Share

9

Author: Fifi
last update publish date: 2026-09-30 07:48:56

الندم، الغضب، والكسرة... 

ثلاثة مشاعر ثقيلة يمكنها أن تنمو داخل الإنسان في آن واحد. 

الندم هو عبء كل لحظة تعود فيها إلى الماضي لتقول "ليتني". كلمة كان يجب ألا تُقال، وعد لم يتم الوفاء به، خيار خاطئ. كلها تستقر في داخل الإنسان بصمت، وكلما مر الوقت، بدأت تتحدث بصوت أعلى. 

أما الغضب فهو لحظي، لكن أثره يدوم طويلاً. يرتفع فجأة، يعمي بصيرتك، ويجعلك تفعل أشياء لا تعبر عن حقيقتك. ثم يزول... لكنه يترك خلفه آثاراً لا تُمحى. 

والكسرة... تلك هي الأكثر خطورة. لأنها لا تصرخ ولا تصيح. إنها صامتة. تكتمها في داخلك، تتجاهلها، لكنها تكبر. تبعد الناس عنك، وتعلّم قلبك القسوة. 

وفجأة تجتمع هذه الثلاثة معاً. 

خطأ يرتكب بغضب، يتبعه ندم... وفي النهاية كسرة تستقر في الأعماق. 

ولهذا السبب تحديداً ينهك الإنسان أكثر من أي شيء آخر. 

كنتُ أشعر بهذه المشاعر الثلاثة بالتحديد تجاه شخص واحد؛ الشخص الذي خانني، مالك. 

كان مالك يوماً ما الشخص الأكثر إستحالة بالنسبة لي، ثم أصبح فجأة مركز حياتي، ولكنه تحول فجأة أيضاً إلى أبعد نقطة عني. 

 كان عليّ أن أضع كسرة قلبي جانباً. لقد جئتُ إلى هنا من أجل أبي؛ لأراه وأعانقه لآخر مرة إن استطعت، ثم أمضي في طريقي. 

لا أستطيع فعل أكثر من ذلك، لأن ابنتي معي. 

تجاوزت الساعة منتصف الليل، ولكني كنتُ ما زلتُ جالسة في المطبخ. أكلت نصف الشطيرة، ولم تكن لدي رغبة في إكمال الباقي. 

بينما كنتُ أنظر إلى الطاولة بشرود، رفعتُ رأسي بسرعة إثر جلبة قادمة من الحديقة. لم أكن أعلم أن إخوتي سيأتون، فهل يعقل أن يكون أمير قد تسلل من المنزل وجاء؟ 

أمسكت السكين التي على الطاولة لحماية نفسي. مررتُ عبر الممر المظلم ووصلتُ إلى الباب. عندما نظرتُ من العين السحرية، رأيتُ شخصاً يرتدي معطفاً أسود بمظلة رأس (كابوتشون). كان قلبي يخفق بشدة عندما تذمر ذلك الشخص: "اللعنة على هذه الحديقة!" كنتُ متأكدة أنه صوت امرأة. وعندما التفتت نحو الباب، أضاءت بشرتها البيضاء وعيناها البنيتان في العتمة. كان وجه المرأة عند الباب آلفاً للغاية. 

بعد ثوانٍ من التفكير، أدركتُ أن المرأة التي في الحديقة هي قريبتي يارا. اليوم فقط قال أخي إنها في ألمانيا مع حبيبها، فمتى وصلت إلى مصر؟ 

فتحتُ الباب دون تردد. ركزت يارا نظراتها عليّ مع صوت فتح الباب، ويبدو أنها لم تتذكرني هي الأخرى؛ فمن غير الممكن أن تعرف من أنا الآن بعد أن قصصتُ شعري الأشقر الطويل وصبغته بالأسود. عندما وقعت نظرات يارا على السكين في يدي، تمتمت ببعض الكلمات: "هل أنتِ خطيبة كنان أم ماذا؟" حاولت جعل صوتها الناعم نبرة سلطوية. 

ارتسمت ابتسامة على وجهي: "لا، أنا أخته غير المرغوب بها." 

اتسعت عينا يارا وكأنها رأت شبحاً: "ليليان! هل هذه أنتِ؟" 

رددتُ على ردة فعلها ضاحكة: "أنا بشحمي ولحمي." 

جاءت يارا بسرعة وعانقتني بحدة؛ لم أكن أتوقع هذا منها. رميتُ السكين جانباً وعانقتها بدورها: "لقد تغيرتِ كثيراً، لم أتعرف عليكِ!" 

