FAZER LOGINوقفتُ بعد عشر دقائق تقريباً. كان عليّ الصمود من أجل طفلتي، وأنا مدركة لذلك تماماً. غسلتُ وجهي ورتبتُ نفسي ثم عدتُ إلى الداخل. كان كنان يتحدث عبر الهاتف: "حسناً يا أمي، لكن هل يمكننا تأجيل الأمر هذه الليلة على الأقل؟"
جلستُ بجانب أمير وأنا أستمع لحديثه مع أمي. ما إن رأتني رضوى حتى ملأت المكان ابتسامات. قال كنان: "سألتقي بأحد أصدقائي." يبدو أنه كان يستأذن منها ليبقاء بجانبي. أخذتُ رضوى من أحضان أمير، وما إن صارت بين يديّ حتى أطلقت صرخة مفعمة بالفرح.
التفت كنان بنظرة سريعة نحو رضوى، ثم بلل شفتيه وهو ينهي المكالمة: "حسناً يا أمي، نحن قادمون." ثم قال لأمير: "أمي تنتظر الجميع على مائدة العشاء هذا المساء."
تنهد أمير بعمق: "هل يصح ألا آتي؟ سأبقى هنا."
نقر كنان بلسانه أصدرت صوتاً جعل رضوى تكركر ضاحكة: "تقول أمي إن العائلة بأكملها ستكون على المائدة، وترى أننا لم نلتقِ منذ فترة طويلة."
أما أنا، فقد فقدتُ مكاني على تلك المائدة العائلية منذ زمن بعيد.
تحولت نظرات أمير إليّ بينما كنتُ مشغولة برضوى؛ كلما ابتسمتْ لي أعدتُ لها الابتسامة. قلتُ بنبرة مرحة في نهايتها: "سأبقى بمفردي هنا، وسأعتني بطفلتي. أليس كذلك يا صغيرتي؟"
بدت رضوى وكأنها فهمت سؤالي فصرخت وهي تضحك. وضعتُ يدي اليمنى خلف عنقها وضممتها إلى صدري. قال كنان: "هل أنتِ متأكدة؟ إن أردتِ وضعنا حراساً عند البوابة."
رددتُ: "صدقني لا داعي، لن يأتي أحد."
نهض كنان وتبعه أمير: "حسناً إذن، أبقي هاتفكِ مفتوحاً، وإن حدث أي شيء اتصلي بنا فوراً."
هززتُ رأسي ونهضتُ مع طفلتي. وعندما تقدما نحو الباب تبعتهما. وما إن وصلنا إلى المخرج حتى انحنى أمير ليصل إلى مستوى رضوى وقال: "لا تتركي والدتكِ بمفردها يا ابنة أخي، فهي سريعة الغضب قليلًا."
ضحكتُ على كلامه: "هل تستأمن طفلتي عليّ؟ ثم إنني لستُ سريعة الغضب!"
غمز أمير لرضوى هذه المرة: "أرأيتِ؟" أطلقت رضوى صرخة فرح بين كركراتي. وفجأة ودون مقدمات، أمسك أمير برأسي وطبع قبلة على جبهتي: "اعتني بنفسكِ وبابنة أخي يا جميلتي."
ارتسمت على وجهي ابتسامة شاحبة: "وانتما أيضاً اعتنيا بنفسيكما."
وقفتُ أراقبهما وهما يغادران المنزل، وما إن اختفيا عن الأنظار حتى أغلقتُ الباب. صعدتُ مع رضوى إلى الطابق العلوي. وعندما فتحتُ باب الغرفة المجاورة لغرفتي، أُصبتُ بالذهول. كنتُ أقف عند العتبة، وهذه هي المرة الأولى التي أرى فيها الغرفة بهذا الجمال.
قبل أن أخطو خطوة واحدة، لفحت وجهي دفء لطيف. كان كل شيء منظماً وهادئاً للغاية، وكأن الغرفة تهمس لي: "كوني هادئة."
