Masukفي الصباح الذي تلا إعلان توسعة الميزانية وتثبيت الهيكل التنفيذي لـ "بيت نجلاء" في جبل عمّان، أشرقت الشمس بدفء شفاف يغمر فناء القصر الحجري. لم تدُم حالة الارتياح والاحتفاء كبيراً؛ إذ كان يوسف يدرك بوعيه الأكاديمي والعملي أن اتساع نطاق المبادرة يفرض نمطاً جديداً من التحديات التنفيذية والإدارية اليومية التي لا يمكن حسمها بالشعارات. في الساعة التاسعة صباحاً، اجتمع الفريق المصغر في الغرفة الملحقة بالمكتبة المركزية للجمعية. كانت الطاولة مغطاة بمشاريع القوانين الداخلية، واللوائح الميدانية، وضوابط منح التمويل الدوار. أخرجت رغد ملفاً وردياً سميكاً يحتوي على الطلبات الخمسين الأولى التي جرى تقييمها مبدئياً خلال اليومين الماضيين. وُضعت أوراق الملف أمام كرم وأمي ويوسف، بينما توقفتُ أنا عند المخطط البياني المرفق الذي أعدته الكوادر الأردنية الشابة. "أمامنا أول مفترق طرق عملي يمس فلسفة الوقف،" أعلنت رغد بنبرة حازمة ومباشرة. "من بين الطلبات الخمسين المقدمة للحصول على التمويل الدوار، هناك خمسة عشر مشروعاً لا تندرج تحت مفهوم المبادرات الصغرى التمكينية التقليدية؛ بل هي مشروعات تجارية قائمة بالفعل ل
أشرقت شمس الصباح على قصر الجمعية الثقافية في جبل عمّان، لتكشف عن صورة مغايرة تماماً لما كان عليه الوضع في الأسبوع الماضي. لم يعد المقر مجرد نقطة استقبال طارئة تُدار وسط الفوضى والانتقال؛ بل تحوّل البناء الحجري الوردي إلى خلية عمل تنبض بالتنظيم الدقيق والاحترافية. انتشر المتطوعون والموظفون الميدانيون في القاعات الداخلية المطلة على الحديقة الواسعة. خُصصت القاعة الشرقية الكبرى لاستقبال المراجعين والاستماع المباشر لحالاتهم وفق آلية التوثيق الصارمة التي وُضعت في دمشق، بينما تحولت القاعة المجاورة إلى مركز تدريب للبرامج التمكينية والورش الحرفية والمالية التي ترعاها "فجر". جلستُ في المكتب الإداري مع كرم ويوسف ورغد والأستاذ طارق العبادي. كان الخشب القديم للطاولة العريضة مغطى بخرائط تنظيمية جديدة، ومحاضر جلسات، وجداول تمويل مخصصة لمخرجات المبادرة في عمّان. "العدد الإجمالي للمستفيدين المسجلين خلال الأيام الثلاثة الماضية بلغ مئة وأربعة وثمانين شخصاً،" قالت رغد وهي تعرض البيانات الإحصائية من جهازها اللوحي. "هذا النمّو السريع يضعنا أمام أول اختبار تنفيذي حقيقي للهيكلة الإدارية للوقف: كيف ن
استقرت الشاحنتان أمام الباب الخارجي للجمعية الثقافية الأردنية في جبل عمّان مع حلول الظهيرة. كانت أشعة الشمس الذهبية تتخلل أغصان شجر الكرمة والتين القديمة في الحديقة الواسعة، لتلقي بظلال دافئة على الفناء الأبلق المبلط بالحجر الوردي. خلافاً للهدوء الجاف الذي تركناه خلفنا في اللويبدة، كانت الحديقة هنا تموج بحركة حية ونشاط متدفق. عشرات المتطوعين من شباب الحي ورجاله، إلى جانب عدد من النساء والفتيات اللاتي زاروا "بيت نجلاء" في مقره السابق، تجمعوا تلقائياً بمجرد سماعهم بنبأ الانتقال ليرحبوا بالوفد ويساعدوا في إنزال الصناديق والمعدات. وقفتُ عند درجة المدخل الرئيسي للقصر العماني العتيق، أتأمل هذا التلاحم الميداني الذي تشكل في ساعات قليلة بفضل الثقة الصافية ونقل الخبر بين الناس. كانت رغد تتنقل بين المجموعات بملامح طافحة بالبشر، توزع المهام بمرونة؛ فريق ينقل الأجهزة الإلكترونية والمستندات إلى القاعات الداخلية، وفريق آخر يساعد في ترتيب الكراسي والطاولات الخشبية في الساحة المفتوحة لاستقبال المراجعين. اقترب الأستاذ طارق العبادي منا، ينظر إلى الحشد المتطوع بابتسامة دافئة تحمل اعتزازاً عميقا