عندما ابتعدت عني، أرجعتُ شعري القصير المفرود إلى الخلف: "أنا أيضاً لم أتعرف عليكِ للوهلة الأولى، لقد تغيرتِ كثيراً واكتسبتِ وزناً جيداً مقارنة بـ السابق." (قبل أن أهرب كانت مجرد عظام على جلد، أما الآن فقد استعادت عافيتها بحق). 

ابتسمت بأسنانها اللؤلؤية: "بالفعل، لقد استرددت عافيتي." 

"لندخل إلى الداخل، الجو بارد." 

عندما دخلنا معاً، أغلقتُ الباب وقفلته ثلاث مرات: "لم أكن أتوقع أن يجلبكِ كنان إلى هنا." 

كنا نتقدم نحو الصالة: "جئتُ إلى هنا اضطراراً، ولكن ألم تكوني في ألمانيا؟" 

عندما ألقت بنفسها على الأريكة الثلاثية ضحكت، وجلستُ بدورها على المقعد المفرد. نقرت بلسانها: "هل تعتقدين أنني سأغادر قبل أن أنتقم من أولئك الشياطين؟ فقط أظهرتُ لهم بخدعة صغيرة أنني أعيش في ألمانيا." 

أصدرتُ همهمة تفيد بفهمي، فخلعت معطفها الأسود ذو المظلة، ونظرت إلى وجهي بابتسامة صغيرة: "مبارك لكِ." 

هاتان الكلمتان أدفأتا قلبي لدرجة أن الابتسامة ارتسمت على وجهي تلقائياً. أردتُ البكاء؛ فلأول مرة منذ فترة طويلة يتحدث معي أحد بصدق. كل ما استطعتُ قوله هو: "شكراً لكِ." 

جمعت يارا نفسها بعد أن كانت مستلقية، وفرقت بين قدميها هذه المرة لتجلس طريقة جلوس الرجال: "كيف حال صغيرتنا؟" 

تنهدتُ بعمق: "إنها بخير تماماً، وهي نائمة الآن. إنها تحب النوم كثيراً." 

قالت ضاحكة: "يبدو أنها تشبه أمها." ثم تابعت: "هل تتذكرين عندما كنا نأتي إليكم في ليلة العيد ونحن صغار، ونخرج صباح العيد معاً لنجمع الحلوى؟ كنا نلعب مع أقربائنا حتى منتصف الليل، بينما كنتِ تنامين مبكراً وتستيقظين متأخرة عن الجميع. كنتِ تنامين دائماً في السيارة وفي الزيارات." 

تذكرتُ تلك الأيام لبرهة. في الواقع، كنتُ أنام دائماً، حتى أن معظم صور طفولتي كنتُ فيها نائمة. أما الآن، فلا أستطيع النوم إلا بأدوية المنوم، والتي تركتها منذ فترة طويلة لأنها كانت تجعلني مترنحة في الصباح. 

هززتُ رأسي ببطء وضحكت: "أتذكر، وكنتِ تطاردينني باستمرار. ورغم أننا كنا نلتقي نادراً، إلا أنكِ كنتِ تحاولين إيقاظي دائماً." 

انطلقت منها ضحكة؛ يبدو أنها تذكرت إحدى تلك اللحظات: "أتذكر! كنتُ أراكِ مرة كل عدة أشهر. كنتِ قريبتي المفضلة، ولكنكِ لم تلعبي معي أبداً يا ليليان!" قالت الأخيرة بنبرة عتاب ضاحكة. 

لم أستطع تمالك نفسي فضحكتُ بدورها: "ولكني كنتُ أنام! وكان سلاحي العبة الوحيدة حينها" (شكراً لإسماعيل بيك). ثم اعترفتُ لها: "وكنتم تستبعدونني." 

كانت يارا وأختها اللتان تكبرانني بثلاث سنوات لا تشركانني في اللعب، فكنتُ أتنحى جانباً. 

نظرت إليّ يارا وكأنها تلومني: "لم تكوني تأتين إليّ بسبب هاتين العاهرتين!" ثم تحدثت بحماس وكأن شيئاً يخطر ببالها: "آه! في إحدى المرات تحرشن بي، وغضبت مني أمي رغم أنني كنتُ على حق. ثم جاءت أمكِ وحذرتهما، ولكنها هذه المرة تحرشت بكِ. اعتقد أن تلك كانت المرة الأولى التي تأتيكِ فيها الدورة الشهرية. وبينما كنتِ تضربين الأولى، كنتُ أضرب الثانية!" 

