LOGINالفصل 12 اقترب إلياس منها من بعيد بقامته الطويلة المستقيمة وخطواته الواثقة، ثم مرّ بجانبها. توقفت لينا للحظة. لم تعرف إن كان إلياس لم يرها أصلًا، أم أنه رآها وتعمّد تجاهلها. لكنها لم تكن بحاجة إلى إجابة. فقد كانت عيناها معلقتين بالفتاة التي كانت بين ذراعيه. كانت ميرا. نفس ميرا التي قضت السنوات الماضية تحاول لينا أن تقنع نفسها بأنها أصبحت جزءًا من الماضي. شعرت ساقاها بالضعف. غادرت المستشفى بخطوات مترنحة، كما لو أن جسدها يتحرك من تلقاء نفسه بينما عقلها عالق في المشهد الذي رأته للتو. لم تعرف إلى أين تذهب. ولم تعرف ماذا تفعل. استقلت سيارة أجرة، وما إن تحركت السيارة حتى التفت السائق إليها وسأل: "إلى أين يا سيدتي؟" فتحت لينا فمها، لكن الكلمات لم تخرج. كان سؤالًا بسيطًا للغاية، ومع ذلك عجزت عن الإجابة عنه. إلى أين تذهب؟ لم ترغب في العودة إلى فيلا إلياس. ربما لم يعد ذلك المكان منزلًا لها من الأساس. سكتت للحظات، ثم قالت بصوت خافت: "سيدي... حي الربيع، من فضلك." كانت قد اشترت شقة هناك بعد زواجها فهي خططت مسبقًا لأن تصطحب جدتها، فيبي، إليها يومًا ما، لتقضي فترة تقاعدها في مكان
الفصل 11 "قفي!" جاء الصوت من خلفهم منخفضًا وحازمًا. كان إلياس قد خرج لتوّه من مكتبه، وما إن وقعت عيناه على الفوضى الدائرة في الصالة حتى توقف. في لحظة واحدة، خيّم الهدوء على المكان. "إلياس؟"، تراجعت إيميلي قليلًا، وقد تسلل إليها الخوف. كان إلياس صارمًا، وكانت والدتها قد حذرتها مرارًا من التمادي حين يكون موجودًا. لكنها ما إن تذكرت الصفعة التي تلقتها حتى تشبثت بعنادها… احمرّ نصف وجهها، وارتجف صوتها وهي تتصنع البكاء: "إلياس، انظر إلى لينا... إنها مجنونة!" كانت أشعة الشمس تتسلل من النوافذ، وتلقي ظلالًا ناعمة على وجه إلياس الوسيم، لكن ملامحه بقيت جامدة لا تكشف شيئًا. أما لينا، فكانت تكافح رغبة عارمة في البكاء. لم يكن ألم الظلم الذي تعرضت له وحده ما يضغط على صدرها، بل كان الحرق الذي أصاب ظهر يدها يلسعها مع كل حركة. وحين التقت عيناها بعيني إلياس، انعقد حاجباه بشدة. "آنسة لينا، ألا تتذكرين لوائح الشركة؟" كانت نبرته باردة وقاطعة. شعرت لينا وكأن جدارًا ارتفع أمامها فجأة، يحجب عنها الهواء. ساد سكون ثقيل. وقفت وحدها، نحيلة القوام، لكنها أبقت ظهرها مستقيمًا. منذ اليوم الأول الذي انضم
الفصل 10 لم تجد لينا ما تقوله. خانتها الكلمات، ولم تستطع حتى أن تتظاهر بالتماسك. في الأساس، لم تعد تعي لماذا جاءت إلى هنا. استدارت فجأة، وأسرعت نحو المصعد. رفعت رأسها قليلًا، تحاول أن تمنع دموعها من السقوط، لكن عينيها خانتاها. انزلقت الدموع من زواياهما، ثم اختفت وهي تشق طريقها بصمت على جانبي وجهها. كانت لينا تؤمن بأن ست سنوات كافية لتكسب حب إلياس. كانت تظن أن الوقت سيجعله يرى حقيقتها، ويكتشف أنها تستحق أن يحبها، وأن كل ما قدمته له لم يذهب سدى. لكنها الآن أدركت أن كل ذلك لم يكن سوى أمنيات نسجتها وحدها. فمهما حاولت، ومهما انتظرت، لم تستطع أن تصبح في نظر إلياس أفضل من ميرا، حبيبته السابقة التي عادت مؤخرًا. وحين انفتح باب المصعد، مسحت لينا دموعها بسرعة، واستعادت ملامحها الهادئة، إلا أن شحوب وجهها فضح ما عجزت عن إخفائه. خرجت من المصعد واتجهت إلى غرفة الاستراحة. كانت تحتاج إلى شيء يشغل يديها، أي شيء يساعدها على استعادة وعيها، لذلك أعدّت فنجانًا من القهوة. لكن قبل أن تلمس الفنجان، تسللت إلى مسامعها أحاديث الموظفين. "هل رأيت الأخبار؟ لقد عادت ميرا." "من هي؟" "ألا تعرفين؟ والد ميرا
