LOGINجنيف – مقهى صغير في حي "ليز أكاسيا" – بعد يومين من قرار هانز كان المقهى صغيراً، بعيداً عن الأنظار، يقع في زقاق ضيق في حي "ليز أكاسيا" الشعبي. لم يكن من الأماكن التي يرتادها الأغنياء أو رجال الأعمال، بل كان ملاذاً للعمال والمتقاعدين الذين يبحثون عن فنجان قهوة رخيص وصحيفة قديمة. اختار فلاديمير هذا المكان بعناية؛ فهو بعيد عن كاميرات المراقبة، ولا يوجد فيه خادم إنترنت، ولا يمكن لأحد أن يربطه بعلي أو بسنان. كان علي قد وصل قبل الموعد بنصف ساعة. جلس على طاولة في الزاوية البعيدة، يطل على الباب الخشبي القديم. كان يرتدي ملابس بسيطة: جينز أزرق، وقميص رمادي، ونظارة شمسية رغم أن الطقس كان غائماً. لم يرد أن يلفت الانتباه. كان يعلم أن هذه المكالمة قد تكون الأخطر في حياته. طلب فنجاناً من القهوة السادة، وجلس ينتظر. كان يشعر بقلقه يزداد مع كل دقيقة تمر. فلاديمير لم يتأخر أبداً في لقاءاتهم السابقة. كان دقيقاً كالساعة السويسرية. لكن التأخير هذه المرة كان يقلقه. في الدقيقة العاشرة بعد الموعد، فُتح الباب الخشبي القديم، ودخل رجل طويل القامة، يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً وقبعة من الصوف تخفي نصف وجهه.
جنيف – مقر الإنتربول الإقليمي – صباح اليوم التالي كان هانز جالساً في مكتبه، أمامه ثلاثة ملفات مفتوحة: ملف سنان، ملف جان لوك، وملف علي. كان يقلب صفحاتها ببطء، وعيناه الزرقاوان تتحركان كمن يبحث عن شيء محدد، شيء قد فاته في القراءات السابقة. منذ أسبوع، وهو يتابع تداعيات الحرب بين سنان وجان لوك. تفجير مستودع مرسيليا، وخطف فؤاد وقتله، ثم هجوم سفينة "أميد"، ثم تفجير المستودع الآخر في مرسيليا. كانت الحرب تتصاعد، والدماء تتدفق، والأبرياء يموتون. وكان هانز يعلم أن هذه الحرب قد تخرج عن السيطرة، وقد تودي بحياة أبرياء كثيرين. وإذا حدث ذلك، فإن ملفاتهم جميعاً ستصل إلى رؤسائه، وعندها سيخسر كل شيء: وظيفته، حريته، وربما حياته. كان أمامه خياران: إما أن يبقى محايداً، يراقب من بعيد، ويتدخل فقط عندما تصبح الأمور خارج السيطرة. وإما أن يختار طرفاً، ويتعاون معه ضد الآخر، على أمل أن يحصل على معلومات تقوده إلى القبض على الجميع في النهاية. في الأسبوع الماضي، اختار الخيار الثاني. اتصل بجان لوك وعرض عليه التعاون. لكن جان لوك لم يرد بعد. كان يختبره، أو ربما كان يخطط لخيانته كما يخطط لخيانة الجميع. هانز ل
مرسيليا – جنوب فرنسا – بعد ثلاثة أيام من هجوم سفينة "أميد" كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة مساءً، والحي الصناعي في مرسيليا هادئ كالعادة في هذا الوقت من الليل. المصانع مغلقة، والمستودعات موصدة، والحراس يتناوبون أمام بوابات الحديد الصدئة. في مستودع رقم 9، وهو مستودع صغير نسبياً مقارنة بالمستودعات المجاورة، كانت تقبع شحنة أسلحة تابعة لجان لوك، في طريقها إلى جماعة مسلحة في مالي. لم تكن الشحنة ضخمة، لكن قيمتها تجاوزت العشرين مليون دولار. لم يكن أحد من رجال جان لوك يعلم أن رجال سنان كانوا يترصدون هذا المستودع منذ أسبوع. كانوا يعرفون مواعيد دخول الحراس وخروجهم، وعددهم، وأسلحتهم، ونقاط ضعفهم. كانوا يعرفون أن المستودع لا يحتوي على كاميرات مراقبة داخلية، وأن الباب الخلفي يمكن فتحه بمفتاح عادي. في الحادية عشرة وخمس دقائق، تحرك ستة رجال ملثمين يرتدون ملابس سوداء نحو الباب الخلفي للمستودع. كانوا يحملون مسدسات كاتمة للصوت، ومعدات قطع حديد. لم يصدر أي صوت سوى خطوات أقدامهم الخفيفة على الأسفلت البارد. قائد الفريق، رجل في الأربعين من عمره يدعى "زياد"، كان من أقدم رجال سنان، وأكثرهم خبرة في العمل
