وصولها، بينما وقف آدم ويوسف بالقرب منها يتابعان بصمت.كتبت في أعلى الصفحة: محمود، وتحتها نسخت الرسائل التي تنتهي بنقطة، كانت معظمها مرتبطة بأشياء قادتها بالفعل إلى أدلة تركها والدها، المفتاح، المستودع، بعض الوثائق، وحتى التنبيه الذي جعلها تعيد النظر في إحدى الصور. ثم كتبت في الجهة الأخرى: المجهول، وبدأت تنقل الرسائل التي لا تحمل النقطة، وسرعان ما ظهر نمط مختلف تمامًا، «لا تثقي بآدم الكيلاني»، الرسائل التي حاولت إثارة شكها في علاقة آدم بوالدتها، التهديد المرتبط بالشقة سبعة عشر، وبعض الصور
ظلت ليان واقفة أمام يوسف الراوي، غير قادرة على استيعاب الرقم الذي نطق به، ثمانية أشهر فقط، لم يكن يتحدث عن ذكرى قديمة أو أثر يعود إلى سنوات اختفاء والدتها، بل عن امرأة كانت حية قبل أقل من عام، بينما كانت ليان تواصل حياتها مقتنعة منذ أكثر من عشر سنوات بأنها ماتت. اقتربت منه حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة، وقالت: «أريد منك أن تعيد ما قلته، وأن تفكر جيدًا قبل أن تجيبني.» لم يحاول يوسف الهرب من نظرتها، وقال بصوت متعب: «رأيت سلمى منذ ثمانية أشهر، كانت حية، تحدثت إليها، وبقيت معها قرابة ساعتين.» شعرت ليان بأن ساقيها لم تعودا تحملانها، فاستندت إلى طرف الطاولة، بينما تحرك آدم نحوها تلقائيًا، لكنها رفعت يدها تمنعه من الاقتراب، لم تكن تريد مواساة الآن، كانت تريد الحقيقة كاملة.سألت يوسف: «أين رأيتها؟» وضع حقيبته فوق الأرض وجلس ببطء، وكأن السنوات ظهرت فجأة فوق كتفيه، ثم قال: «في الإسكندرية، اتصلت بي من رقم لم أعرفه، طلبت أن أقابلها في شقة قريبة من البحر، لم أصدق أنها هي حتى سمعت صوتها.» قاطعته ليان: «ولماذا اتصلت بك أنت؟ الرجل الذي وقّع شهادة وفاتها؟» أطرق يوسف برأسه وقال: «لأ
لم تستطع ليان أن ترفع عينيها عن الصورة، كان الوجه أمامها مألوفًا بطريقة تستفز الذاكرة، الجبهة العريضة، الابتسامة الهادئة، النظرة التي كانت تراها في طفولتها وتربطها تلقائيًا باسم عمي فؤاد، ومع ذلك كانت الوثيقة المفتوحة على الشاشة تقول شيئًا مختلفًا تمامًا: الدكتور يوسف الراوي، الطبيب الذي وقّع شهادة وفاة سلمى، والرجل الذي أكدت داليا أنه شارك في إخفائها داخل مركز الحياة. شعرت ليان بأن ذكرياتها نفسها أصبحت موضع شك، فلم تعد القضية تتعلق بأسرار أخفاها والداها عنها بعد أن كبرت، بل بكذبة بدأت وهي طفلة، واستمرت سنوات حتى أصبحت جزءًا من تاريخ عائلتها.قالت وهي تشير إلى الصورة: «أنا متأكدة منه، كان يأتي إلى منزلنا، كان يحضر لي الهدايا في عيد ميلادي، وكنت أناديه عمي فؤاد أمام أبي وأمي.» جلس آدم أمام الحاسوب وأعاد قراءة الوثيقة، ثم قال: «ربما كلمة عمي لم تكن تعني أنه شقيق مراد، الأطفال يستخدمونها أحيانًا مع أصدقاء العائلة.» هزت ليان رأسها بعناد: «لا، أتذكر أنني سألت أبي مرة لماذا لا يشبهه، فضحك وقال إن الإخوة لا يجب أن يتشابهوا.» توقف آدم عند هذه الجملة، ثم سأل: «هل تتذكرين متى كانت آخ
تجمدت ليان أمام شاشة الحاسوب، ولم تعد تسمع سوى العبارة الأخيرة التي قالتها سلمى: «بعد اختفائي بثلاث سنوات... عدت إلى القاهرة، ورأيتك.» لم يكن عقلها قادرًا على الانتقال إلى الجملة التالية، فقد كانت تحاول استيعاب حقيقة أن أمها، التي بكتها سنوات واعتقدت أنها ترقد تحت التراب، كانت في وقت ما داخل المدينة نفسها، ربما على بعد شارع أو بضعة أمتار منها، ورأتها بعينيها ثم اختارت ألا تقترب. ضغطت ليان أصابعها فوق حافة الطاولة حتى شعرت بألم في مفاصلها، بينما استمر التسجيل.ظهرت سلمى أكبر سنًا مما كانت عليه في مقاطع المركز الطبي، كان شعرها أقصر، وتحت عينيها آثار تعب واضحة، لكنها بدت هادئة وهي تقول: «أعرف ما ستشعرين به عندما تسمعين هذا، وربما لن تسامحيني أبدًا، وليس لي الحق في أن أطلب منك ذلك. عدت لأنني لم أعد أحتمل أن أعرف أنك تكبرين من خلال الصور التي تصلني، أردت أن أراك ولو مرة واحدة، وأن أتأكد أنك بخير، ولهذا وقفت أمام جامعتك وانتظرت.»ارتجفت شفتا ليان، فقد تذكرت تلك الفترة، كانت في العشرين من عمرها تقريبًا، وكانت قد بدأت سنتها الجامعية الثالثة. تابعت سلمى: «خرجتِ مع صديقتين،
ظلت ليان تحدق في التوقيع أسفل الوثيقة، ثم رفعت عينيها نحو آدم الذي كان يقود السيارة بجانبها، لم تعد تعرف أيهما أثقل، اكتشاف أن والدها طلب من سلمى ألا تعود إليها، أم رؤية اسم آدم على اتفاق يبدو أنه كان جزءًا من القرار نفسه. مدت الهاتف نحوه وقالت: «توقف.» نظر إليها سريعًا ثم إلى الطريق، فسأل: «ماذا حدث؟» أعادت الكلمة بنبرة أكثر حدة: «قلت توقف.» أدار السيارة إلى جانب الطريق، وما إن أوقف المحرك حتى وضعت الشاشة أمامه، لم يحتج إلى أكثر من ثوانٍ ليتعرف إلى الوثيقة، ورأت ليان شيئًا في عينيه أكد لها قبل أن يتكلم أنه يعرفها جيدًا.قالت: «هذه المرة لن أسألك إن كنت تعرفها، سأفترض أنك تعرف، وأريد أن تخبرني لماذا يحمل اتفاق يمنع أمي من العودة إليّ توقيعك.» أخذ آدم الهاتف وكبر الصورة، ثم أعاده إليها وقال: «لأن توقيعي حقيقي.» شعرت بأن الغضب يشتعل داخلها، لكنه تابع قبل أن تقاطعه: «أما ما قيل لك عن الاتفاق فليس صحيحًا بالكامل، لم يكن الهدف منع سلمى من العودة إليك، بل إخفاء مكانك عنها فترة محددة، وإخفاء مكانها عنك.» حدقت فيه بعدم تصديق. «وهذا يفترض أن يجعل الأمر أفضل؟ كنت في السابعة عشرة، كنت