الفصل 9 في صباح اليوم التالي، ذهبت لينا إلى العمل في موعدها المعتاد. لم تسمح لوجهها أن يكشف شيئًا. كان إلياس قد حاول إقناعها بالتوقف عن العمل بعد زواجهما، لكنها أصرت على الاحتفاظ بعملها وكسب المال بنفسها لتسدد دينها. ولم يعترض إلياس في النهاية، لكنه طلب منها أن تعمل مساعدته، وأن تتولى كذلك مساعدته في شؤون الأعمال اليومية. أما ماتيو، مساعده الرئيسي، فقد تُرك له التعامل مع الشؤون الرئيسية. وكان ماتيو الموظف الوحيد في مجموعة ديكسون الذي يعرف بزواجهما. منذ البداية، لم يكن في مكتب الرئيس سوى مساعدين من الرجال. كانت لينا أول امرأة تشغل هذا المنصب، والوحيدة حتى الآن. كان تعيينها مخالفًا للبروتوكول المتبع، ولذلك لم يستطع بقية الموظفين منع أنفسهم من التساؤل عما إذا كانت متورطة في علاقة ما مع الرئيس. احتاج الأمر إلى بعض الوقت قبل أن يدركوا أن إلياس لم يعامل لينا معاملة خاصة قط. والمفارقة أن اكتشافهم لذلك لم يجعلهم يتعاطفون معها، بل جعل نظرتهم إليها أكثر قسوة. ففي نظرهم، لا يمكن لامرأة أن تحتفظ بمثل هذا المنصب طويلًا اعتمادًا على مظهرها وحده. ولهذا كان استمرار لينا في عملها طوال تلك
الفصل 8 كان بإمكان لينا أن تتوقف عن الظهور أمام إلياس بمظهر السكرتيرة التي لا تتجاوز حدود عملها، إلا أن تلك الفكرة العابرة لم تصمد طويلًا. فما إن رفع إلياس هاتفه، ووقعت عيناها على اسم **"ميرا"** المضيء على الشاشة، حتى تبدد كل ما راودها من أوهام في لحظة. تغيرت ملامح إلياس، وعاد وجهه إلى هدوئه المعتاد، ذلك الهدوء الذي لم تكن لينا تستطيع اختراقه مهما حاولت. تركها جانبًا واتجه إلى الهاتف، ثم جلس دون أن يبدي أي اهتمام بما قالته. ضغط زر الإجابة وقال بصوت هادئ: "مرحبًا." ومن ثم نهض إلياس من السرير، وارتسمت على وجهه صرامة مألوفة، ثم مر بجانبها متجهًا إلى خارج غرفة النوم، وكأنه لم يعد يرى في الغرفة شيئًا يستحق اهتمامه. كان يريد أن يتحدث مع ميرا بعيدًا عنها. شعرت لينا بوخزة مؤلمة في قلبها. ثم ابتسمت بسخرية مريرة، وكأنها تسخر من نفسها قبل أي شخص آخر. **لينا... يا لينا!** كيف سمحتِ لنفسكِ أن تصدقي تلك الأوهام السخيفة؟ قلبه كان لميرا منذ البداية. ولن يكون هناك مكان لكِ فيه، مهما حاولتِ، ومهما طال زواجكما. ألم يقل لكِ ذلك بنفسه يوم تزوجكِ قبل ثلاث سنوات؟ كانت كلماته القديمة لا تزال عال
الفصل 7 توقفت لينا فجأة ولم تعد تشعر بتلك العفوية الهادئة التي اعتادت أن تجمعها بإلياس، ولا ذلك الانسجام الصامت الذي نشأ بينهما على امتداد السنوات. بدا الفاصل بينهما فجأة واضحًا وقاسيًا، وكأنها عادت إلى مكانها الحقيقي: موظفة تقف أمام رئيسها، لا زوجة أمام الرجل الذي شاركته حياته ست سنوات حتى ولو لم يمارسا الحميمية سوى لليلة واحدة تلك التي كانت بالأمس وللسخرية هو لا يعلم بذلك. قالت لينا بنبرة رسمية هادئة تخفي ارتباكًا عميقًا: "سيد يورك، هل لديك أي تعليمات أخرى؟" التفت إلياس إليها. استقرت عيناه على وجهها الشاحب، وعلى تلك المسافة التي تعمدت رسمها بينهما. لم يعجبه هذا التغير وإن لم يفهم تمامًا سبب انزعاجه منه. ومن ثم قال بصوت يحمل نبرة آمرة: "اجلسي." ترددت لينا للحظة. لم تعرف ما الذي يريده منها، ولا لماذا بدا صوته مختلفًا. ومع ذلك، أطاعته وجلست دون مقاومة. اقترب إلياس منها. ومع كل خطوة يخطوها، كانت لينا تشعر بأن شيئًا غريبًا يتغير في الجو من حولهما. لم يكن دنوه يشبه اقترابه المعتاد منها. كان هادئًا، مترددًا على نحو لم تعهده فيه، وفي الوقت نفسه مشحونًا بتوتر جعل قلبها يخفق دون إذن