في صباح اليوم التالي، كانت شمس عمّان تشرق بصفاء يغمر أزقة جبل اللويبدة الهادئة، بينما كانت شاحنتان صغيرتان تقفان أمام المقر القديم لـ "بيت نجلاء". ساد المكان صمت خفيف لا يقطعه سوى صوت تحميل بعض الكراسي الخشبية والمكاتب البسيطة والأجهزة الإلكترونية التي استخدمتها رغد وفريقها خلال الأيام الماضية. وقفتُ عند عتبة الباب الداخلي أراقب يوسف ورغد وهما يجمعان الملفات والملصقات التعريفية بحرص شديد، لضمان عدم ترك ورقة واحدة تحمل بيانات المستفيدين أو خطط العمل الميداني. لم يكن في وجوه الشباب أي أثر للهزيمة أو الانكسار؛ بل كانت الملامح تنضح برضا هادئ ووعي ناضج يدرك أن القيمة الحقيقية للمكان غادرت معهم نحو المقر الجديد في جبل عمّان. "كل شيء جاهز للنقل يا شام،" قالت رغد وهي تغلق آخر صندوق كرتوني بحزام لاصق. "الأجهزة، والسجلات الميدانية، وحتى الشتلات الصغرى التي غرسناها في الفناء الخارجي نقلناها إلى شاحنة الجمعية في جبل عمّان." "ممتاز يا رغد،" أجبتُها وأنا أبتسم بثبات. "لا نريد أن نترك خلفنا سوى الحوائط الجافة التي تسابقوا لإعادة استئجارها بأسعار مضاعفة." في هذه اللحظة بالذات، توقفت سيارة
لم تكد شمس الصباح تشرق فوق تلال عمّان الممتدة حتى كنا نتحرك في الأزقة المنحدرة باتجاه حي جبل عمّان، الحي الذي يحفظ بوقار مبانيه الحجرية وأشجاره العتيقة طابعاً من العراقة والهدوء الشديدين. كانت نسائم الصباح المحملة برائحة الصنوبر والندى الجبلي تمنح الحركة خفة، بينما كان الملف الأزرق الذي يحمله يوسف مطوياً تحت ذراعه يضم نصوص "اتفاقية الشراكة المكانية والتمكين المتبادل" التي صاغها بتركيز عالٍ طوال ساعات الليل. وصلنا إلى مقر "الجمعية الثقافية الأردنية للعمل المجتمعي" الواقع في شارع عمر بن الخطاب المتفرع من شارع الرينبو الفوقاني. كان المبنى عبارة عن قصر عماني مبني من الحجر الوردي المصقول في أربعينيات القرن الماضي، تحيط به حديقة واسعة تضم أشجار كرمة وتين قديمة، وفناء أبلق مبلط يطل على الأودية والمباني المتدرجة للحي مقابل اللويبدة. استقبلنا عند المدخل الرئيسي رئيس مجلس إدارة الجمعية، الأستاذ طارق العبادي—رجل في ستينيات عمره، ينضح وقاراً ولطفاً، وله عينان حادتان تعرفان كيف تقرآن صدق النوايا دون حاجة لكثير من التزويق الكلامي. "أهلاً بكم في عمّان.. أهلاً سيدة شام، أهلاً سيد كرم، أهلاً
لم تتوقف عجلات السيارة الكبيرة التي قلّتنا من مطار الملكة علياء الدولي باتجاه وسط العاصمة الأردنية عمّان سوى عند مشارف حي جبل اللويبدة القديم، حيث تتداخل الأبنية الحجرية البيضاء مع انحدارات التلال وتزدان الشوارع بأشجار الزيتون والياسمين. كان الهواء الجبلي يحمل برودة جافة تشرح الصدر، لكن وجوهنا—أنا ويوسف وكرم—كانت تحمل جدية طارئة لم تدع مجالاً للاستمتاع بهدوء المدينة. أزمة مقر عمّان لم تعد مجرد مسألة تنظيمية يمكن حلها بضعة اتصالات عبر الشاشة من دبي أو دمشق. الملف الذي أرسلته المنسقة الميدانية رغد قبل يومين كشف عن معضلة معقدة؛ فقد توافد العشرات من الشباب والنساء نحو "بيت نجلاء للتمكين والمساحات الآمنة" في أسبوعه الأول، مما جعل المقر المستأجر في اللويبدة يعج بالزوار والمستفيدين الذين فاقوا طاقته الاستيعابية بثلاثة أضعاف. لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في الإقبال الكبير بحد ذاته، بل في رد فعل السوق العقاري المحلي والسماسرة الذين تحلقوا حول المقر بمجرد انتشار اسم الوقف ورعايته من مؤسسات مجتمعية وشركة "فجر". مطالب مالية مبالغ فيها، ومحاولات ابتزاز شائعة لرفع بدل الإيجار للضعف، إلى جانب ت