وقعت نظراتي أولاً على المهد الأبيض المفرود أمام النافذة. كانت أشعة الشمس تتسلل عبر الستائر الشفافة لتقع عليه، ولم أستطع منع نفسي من تأمل تلك اللحظة؛ بدا وكأن الوقت يمر ببطء أشد هنا، وشعرتُ وكأن المهد يحتضن حياة جديدة لم تُمسّ بعد.
نظرتُ إلى جدران الغرفة؛ كانت مزينة بازهار صغيرة، وأشكال للهلال، ولوحات أنيقة... كلها اختيرت بعناية فائقة. شعرتُ بمدى اهتمام ودقة من أعدّ هذه الغرفة. غمرني طمأنينة غريبة، رافقها تردد خفيف، وكأن هذا المكان لا ينتمي إليّ لكنه يفتح ذراعيه ليستقبلني.
خطوتُ خطوة نحو السجادة الدائرية في المنتصف، ففاجأتني نعومتها تحت قدمي. كانت ألعاب البلوش والبطانيات والملابس الصغيرة المنتشرة في الأرجاء تبدو وكأنها تفتح لي باباً على عالم رقيق.
ورغم أنني أدخل هذه الغرفة للمرة الأولى، إلا أنني شعرتُ بألفة غريبة، وكأن المكان يختزن رائحة لحظات لم تُعش بعد، وأنا أقف عند بدايتها.
"كيف وجدِ الغرفة التي ستُقيمين فيها لفترة قصيرة يا حبيبتي؟"
رفرفت طفلتي بيديها وقدميها وهي تصرخ بحماس. ضحكتُ على هيئتها وهززتُ رأسي: "أنا أيضاً أراها جميلة جداً."
جلستُ على المقعد المريح وفتحتُ قميصي، فبدأت طفلتي بالرضاعة فوراً دون إضاعة أي وقت.
***
POV:
استقرت عائلة إسماعيل في أماكنها حول المائدة. أعدت السيدة زليخة الأطعمة باعتناء وقدمتها لأبنائها؛ إذ لم تجتمع العائلة بهذا الشكل منذ وقت طويل. ومع ذلك، كان هناك نقص يدركه الجميع؛ فقد كان هناك مقعد فارغ على الطاولة.
على الجانب الآخر، كانت ليليان تأكل شطيرة باقتضاب تحت الضوء الخافت للمطبخ بعد أن أنامت طفلتها. كانت تأكل بصعوبة وهي تعاني من مزيج من الغضب، والكسرة، والكره، والندم... وكانت كل تلك المشاعر موجهة نحو شخص واحد اسمه مالك.
كان أمير، أكثر أعضاء العائلة مرحاً وحديثاً، مشغول الفكر بأخته وابنتها التي عرفها للتو. أما كنان، فقد حافظ على صمته وهو يتخيل كيف سينال من مالك بالضرب. وفي المقابل، كان الأخ الأوسط مراد هادئاً هذه الليلة.
لم يعد لـ ليليان مكان على هذه المائدة؛ حتى أن إسماعيل بيك كان قد حرق مقعدها بعد تلك الليلة الشؤماء. قالت السيدة زليخة بنبرة مبهجة: "هيا يا أبنائي، أبدأوا الأكل."
بدأ مراد يأكل ما في طبقه وهو يرغب في النهوض؛ إذ كانت أخته تجلس عادة في هذا المقعد. ورغم أنه يحمل الضغينة تجاهها حالياً، إلا أن جلوسه في مكانها كان يؤلمه.
قال إسماعيل بيك بنبرة تهكمية: "تعرض مالك لإطلاق نار بالأمس في فرنسا، والمثير للدهشة أنك أنت وأمير كنتما هناك أيضاً."
أخذ كنان نفساً عميقاً؛ فهو لم يكن يحب ذلك الوغد، لكنه لم يكن ليرتكب خيانة كهذه، فهذا يخالف أصوله: "ذهبتُ إلى فرنسا من أجل شركائنا في العمل. لقد أصبحنا أقوى الآن، وأخطط لنيل شهرة واسعة على مستوى العالم."