ضحكتُ مرة أخرى وأنا أتذكر تلك اللحظات. في ذلك اليوم ضربتُ الأولى ضرباً مبرحاً، وضربت يارا الثانية. وقد غضب منا أبونا وأعمامنا كثيراً في ذلك اليوم، بينما قبلتنا أمي على جباهنا: "آه نعم! لو تكرر الأمر لكررته مجدداً. قالت لي في ذلك اليوم إنها ستتزوج من كنان وأنا سأرحل... من تكونين بحق السماء لتتزوجي أخي؟" 

تنهدت يارا بعمق، وكنا ننظر إلى بعضنا البعض بألم: "كانت أياماً جميلة... وإن كانت قصيرة... كانت جميلة." 

هززتُ رأسي بثقل: "كانت جميلة، ولكن كما تعلمين، كل شيء جميل له نهاية. ونهايتنا جاءت مبكرة." 

ساد الصالة جو من البرودة. أردات يارا تبديده فنظرت في عيني: "كيف حالكِ؟" 

كانت هذه الكلمة الوحيدة كفيلة بملء عيني بالدموع. شحتُ ببصري ورفعتُ حواجبي وخفضتها. وقبل أن أفتح فمي، طُرق الباب ثلاث مرات. عقدتُ حاجبي ونظرتُ نحو الباب: "هل تنتظرين أحداً؟" 

رددتُ على سؤال يارا: "لا، لو كان إخوتي لأخبروني." نهضتُ من مكاني، واستبد الذعر بي. وبينما كنتُ أتقدم نحو الباب، كانت يارا خلفي مباشرة. وعندما اقتربنا من الباب، طُرق مرة أخرى ولكن بحدة أكبر هذه المرة. 

نظرتُ إلى يارا برعب، وكانت تحمل نفس تعابير الوجه. هززتُ رأسي نفياً وارتفعتُ لأنظر من العين السحرية. انسدت كلماتي مما رأته عيناي. 

اللعنة. 

السيدة زليخة كانت هنا! هل أخبرها إخوتي؟ دون تفكير تراجعتُ للخلف ونظرتُ إلى يارا. حركتُ شفتي وقلتُ لها إن السيدة زليخة بالخارج. فتحت عينها على وسعهما وغطت فمها بيديها. وجودنا نحن الاثنتين هنا كان سيئاً للغاية؛ فكلتانا كنا نحاول الهرب، وها هي الشخص غير المتوقع إطلاقاً تقف عند الباب. 

تراجعتُ بضع خطوات إلى الخلف مشيرة إلى أنني لن أفتح الباب. هزت يارا رأسها بسرعة وتوترت هي الأخرى؛ فلم تكن تريد الفتح أيضاً. نظرتُ إلى يارا بعينين ترجوانها؛ يجب ألا تجدني. يبدو أن يارا لم تتحمل نظراتي فاقتربت من الباب، بينما دخلتُ أنا بسرعة إلى أسفل بيت الدرج. 

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خلف ستار الهروب   21

    وعندما كدتُ أُمسك بضبع الرجل، سدت عشرات السيارات الطريق! ألقيتُ بنفسي إلى الخلف وأنا أتمسك بالمسدس في يدي بصلابة. رغم أنني لم أكن مرئية في تلك اللحظة، كان بإمكاني رؤية الرجال يترجلون من السيارات، والمشاهد التي رأيتها جعلت فمي يقع دهشة! لقد وصل رجال مالك. أهذه أفعاله؟نادى الرجل الذي دخل من باب الحديقة على الآخرين: «يا معلم، يوجد رجل هنا.»«من؟» كان هذا صوت جينغيز.بما أنني كنت في نقطة عمياء، لم يرونني. فحص الرجل نبض الرجل الذي أغميتُ عليه: «إنه حي، وهو أحد رجال آل "كوزغون" يا معلم.»عندما سمعتُ صوت جينغيز الضاحك، سمعتُ أيضاً صوت فرامل سيارة أخرى تصصر بألم: «أين هم؟!» تباً، لقد جاء مالك أيضاً! يبدو أنه لا مفر لي.«على الأرجح هم في المنزل. هذا عمل آل كوزغون.» آل كوزغون هم من أعداء إسماعيل بيك، لكنهم أعداء لمالك أيضاً. إذن فآل كوزغون يعلمون أن رضوى هي ابنة مالك. يجب إنهاء أمرهم في أقرب وقت. هذا بالطبع إن لم ينهِ مالك أمري قبلهم.عندما دخل مالك الحديقة بخطوات حاسمة، اقتربتُ منه بخطوات سريعة ولكن صامتة وأنا بين الأشجار. وفي اللحظة التي شعر بي فيها، صوّبتُ مسدسي نحو جبهته: «إن خطوتم خطوة أخ

