LOGINجنيف – فندق الريتز كارلتون – بعد يوم واحد لم يمضِ على مغادرة جان لوك أربع وعشرون ساعة حتى عاد ليطرق باب علي. لكن هذه المرة، كان الطرق مختلفاً. لم يكن واثقاً كالسابق، بل كان سريعاً، نافذاً، كمن أتى ليقول شيئاً لا يحتمل التأجيل. كان علي قد أمضى الليل كله مستيقظاً، يقلب الملفات ويخطط للخطوة التالية. نام قليلاً بعد الفجر، ثم استيقظ على صوت المطر الخفيف الذي كان يضرب زجاج النافذة. لم يتناول إفطاره، واكتفى بثلاثة فناجين من القهوة السوداء التي أعدها بنفسه في غرفته. كان يعلم أن جان لوك سيعود، لكنه لم يتوقع أن يعود بهذه السرعة. فتح الباب، ووقف جان لوك أمامه كالتمثال. كان يرتدي معطفاً رمادياً هذه المرة، وقبعة من الصوف تخفي نصف وجهه. نظارته الشمسية الداكنة لم تفارق عينيه، رغم أن الطقس كان غائماً والممر شبه مظلم. «لقد عدت باكراً،» قال علي وهو يفسح له الطريق. «لم أكن أتوقع رؤيتك اليوم.» «الأمور لا تنتظر،» قال جان لوك وهو يدخل، ثم خلع قبعته ومعطفه وألقى بهما على الأريكة. جلس على الكرسي نفسه الذي جلس عليه بالأمس، لكن هذه المرة كانت وضعيته مختلفة؛ كان مسترخياً، واضعاً ساقاً فوق ساق، كمن جاء
جنيف – فندق الريتز كارلتون – منتصف الليل كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة والنصف ليلاً حين أطفأ عليّ آخر سيجارة له في منفضة الرخام الأبيض. كان الدخان لا يزال يتصاعد في هواء الغرفة البارد، مختلطاً برائحة العطر الفرنسي الفاخر التي تفوح بها أجنحة الفندق. الجدران المكسوة بخشب الجوز الداكن كانت تعكس ضوء القمر المتسلل من النافذة البانورامية المطلة على بحيرة ليمان، حيث كانت أضواء المدينة تتلألأ كجواهر سوداء على سطح الماء الهادئ. لم يكن يشعر بالتعب، رغم أنه لم ينم منذ أكثر من أربعين ساعة. كان يراوده شعور آخر، شيء لم يختبره منذ سنوات: الشعور بأن الخيوط كلها أصبحت في قبضته. كان جالساً على الكرسي الدوار خلف مكتب صغير من خشب البلوط، وأمامه ملف مفتوح يحوي الصور التي أرسلها هانز عن جان لوك، والتسجيلات التي دونها من حديثه مع بيير، والخريطة التي رسمها لعلاقات تاجر الأسلحة الفرنسي في أوروبا. أمامه، على الطاولة الجانبية، كان هاتفه الآمن يرقد كقنبلة موقوتة. كان عليه أن يتصل الآن، قبل أن يغادره الحزم. كان عليه أن يحرك اللعبة إلى مربعها الأخير. نهض من كرسيه ببطء، ومدّ جسده الرياضي المفتول الذ
بعد ثلاثة أيام من لقائه مع جان لوك في جنيف، كان علي جالساً في مكتبه السري خلف القصر. أمامه مبعثرة صور وتقارير أرسلها إليه هانز عبر قنوات مشفرة. كان هانز قد أوفى بوعده: أرسل كل ما لديه عن جان لوك. وكانت المعلومات أكثر مما توقع علي. جان لوك، أو ميشيل لافون كما كان اسمه الحقيقي، لم يكن مجرد وسيط. كان رجلاً له تاريخ طويل من الصفقات المشبوهة، وله علاقات مع أجهزة أمنية فرنسية وألمانية، وكان يمتلك