ضحك مراد ضحكة قصيرة: "وإلى أي مدى تريد أن تشتهر بعد؟ أنتم بالفعل تحت الأضواء بسبب صراعكم مع مالك."
ابتسم كنان ابتسامة ساخرة: "أريد المزيد." ثم توقف والتفت نحو أبيه: "ولا علاقة لي بإطلاق النار على ذلك الوغد."
غرس إسماعيل بيك شوكته في قطعة اللحم أمامه وأكلها: "جيد، سنعقد اتفاقاً مع الرجل، ولا أريد لمثل هذه الأمور أن تقف عائقاً." أحدثت كلماته أثراً كزلزال على المائدة.
سألت السيدة زليخة: "أي اتفاق يا إسماعيل؟"
التفت إسماعيل بيك ونظر إلى زوجته الجميلة ذات الشعر الأشقر: "لإنهاء هذه العداوة يا جميلتي."
سخر كنان بنشاز: "عداوتنا مع ذلك الرجل لن تنتهي يا أبي."
نظر إسماعيل بيك إلى كنان ببطء: "ستنتهي، وسينتهي هذا الصراع الأحمق بينكم."
وضع مراد شوكته ببطء: "وهل سنبتلع ما فعله ذلك الرجل ونلتزم الصمت؟"
رد إسماعيل بيك: "بالضبط يا بني."
زفر كنان بغضب لكنه لم يقل شيئاً؛ فقد أراد قول الكثير لولا أن السيدة زليخة تدخلت: "حسناً، يمكنكم مناقشة هذا الموضوع لاحقاً. نحن نأكل العشاء كعائلة الآن، فلا تفسدوا سعادتنا."
كانت المائدة عامرة بكل ما لذ وطاب، بينما كان الطرف الآخر يفتقر لأبسط مقومات العائلة.
كانت ليليان تأكل الشطيرة التي أعدتها في دقيقتين بصعوبة وبصمت، ثم رفعت رجلها اليمنى ووضعتها على حافة الكرسي الذي تجلس عليه؛ إذ لم تعتد بعد على الأكل بمفردها.
سألت السيدة زليخة وهي تلاحظ شرود ابنها: "يا بني، تبدو شارد الذهن، ما الأمر؟" رفعت كنان رأسه عند سؤال أمه.
نظر إلى أبيه وهو يجيب أمه: "أفكر في الطريقة التي أضرب بها مالك حتى يرتاح بالي يا أمي."
رفع إسماعيل بيك رأسه ونظر إلى ابنه الجالس بجانبه: "أقول لك إننا سنصبح أصدقاء مع مالك، وأنت ما زلت تفكر في كيفية ضربه! انتهى الأمر يا بني، سنطوي صفحة الماضي وننظر إلى الأمام."
ترك كنان الشوكة من يده بغضب شديد. وفي هذه اللحظة بالذات، فُتح باب غرفة الطعام بصوت عالٍ وجلبة كبيرة. اندهش الجميع من الشخص الذي دخل، باستثناء إسماعيل بيك. دخل مالك بكل هيبته، دون أن تظهر أي تعابير على وجهه. جالت عيناه السوداوان، اللتان تتناسبان مع قميصه الأسود الذي يرتديه دائماً، على أفراد العائلة. كان كنان يزفر بغضب: "ما الذي تفعله هنا أيها السافل؟"
توجه مالك إلى الطرف الآخر من الطاولة دون أن ينطق بكلمة، وكان متأقلمة وكأنه صاحب القصر: "ألم تكن العائلة بأكملها ستجتمع هنا؟" ثم هز رأسه وكأنه تذكر شيئاً: "آه... هناك من غادرت هذا المكان مطرودة، أليس كذلك؟"
ضحك مراد لكنه لم يقل شيئاً، بينما كان كنان كقنبلة على وشك الانفجار: "تحدث بأدب! لا تجلب البلاء لنفسك في هذا المساء." لم يستطع السباب كثيراً بسبب وجود أمه.