  • خلف ستار الهروب   20

    كانت ليلة... لكن ليست كأي ليلة تعرفها. كان الهواء ثقيلاً، وكأن التنفس صار أمراً عسيراً. لم يكن الجو مظلماً كلياً، لكن لم يكن ثمة ضوء أيضاً. كان هناك إشراق شاحب ورمادي. لم أكن أفهم أين أنا. كان ما تحت قدميّ رطباً... كالطين. كلما خطوتُ خطوة، صدر صوت خفيف، لزج.نظرتُ حولي. كانت هناك أشجار، لكنها لم تكن كالأشجار العادية. أغصانها منحنية، جافة، وكأنها تمتد نحوي. لم يكن ثمة رياح، لكن الأغصان كانت تتحرك ببطء شديد. وكأن شيئاً ما كان يحركها.بدأ قلبي يخفق كالمجنون.ثم رأيتها.كانت هناك طفلة تقف أمامي.في التاسعة من عمرها تقريباً... شقراء. شعرها متسخ ومتناثر. ثوبها الأبيض قديم وممزق في بعض أجزائه. لكن الأكثر إخافةً كان عينيها. مزيج من الخضرة والزرقة، لكنهما لم تكونا ثابتتين. وكأن شيئاً ما ينهمر ويتماوج داخل عينيها. كلما نظرتُ إليها، اعتصر صدري.تراجعتُ خطوة إلى الخلف.لكنها لم تتحرك. كانت تنظر إليّ فقط. دون أن ترمش بعينها.ثم أدركتُ الأمر. كانت تلك الطفلة هي أنا.طفولتي. لكن... مشوهة، وكأن ثمة خطأً جثيماً فيها.كان بين يديها طفل رضيع. في عامه الأول. كان أشقر أيضاً... لكنني لم أستطع رؤية وجهه. مه

  • خلف ستار الهروب   19

    تلك الفترات التي تتكالب فيها كل الأسباب دفعة واحدة... وكأن الكون قد اختارك خصيصاً ليقول لك: "تعال هنا، دعني أُضايقك قاطبةً بعض الوقت." تستيقظ صباحاً، وقبل أن تفتح عينيك حتى، يربض على صدرك ثقلٌ كاباس. لست حزيناً تماماً، ولا تشعر بأنك قوي بحق. أصبحت عالقاً في المنطقة الرمادية الفاصلة بينهما. يصعب عليك الحديث مع الناس، لأنك لا تدري من أين تبدأ. في الحقيقة، لا تتردى كل الأمور إلى الحضيض دفعة واحدة، لكنك تشعر بها هكذا تماماً.والجزء الأشد إثارة للسخط هو أن الحياة، لمن ينظر إليها من الخارج، تبدو وكأنها تسير في مجراها الطبيعي، بينما العاصفة تحتدم وتطحن عظامك في الداخل. الجميع ينتظرون منك الشيء نفسه: أن تبتسم، أن تستمر، أن تظل قوياً. لكنك لا ترغب سوى في التوقف قليلاً، والصمت قليلاً.إنها الفترة التي يكون فيها المرء أبعد ما يكون عن نفسه. تنظر في المرآة، لكن الشخص الذي تلمحه يبدو لك غريباً. لست كما كنت في السابق، ولا كما تتمنى أن تكون.لكن الأغرب من ذلك كله... أنه في مثل هذه الأوقات بالذات، يبدأ الإنسان بالتغير دون أن يشعر. بصمت، وببطء شديد. تنكسر أشياء في داخلك، هذا صحيح، لكن شيئاً آخر ينبت وي