شبكة من الشركات الوهمية تمتد من سويسرا إلى لوكسمبورغ إلى جزر كايمان. لكن نقطة ضعفه الحقيقية كانت أبسط من ذلك بكثير: ابنه. بيير لافون، ابن جان لوك الوحيد من زوجته الأولى، كان شاباً في الثامنة والعشرين من عمره، يعيش في موناكو، ويعاني من إدمان مزمن على القمار. كان مديناً بمئات الآلاف من اليورو لعدة كازينوهات، وكان يدين أيضاً لبعض المرابين الذين هددوه بالقتل إذا لم يسدد ديونه. جان لوك كان يدفع عن ابنه سراً، لكنه كان يخفي ذلك عن شركائه خوفاً من أن يظهروا بمظهر الضعف. ابتسم علي وهو يقرأ التقرير. كان قد وجد الثغرة. أخرج هاتفه، واتصل بهانز. رد هانز بعد الرنة الثانية، وكان صوته متعباً. «هانز، لقد قرأت
في اليوم التالي لعودة علي من جنيف، كانت حلى جالسة على الأريكة في غرفة المعيشة الرئيسية بالقصر. كان الوقت عصراً، والشمس تغرب خلف النوافذ البانورامية، تلقي بظلالها البرتقالية الطويلة على الأرضيات الرخامية البيضاء. كانت ترتدي ثوباً منزلياً بسيطاً من القطن الأبيض، وشعرها الأسود منسدلاً على كتفيها في حالة من الفوضى الجميلة. أمامها على الطاولة، كان كوب الشاي الذي لم تذقه قد برد منذ ساعة، والكتاب الذي كانت تقرأه كان مفتوحاً على نفس الصفحة منذ أن جلست. لم تكن تقرأ. كانت تفكر. كان آدم في المدرسة، وليلى الصغيرة في الحضانة. القصر كان هادئاً، فارغاً تقريباً، والخدم يتحركون في صمت في الأجنحة البعيدة. كانت حلى وحدها مع أفكارها. وكانت أفكارها سوداء. منذ أسابيع، وهي تلاحظ أن علياً تغير. أصبح أكثر عصبية، أكثر انشغالاً، أكثر بُعداً. كان يخرج قبل شروق الشمس ويعود في منتصف الليل، أو يختفي لأيام كاملة بحجة العمل في الخارج. عندما يكون في القصر، يكون جسده معها لكن عقله في مكان آخر. يجلس بجانبها على الأريكة، يمسك يدها، ينظر في عينيها، لكنها لا تشعر بوجوده. كانت تعرف أن علياً يخفي عنها شيئاً. كانت تعرف أنه
كانت الساعة تشير إلى السابعة والنصف مساءً عندما دخل علي جناحه في فندق الريتز كارلتون بجنيف. كان الجناح يقع في الطابق الثاني عشر، ويطل على بحيرة ليمان حيث كانت أضواء المدينة تتلألأ كجواهر مبعثرة على سطح الماء الهادئ. كان الجو بارداً، والثلوج تتساقط خفيفة خارج النافذة، ورذاذ المطر كان يلطخ الزجاج بخطوط فضية رقيقة. اختار علي هذا الفندق بالذات لعدة أسباب: كان محايداً، بعيداً عن أعين عملاء سنان في إسطنبول، وقريباً من المطار إذا اضطر إلى المغادرة بسرعة. كما كان يعرف أن جان لوك يقيم في هذا الفندق غالباً عندما يكون في جنيف؛ فقد كان هذا المكان نقطة التقاء غير رسمية لرجال الأعمال والوسطاء من جميع أنحاء أوروبا. كان يرتدي بدلة رمادية فاتحة وربطة عنق زرقاء، وشعره مصفف بعناية. كان يريد أن يبدو واثقاً، لكن ليس متحدياً. رجل أعمال ناجح يبحث عن فرصة جديدة، لا تاجر أسلحة يخطط لخيانة شريكه. أمامه على الطاولة، كان ملف صغير مغلق يحتوي على بعض المستندات التي تخص شركات وهمية في لوكسمبورغ. كانت تلك هي "الطعم" الذي سيقدمه لجان لوك. صفقة عقارية ضخمة في باريس، تحتاج إلى وسيط متمكن. صفقة قانونية بالكامل، لكنها