تحولت نظرات مالك نحو السيدة زليخة، وأومأ برأسه احتراماً لها؛ فقد كانت الشخص الوحيد الذي يكنّ له الاحترام على هذه المائدة: "ماذا حدث يا كنان؟ هل شق عليك سماع الحقيقة؟"
رد كنان: "سألقنك درساً الآن يجعلك تذهب إلى بارئك!"
تنهد مالك بعمق؛ فقد أثار تذكر تلك الفتاة غضبه مجدداً: "لم آتِ إلى هنا للحديث عنها."
قال كنان: "لا يحق لك حتى نطق اسمها!"
رد مالك بصوت قاطع هز أرجاء الغرفة: "جئتُ من أجل الاتفاق! وأردتُ أن يسمع جميع أفراد العائلة الشرط الأهم في اتفاقي."
حافظت السيدة زليخة على هدوئها دون أن تتنازل عن كبريائها: "وما هو هذا الشرط؟"
نظر مالك في أعين الجميع الجالسين على المائدة: "إن حدث وعادت تلك الفتاة التي رحلت، فستسلمونها لي."
رفعت السيدة زليخة حاجببها: "قلتَ إنك لم تأتِ من أجلها."
رد مالك: "نعم، لم آتِ من أجلها بالصورة التي تفكرون بها. ولكن إن حدث وأخفأيتموها عني، فستكونون أنتم الخاسرين."
ضحك كنان ساخراً: "وهل لديّ فتيات لأسلمهن لك؟"
أسند مراد ظهره إلى الخلف ونظر إلى مالك: "أنت من ترك الفتاة، فلماذا تريدها مجدداً؟"
تحرك فك مالك بغضب؛ فعمله مع تلك الفتاة لم ينتهِ بعد: "أنتم لا تدركون حجم ما جعلتني أخسره." لقد خسرت الرحمة التي زرعتها ليليان في داخله مجدداً.
كان كنان يحاول تهدئة نفسه باستمرار لكن الأمر كان صعباً. أما إسماعيل بيك فكان ينظر إلى الشاب الجالس أمامه بصمت. نقرت السيدة زليخة بلسانها وقالت: "يبدو أنك لم تسمع بفرارها للزواج."
توقف الجميع على المائدة، وتبادل كنان وأمير النظرات؛ كلاهما يعلم أن أختهما لن تتزوج، فلماذا كذبت أمهما؟ برزت الشرايين في عنق مالك: "ماذا تعنين بـ تتزوج؟"
هزت السيدة زليخة رأسها وهي تبتسم: "إنها جميلة ولديها خطاب في كل مكان. يبدو أن اختيارها هذه المرة كان صائباً وهي تستعد للزفاف. الحياة تمضي يا مالك، وكان عليها أن تركز على حياتها في مرحلة ما."
كان إسماعيل بيك يحاول استيعاب ما يجري، بينما أغمض مالك عينيه وفتحهما بشدة: "مع من؟ مع من ستتزوج؟"
أخذت السيدة زليخة قطعة من اللحم بشوكتها ومضغتها براحة: "مع الرجل الذي رآها رجالُك معه مؤخراً." كانت قد رسمت الخطة في رأسها بالفعل بل واتفقت مع الرجل؛ ورغم مظهرها البسيط إلا أنها كانت على علم بكل شيء، وقد فعلت كل ما بوسعها لإبعاد ابنتها عن خط النار.
نهض مالك والشرار يتطاير من عينيه بسبب الغضب المشتعل في داخله: "لا يوجد أي اتفاق!" وغادر دون أن ينظر خلفه ولو لبرهة. كان قد جاء لعقد الاتفاق من أجل ليليان، لكن ما سمعه جعله يغير رأيه تماماً.
نظر مراد إلى أمه بذهول: "حقاً؟"
هزت السيدة زليخة رأسها بالإيجاب. نهض إسماعيل بيك بهدوء وقال: "قلتُ لكم إنه لن يتم الحديث عن تلك الفتاة على هذه المائدة مجدداً، ولن يذكر مصيرها هنا مرة أخرى."