  • خلف ستار الهروب   18

    كانت كلماته تشعل الفتيل في عروقي، فسددت لكمة إلى خده الأيمن: «وماذا أظنك فاعلاً يا هذا؟!»زفر "علي" بغضب في وجهي: «أنت تريد سلب حياتها، ألا يكفيك هذا يا خبيث؟»في الحقيقة، لم أكن أنوي سلب حياتها إطلاقاً؛ أردتها فقط أن تذوق ما أذاقتني إياه. وقبل أن أجيبه، تابع كلامه: «ليليان كانت السبب في أن تفقد رحمتك مجدداً. تريد تطبيق مبدأ القصاص، وأنا لن أسمح لك بذلك. حياتها ليست سهلة بالأساس، فلا تزدها صعوبة عليها.»تركت ياقته بغضب والتفتُّ معطياً إياه ظهري. *(الحقيقة مرّة دائماً.)**(أنت ترحل فقط لأن كلامه أثار حنقك.)**(لماذا لا تعترف أنك تخشى فقدان "ليليان" مجدداً؟)*لم أكن أهتم بما تفعله تلك الساحرة، كل ما أردته هو ألا تُحرم من الرحمة كما حرمتني منها.صوت "علي" استوقفني عند خطوة الباب: «يا أخي...» التفتُّ إليه، فتابع: «الرجل الشهم لا تتسع حياته لامرأتين.»علاقتي بـ "جيزيم" لم تعد كما كانت في السابق، أعني قبل ظهور "ليليان". فبعد ظهورها تغير كل شيء بيننا؛ صرنا لا نتلامس، مع أننا لم نكن ننام ليلة دون أن نغرق في أحضان بعضنا. حتى نظرتنا لبعضنا التاثت، وقلّ التقاؤنا وتضاءل تحمُّلنا لبعضنا الآخر، وك

  • خلف ستار الهروب   17

    POV: مالك «تباً!» قلتها وأنا أضع يدي الباردة على قفاي. لقد نجحت الساحرة الصغيرة في التغلب عليّ مجدداً. يبدو أنني تعلمت الدرس ولن أستهين بها بعد الآن؛ لقد طرحتني أرضاً بكل ما تعنيه الكلمة. كان الطريق مهجوراً وقاحلاً، يندر أن تمر به سيارة. عندما نهضت عن الأرض، انزلقت سترة عن كتفي، فزفرت بنَفَس عميق وساخن.تلك الساحرة الرحيمة فكرت بي وشرعت عليّ سترتها! غرق جسدي في موجة من الغضب العارم وأنا أدخل ذراعي في أكمام السترة؛ لقد تلاعبت بي وفازت مجدداً. هذه هي المرة الثالثة!أخذت هاتفي الذي تركته في جيبي، ولم يعد أمامي خيار سوى السير على الأقدام. تباً... تباً بحق! لقد أصبحت أضحوكة على يد ساحرة صغيرة. ما الحكمة من فرارها وهي لا تملك مكاناً تقصده؟ حسناً، ربما أخفتها أكثر من اللازم، لكن كل تلك الكلمات القاسية كانت لمنعها من الركوب على رأسي. لم أكن لأكرر أخطاء الماضي اليوم.كان الليل ينقشع معلناً اقتراب الصباح. من يعلم أين ذهبت الآن؟ كنت أتساءل في نفسي عما قاله لها "كينان" ليجلبها إلى هنا. "ليليان" كانت جادة ومصممة على عدم العودة عندما رحلت. في الحقيقة، أنا من قلت لها "ارحلي"، فلو لم تفعل لكانت تلك

  • خلف ستار الهروب   16

    ركبتُ السيارة إلى جواره وساد الصمت. أدار "مالك" مذياع السيارة كعادته، وكانت تعزف أغنية قديمة تحكي عن الفراق والندم. أسندتُ رأسي على الزجاج وأنا أبتسم بمرارة... ما أشد سخرية القدر! كان دائماً يحب الاستماع لأغاني الحزن أثناء القيادة. تذكرتُ رحلاتنا القديمة إلى العاصمة؛ لم تكن مجرد أخطاء طيش، بل كانت أصدق وأجمل لحظات عشتها، رغم زيادتها بالوهم.بدأ يدمدم مع كلمات الأغنية ببرود، ملتفتاً إليّ لثانية:— «كِلانا لم يدرك القيمة... والقدر لا يرحم.»ابتسمتُ بسخرية، فأغلق الشاشة بغضب واستخدم هاتفه بيد واحدة بينما يُملس على عجلة القيادة باليد الأخرى. تحدث عبر الهاتف بنبرة حادة:— «ألغوا المتابعة... سأتولى الأمر بنفسي.»كان "مالك" يفضل الترحال بمفرده دائماً رغم كثرة رجاله وأعدائه. استمع للطرف الآخر قاطقاً:— «يا "جنيد"، لا تكثر اللغط! خذ الرجال وانسحب، وسنلتقي غداً في الشركة.».أنهى المكالمة، ليبدأ عقلي بتدبير خطة الهرب. كل ما عليّ فعله هو تحييد "مالك" داخل السيارة. رفعتُ بصري نحو درج السيارة الأمامي... هل ما زال يحتفظ بسلاحه الإضافي هناك؟ـ «سكتي تلك الأفكار في رأسكِ.»فزعتُ من صوته المفاجئ، وحا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status