كان الوقت الحادية عشرة مساءً عندما دخل علي إلى مكتبه السري خلف القصر في مدينته. المكان هادئ، والحراس في أماكنهم، والأطفال نيام في الطوابق العلوية. اختار هذا الوقت بالذات لأنه كان يعلم أن حلى نامت منذ ساعة ولن يزعجه أحد. جلس على كرسيه الدوار خلف مكتب خشبي داكن، وأشعل سيجارة. كان الدخان يتصاعد في الهواء البارد، وأضواء المدينة تتلألأ خارج النافذة. منذ عودته من إسطنبول قبل ثلاثة أيام، وهو يفكر في جان لوك. ذلك الرجل الغامض الذي دخل قاعة الاجتماع متأخراً، وجلس على الكرسي الفارغ دون أن ينبس ببنت شفة. سنان قدمه كـ"وسيط بين شبكاتنا وبين جهات لا تظهر على أي خرائط". لكن علي كان يعرف أن جان لوك كان أكثر من ذلك. كان المفتاح. مفتاح أوروبا، ومفتاح صفقات قد تغير موازين القوى إلى الأبد. وكان علي يريد أن يمسك بهذا المفتاح بنفسه. لكنه كان بحاجة إلى رقم هاتفه. ولم يكن هانز ليعطيه إياه. هانز لم يكن يثق بعلي إلى هذه الدرجة، وكان يريد أن يظل هو الوسيط الوحيد بين علي والعالم الخارجي. لهذا، قرر علي أن يحصل على الرقم بنفسه. اتصل بأحد رجال الأعمال الأوروبيين الذين التقى بهم في المنتدى الاقتصادي في جنيف قبل أ
ساد صمت مفاجئ، كأنما قطعت يد خفية أنفاس الموسيقى الصاخبة. تراجع الحشد مفسحاً الطريق، واتجهت الأنظار كلها نحو قمة السلم الرخامي العظيم. هناك، ظهر السيد كمال بكامل هيبته الطاغية، يرتدي بدلة "تكسيدو" سوداء كأنها نُسجت من ظلال الليل، وخلفه ريتا التي كانت تبدو كحارسة معبد غامضة، يحيط بهما ثلة من رجال ال
بخطواتٍ تملؤها الحيرة، تبع عليّ ريتا في ردهات الشركة الرخامية التي بدت وكأنها معبدٌ للمال والسلطة. صعدا إلى الطابق الخامس، حيث اختلف الهواء تماماً؛ أصبح أكثر برودة، وأكثر نقاءً، وأشد هيبة. لم تعد المكاتب هنا زجاجية شفافة، بل أبواباً خشبية عتيقة توحي بأن ما يحدث خلفها يغير مصائر دول. توقفت ريتا أم
مرت الأيام الأولى في بيت حسن بهدوء زائف، لكن عين علي، التي صُقلت في مدرسة "عمر" القاسية، بدأت تلتقط تفاصيل لم تكن لتدركها من قبل. لم يعد يرى ريما كفرد من العائلة، بل أصبح يراقبها كمراقب يدرس "أنثى" تعيش حالة من الذبول الاختياري. كان يلاحظها وهي تمشي في أرجاء المنزل؛ ذلك القوام الذي كان يظنه يوماً "
كانت أنفاس علي تصعد وتهبط في صدره الواسع كأنها أمواج هائجة تضرب صخوراً صماء. وقف في الرواق المظلم للبناية، يراقب من خلف زاوية الجدار خروج سيارة "عمر" من المرآب السفلي. وبمجرد أن توارت الأضواء الخلفية للسيارة في عتمة الشارع، شعر علي بأن القيود التي كانت تكبل حواسه قد تحطمت دفعة واحدة. لم تكن الصور ا