كان مالك كالمجنون وهو ينظر إلى شريكه الذي كان ينتظره في حديقة القصر: "تراجعتُ! اذهب وابحث عنها، سأذهب وأحضرها غداً."
تسمر شريكه مكانه بدهشة ولم يفهم ما حدث: "هل أنت بخير؟"
كان مالك غاضباً للغاية وهو يركب السيارة، حتى إن إغلاقه للباب أحدث صدى كالانفجار. جلس شريكه في المقعد المجاور فوراً، فصرخ مالك: "ستتزوج من ذلك الأجنبي السافل! إن ذلك الأجنبي حتى غير مسلم!"
عقد شريكه حاجبيه من غرابة الموضوع الذي يركز عليه مالك؛ فهل كانت المشكلة في ديانته فقط؟ "إن أردت، يمكننا تنظيم الأمر والتخلص منه في دقيقتين."
كاد مالك أن يجن عندما سمع ذلك: "إن لم تكن تريد أن ألحقك به، فأغلق فمك اللعين!"
صمت شريكه فوراً؛ إذ علم أن الحديث أكثر سيكلفه حياته.
ورغم أن مالك لم يعترف بذلك لنفسه، إلا أنه كان يشعر بغيره كاسحة؛ فقد طار العقل من رأسه بسبب كلمتين من السيدة زليخة. كان بينه وبين ليليان حبٌ لم يكتمل، ولم يكن من الممكن أن تذهب وتتزوج بشخص آخر... بينما لو لم يقم مالك بإلغاء الزفاف، لكان هو من سيتزوج غداً.
وعندما كدتُ أُمسك بضبع الرجل، سدت عشرات السيارات الطريق! ألقيتُ بنفسي إلى الخلف وأنا أتمسك بالمسدس في يدي بصلابة. رغم أنني لم أكن مرئية في تلك اللحظة، كان بإمكاني رؤية الرجال يترجلون من السيارات، والمشاهد التي رأيتها جعلت فمي يقع دهشة! لقد وصل رجال مالك. أهذه أفعاله؟نادى الرجل الذي دخل من باب الحديقة على الآخرين: «يا معلم، يوجد رجل هنا.»«من؟» كان هذا صوت جينغيز.بما أنني كنت في نقطة عمياء، لم يرونني. فحص الرجل نبض الرجل الذي أغميتُ عليه: «إنه حي، وهو أحد رجال آل "كوزغون" يا معلم.»عندما سمعتُ صوت جينغيز الضاحك، سمعتُ أيضاً صوت فرامل سيارة أخرى تصصر بألم: «أين هم؟!» تباً، لقد جاء مالك أيضاً! يبدو أنه لا مفر لي.«على الأرجح هم في المنزل. هذا عمل آل كوزغون.» آل كوزغون هم من أعداء إسماعيل بيك، لكنهم أعداء لمالك أيضاً. إذن فآل كوزغون يعلمون أن رضوى هي ابنة مالك. يجب إنهاء أمرهم في أقرب وقت. هذا بالطبع إن لم ينهِ مالك أمري قبلهم.عندما دخل مالك الحديقة بخطوات حاسمة، اقتربتُ منه بخطوات سريعة ولكن صامتة وأنا بين الأشجار. وفي اللحظة التي شعر بي فيها، صوّبتُ مسدسي نحو جبهته: «إن خطوتم خطوة أخ
كانت ليلة... لكن ليست كأي ليلة تعرفها. كان الهواء ثقيلاً، وكأن التنفس صار أمراً عسيراً. لم يكن الجو مظلماً كلياً، لكن لم يكن ثمة ضوء أيضاً. كان هناك إشراق شاحب ورمادي. لم أكن أفهم أين أنا. كان ما تحت قدميّ رطباً... كالطين. كلما خطوتُ خطوة، صدر صوت خفيف، لزج.نظرتُ حولي. كانت هناك أشجار، لكنها لم تكن كالأشجار العادية. أغصانها منحنية، جافة، وكأنها تمتد نحوي. لم يكن ثمة رياح، لكن الأغصان كانت تتحرك ببطء شديد. وكأن شيئاً ما كان يحركها.