البحر الأحمر – على متن سفينة الشحن "أميد" – بعد ثلاثة أيام من اجتماع التصويت كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً، والبحر هائجاً، والرياح تعصف بسطح سفينة الشحن "أميد". كانت السفينة تبحر تحت علم بنما، وتحمل في حاوياتها أسلحة وذخائر تقدر قيمتها بنحو مئة وعشرين مليون دولار، متجهة من ميناء في رومانيا إلى ميناء بورتسودان في السودان. كانت الشحنة تابعة لسنان، وكانت أكبر صفقة يمررها خلال الأشهر الستة الماضية. على سطح السفينة، كان خمسة من رجال سنان يتناوبون الحراسة. كانوا مسلحين بأسلحة رشاشة، ويرتدون سترات واقية من الرصاص. كانوا متعبين، فالسفينة أبحرت منذ خمسة أيام، وبقي يومان للوصول إلى الميناء. كانوا يتطلعون إلى العودة إلى ديارهم، إلى عائلاتهم، إلى الحياة الطبيعية التي حرموا منها بسبب طبيعة عملهم. لكنهم لم يكونوا يعلمون أن ثلاثة زوارق سريعة كانت تقترب منهم من جهة الشرق، مطفأة الأنوار، محملة بعشرين من رجال جان لوك المدججين بالسلاح. كانت الزوارق تتحرك بصمت، ولا يصدر عنها أي صوت سوى خرير الماء المتقطع. كان رجال جان لوك يرتدون بدلات غطس سوداء، وأسلحتهم مغلفة بأكياس بلاستيكية لحمايتها من الماء ا
عاد الرجال الأحد عشر إلى قصر سنان للمرة الثانية خلال أسبوع. كانت الأجواء مختلفة هذه المرة؛ لم تكن هناك مقدمات طويلة ولا أحاديث جانبية. كان الجميع يعلم أن هذا الاجتماع سيكون حاسماً. في الأسبوع الماضي، أعلن سنان مرضه واعتزاله الوشيك، وطرح ثلاثة مرشحين لخلافته: أورهان التركي، ونزار السوري، وعلي. ثم طلب منهم أسبوعاً للتفكير والتصويت السري. والآن، حان وقت إعلان النتيجة. جلس سنان على رأس الطاولة، ووجهه شاحب أكثر من الأسبوع الماضي، وعيناه غائرتان، لكن نظراته كانت لا تزال حادة. إلى جانبه، كان علي جالساً بظهر مستقيم، يحاول ألا يظهر قلقه. كان يعلم أن مصيره قد يتحدد اليوم. لم يكن يطمح لأن يصبح قائداً لهذه الشبكة؛ كان يريد فقط الخروج من اللعبة حياً. لكنه كان يعلم أيضاً أن الرفض قد يعرضه للخطر. إلى يسار سنان، جلس أورهان التركي، وكانت عيناه الصغيرتان تتحركان بسرعة، تحاولان قراءة ما يخفيه سنان. وإلى جانبه، جلس نزار السوري صامتاً كالعادة، ووجهه لا يعبر عن أي مشاعر. باقي الحضور كانوا متوزعين حول الطاولة، ينتظرون. سنان بصوته العميق: «أصدقائي، لقد مضى أسبوع على اجتماعنا الأخير. أتمنى أن تكونوا قد فك
بيرو – ليما – مدرسة سان إغناسيو الدولية – بعد أسبوع من الوصول كانت الشمس مشرقة فوق العاصمة البيروفية، تلقى بظلالها الذهبية على مباني المدرسة الحديثة الواقعة في حي "سان إيسيدرو" الراقي. كانت المدرسة مختلفة تماماً عن تلك التي اعتاد عليها آدم في لندن؛ جدرانها ملونة باللون الأصفر الفاتح، وفصولها مفتوحة على حديقة واسعة، ورائحة الزهور الاستوائية تملأ المكان. لكن آدم لم يكن يرى جمال المدرسة. كان يرى فقط العيون التي كانت تترصده من كل مكان. دخل إلى فصله الجديد بعد أسبوع من التأخر بسبب وصولهم المتأخر إلى بيرو. كان يرتدي زياً مدرسياً أزرق، وشعره الأسود مصفف بعناية. حاول أن يبدو واثقاً، لكن قلبه كان يخفق بسرعة. المعلمة، سيدة في الأربعين من عمرها تدعى "إيزابيلا"، بابتسامة دافئة: «مرحباً بك يا آدم. هذا هو صفك الجديد. آمل أن تشعر بالراحة معنا.» آدم مبتسماً متكلفاً: «شكراً لكِ سيدتي.» جلست المعلمة آدم في مقعد في الصف الأمامي، بجانب نافذة تطل على الحديقة. كان الطلاب ينظرون إليه بفضول. بعضهم ابتسم، وبعضهم نظر إليه بشفقة، وآخرون لم يهتموا. مر اليوم الدراسي الأول بهدوء نسبي. تعرف آدم على بعض الطلا