بدأ قلبي يخفق كالمجنون.ثم رأيتها.كانت هناك طفلة تقف أمامي.في التاسعة من عمرها تقريباً... شقراء. شعرها متسخ ومتناثر. ثوبها الأبيض قديم وممزق في بعض أجزائه. لكن الأكثر إخافةً كان عينيها. مزيج من الخضرة والزرقة، لكنهما لم تكونا ثابتتين. وكأن شيئاً ما ينهمر ويتماوج داخل عينيها. كلما نظرتُ إليها، اعتصر صدري.تراجعتُ خطوة إلى الخلف.لكنها لم تتحرك. كانت تنظر إليّ فقط. دون أن ترمش بعينها.ثم أدركتُ الأمر. كانت تلك الطفلة هي أنا.طفولتي. لكن... مشوهة، وكأن ثمة خطأً جثيماً فيها.كان بين يديها طفل رضيع. في عامه الأول. كان أشقر أيضاً... لكنني لم أستطع رؤية وجهه. مه
تلك الفترات التي تتكالب فيها كل الأسباب دفعة واحدة... وكأن الكون قد اختارك خصيصاً ليقول لك: "تعال هنا، دعني أُضايقك قاطبةً بعض الوقت." تستيقظ صباحاً، وقبل أن تفتح عينيك حتى، يربض على صدرك ثقلٌ كاباس. لست حزيناً تماماً، ولا تشعر بأنك قوي بحق. أصبحت عالقاً في المنطقة الرمادية الفاصلة بينهما. يصعب عليك الحديث مع الناس، لأنك لا تدري من أين تبدأ. في الحقيقة، لا تتردى كل الأمور إلى الحضيض دفعة واحدة، لكنك تشعر بها هكذا تماماً.والجزء الأشد إثارة للسخط هو أن الحياة، لمن ينظر إليها من الخارج، تبدو وكأنها تسير في مجراها الطبيعي، بينما العاصفة تحتدم وتطحن عظامك في الداخل. الجميع ينتظرون منك الشيء نفسه: أن تبتسم، أن تستمر، أن تظل قوياً. لكنك لا ترغب سوى في التوقف قليلاً، والصمت قليلاً.إنها الفترة التي يكون فيها المرء أبعد ما يكون عن نفسه. تنظر في المرآة، لكن الشخص الذي تلمحه يبدو لك غريباً. لست كما كنت في السابق، ولا كما تتمنى أن تكون.لكن الأغرب من ذلك كله... أنه في مثل هذه الأوقات بالذات، يبدأ الإنسان بالتغير دون أن يشعر. بصمت، وببطء شديد. تنكسر أشياء في داخلك، هذا صحيح، لكن شيئاً آخر ينبت وي
كانت كلماته تشعل الفتيل في عروقي، فسددت لكمة إلى خده الأيمن: «وماذا أظنك فاعلاً يا هذا؟!»زفر "علي" بغضب في وجهي: «أنت تريد سلب حياتها، ألا يكفيك هذا يا خبيث؟»في الحقيقة، لم أكن أنوي سلب حياتها إطلاقاً؛ أردتها فقط أن تذوق ما أذاقتني إياه. وقبل أن أجيبه، تابع كلامه: «ليليان كانت السبب في أن تفقد رحمتك مجدداً. تريد تطبيق مبدأ القصاص، وأنا لن أسمح لك بذلك. حياتها ليست سهلة بالأساس، فلا تزدها صعوبة عليها.»تركت ياقته بغضب والتفتُّ معطياً إياه ظهري. *(الحقيقة مرّة دائماً.)**(أنت ترحل فقط لأن كلامه أثار حنقك.)**(لماذا لا تعترف أنك تخشى فقدان "ليليان" مجدداً؟)*لم أكن أهتم بما تفعله تلك الساحرة، كل ما أردته هو ألا تُحرم من الرحمة كما حرمتني منها.صوت "علي" استوقفني عند خطوة الباب: «يا أخي...» التفتُّ إليه، فتابع: «الرجل الشهم لا تتسع حياته لامرأتين.»علاقتي بـ "جيزيم" لم تعد كما كانت في السابق، أعني قبل ظهور "ليليان". فبعد ظهورها تغير كل شيء بيننا؛ صرنا لا نتلامس، مع أننا لم نكن ننام ليلة دون أن نغرق في أحضان بعضنا. حتى نظرتنا لبعضنا التاثت، وقلّ التقاؤنا وتضاءل تحمُّلنا لبعضنا الآخر، وك
POV: مالك «تباً!» قلتها وأنا أضع يدي الباردة على قفاي. لقد نجحت الساحرة الصغيرة في التغلب عليّ مجدداً. يبدو أنني تعلمت الدرس ولن أستهين بها بعد الآن؛ لقد طرحتني أرضاً بكل ما تعنيه الكلمة. كان الطريق مهجوراً وقاحلاً، يندر أن تمر به سيارة. عندما نهضت عن الأرض، انزلقت سترة عن كتفي، فزفرت بنَفَس عميق وساخن.تلك الساحرة الرحيمة فكرت بي وشرعت عليّ سترتها! غرق جسدي في موجة من الغضب العارم وأنا أدخل ذراعي في أكمام السترة؛ لقد تلاعبت بي وفازت مجدداً. هذه هي المرة الثالثة!أخذت هاتفي الذي تركته في جيبي، ولم يعد أمامي خيار سوى السير على الأقدام. تباً... تباً بحق! لقد أصبحت أضحوكة على يد ساحرة صغيرة. ما الحكمة من فرارها وهي لا تملك مكاناً تقصده؟ حسناً، ربما أخفتها أكثر من اللازم، لكن كل تلك الكلمات القاسية كانت لمنعها من الركوب على رأسي. لم أكن لأكرر أخطاء الماضي اليوم.كان الليل ينقشع معلناً اقتراب الصباح. من يعلم أين ذهبت الآن؟ كنت أتساءل في نفسي عما قاله لها "كينان" ليجلبها إلى هنا. "ليليان" كانت جادة ومصممة على عدم العودة عندما رحلت. في الحقيقة، أنا من قلت لها "ارحلي"، فلو لم تفعل لكانت تلك
ركبتُ السيارة إلى جواره وساد الصمت. أدار "مالك" مذياع السيارة كعادته، وكانت تعزف أغنية قديمة تحكي عن الفراق والندم. أسندتُ رأسي على الزجاج وأنا أبتسم بمرارة... ما أشد سخرية القدر! كان دائماً يحب الاستماع لأغاني الحزن أثناء القيادة. تذكرتُ رحلاتنا القديمة إلى العاصمة؛ لم تكن مجرد أخطاء طيش، بل كانت أصدق وأجمل لحظات عشتها، رغم زيادتها بالوهم.بدأ يدمدم مع كلمات الأغنية ببرود، ملتفتاً إليّ لثانية:— «كِلانا لم يدرك القيمة... والقدر لا يرحم.»ابتسمتُ بسخرية، فأغلق الشاشة بغضب واستخدم هاتفه بيد واحدة بينما يُملس على عجلة القيادة باليد الأخرى. تحدث عبر الهاتف بنبرة حادة:— «ألغوا المتابعة... سأتولى الأمر بنفسي.»كان "مالك" يفضل الترحال بمفرده دائماً رغم كثرة رجاله وأعدائه. استمع للطرف الآخر قاطقاً:— «يا "جنيد"، لا تكثر اللغط! خذ الرجال وانسحب، وسنلتقي غداً في الشركة.».أنهى المكالمة، ليبدأ عقلي بتدبير خطة الهرب. كل ما عليّ فعله هو تحييد "مالك" داخل السيارة. رفعتُ بصري نحو درج السيارة الأمامي... هل ما زال يحتفظ بسلاحه الإضافي هناك؟ـ «سكتي تلك الأفكار في رأسكِ.»فزعتُ من صوته المفاجئ، وحا







