مشاركة

ما يأتي بعد ذلك

مؤلف: Alaa issa
last update تاريخ النشر: 2026-08-02 16:40:53

في نهاية ذلك الشهر، في مساء هادئ من مساءات الخميس، جلستُ في الشرفة الصغيرة مع دفتر نجلاء في يدي ونظرتُ نحو البحر البعيد الذي يُلمَح خلف المباني في أيام الصحو.

قلتُ لكرم الذي كان يقرأ بجانبي: "انتهيتُ."

رفع رأسه. "انتهيتِ من ماذا؟"

"من دفتر نجلاء. من الكتابة عنها. وصلتُ إلى نهاية."

"وكيف تعرفين أنها النهاية؟"

"أعرف لأن آخر ما كتبتُه شعر وكأنه وصل إلى المكان الذي كان يسير نحوه منذ الجملة الأولى. وهذا هو الإحساس الذي يُخبرك بأن شيئاً ما اكتمل: ليس أنك لا تعرف ماذا تكتب بعد ذلك، بل أنك تعرف أن
استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
الفصل مغلق

أحدث فصل

  • خلف قناع الصمت   ما يأتي بعد ذلك

    في نهاية ذلك الشهر، في مساء هادئ من مساءات الخميس، جلستُ في الشرفة الصغيرة مع دفتر نجلاء في يدي ونظرتُ نحو البحر البعيد الذي يُلمَح خلف المباني في أيام الصحو. قلتُ لكرم الذي كان يقرأ بجانبي: "انتهيتُ." رفع رأسه. "انتهيتِ من ماذا؟" "من دفتر نجلاء. من الكتابة عنها. وصلتُ إلى نهاية." "وكيف تعرفين أنها النهاية؟" "أعرف لأن آخر ما كتبتُه شعر وكأنه وصل إلى المكان الذي كان يسير نحوه منذ الجملة الأولى. وهذا هو الإحساس الذي يُخبرك بأن شيئاً ما اكتمل: ليس أنك لا تعرف ماذا تكتب بعد ذلك، بل أنك تعرف أن ما كتبتَه يكفي وحده." "هل تُريدين أن تقرئيه عليّ؟" "نعم. لكن الفقرة الأخيرة فقط." فتحتُ الدفتر على الصفحة الأخيرة وقرأتُ: "نجلاء لم تكن تُريد أن يُتذكَّر صمتها. كانت تُريد أن يُفهَم. والفهم والتذكّر شيئان مختلفان: التذكّر يُبقي الماضي حاضراً دون أن يُغيّره. والفهم يأخذ الماضي ويجعله جزءاً من المعرفة التي تُغيّر المستقبل. ونحن، من جلسنا في فنائها وقرأنا وثائقها وحاولنا أن نفهم، اخترنا الفهم على التذكّر. وهذا بالضبط ما أرادت." أغلقتُ الدفتر. قال كرم ببطء: "هذا جيّد جداً. لأنه يصف شيئاً حقيقيا

  • خلف قناع الصمت   المستشار الجيد يعرف متى ينتهي دوره

    في صباح من أوائل ذلك الشهر طلبت مني نور لقاءً. ليس جلسةً كالجلسات المعتادة التي كانت تُحدد لها غرضاً واضحاً، بل مجرد جلسة قهوة في مكتبها دون أجندة. قالت: "قرّرتُ أن أُنهي دوري كمستشارة رسمية لكِ ولكرم." توقفتُ. قلتُ: "لماذا؟" قالت بهدوء ووضوح لم يشبه فيهما أي اعتذار: "لأن ما كنتُ أُقدّمه في البداية كان ضرورياً في تلك الأيام. كنتُما بحاجة لمن يُساعدكما على رؤية الأشياء التي كان الضغط يمنعكما من رؤيتها. لكنني أُلاحظ منذ أشهر أن ما كنتُ أُقدّمه أصبح يأتيكما من داخلكما. كرم يُقيّم القرارات بنفس الأسئلة التي علّمتُه إياها. وأنتِ تقرئين الناس وتقرئين المواقف بنضج لم يأتِ مني بل نما فيكِ. والمستشار الجيد هو من يعرف متى ينتهي دوره." "وهل تُقطعين التواصل بالكامل؟" "لا. ما أُنهيه هو العلاقة الرسمية: الجلسات المُحدّدة والتقارير والتحليلات المنهجية. ما يبقى هو شيء مختلف: أكون متاحةً حين تحتاجانني وأُشاركانكما قراءتي حين تطلبانها. لكن كصديقة لا كمستشارة." أخبرتُ كرم في المساء. قال: "المستشار الذي يُقرّر إنهاء دوره حين لم يعد ضرورياً، لا حين انتهى التعاقد أو حين طُلب منه، هذا مستشار يعمل من إ

  • خلف قناع الصمت   لماذا نعمل؟

    في ذلك الأسبوع قرّر كرم شيئاً لم يُخبرني به مسبقاً بل أخبرني به بعد أن قرّره وبدأ تنفيذه. جاءني في المساء بعد يوم طويل وجلس أمامي بطريقة من انتهى من شيء لم يكن سهلاً. قال: "أخبرتُ فراساً اليوم بشيء. أخبرته بأنني أُريد إعادة صياغة بيان مهمة الشركة." "فجر؟" "فجر. البيان الحالي يتحدث عن النمو المستدام وخلق القيمة للمساهمين وتطوير الأعمال في المنطقة. كلام صحيح لكنه لا يقول شيئاً عن لماذا نفعل ما نفعله. أُريد بياناً يقول إن الشركة تُؤمن بأن الأعمال الناجحة هي تلك التي تُنشئ قيمةً حقيقيةً لمن تتعامل معهم لا فقط لمن يملكونها." "وما رأي فراس؟" "فراس قال إن هذا لن يُغيّر شيئاً في العمليات اليومية. وأنا قلتُ له إنه سيُغيّر طريقة اتخاذ القرارات حين نقف أمام خيارَين أحدهما أكثر ربحاً والآخر أكثر أثراً." "ولماذا الآن تحديداً؟" فكّر كرم لحظة حقيقية. "لأن برنامج الإرشاد الذي بدأتُه جعلني أُفكّر في كيف يتخذ الشباب قراراتهم المهنية. وكثيرٌ منهم يبحث عن شركات تعمل بمبادئ واضحة لا مجرد أرقام. وأنا أُريد أن تكون فجر مكاناً يستطيع فيه من يُؤمن بما نُؤمن به أن يجد بيئةً تُتيح له أن يكون صادقاً مع هذ

  • خلف قناع الصمت   مكان آمن ليس مكان إجابات

    في صباح اعتيادي من أوائل الشهر التالي وصلت رسالة إلكترونية إلى عنوان الوقف الرسمي. وكانت ريم من تلقّتها وأرسلتها إليّ مع ملاحظة واحدة في الهامش: "اقرئيها أنتِ أولاً ثم أخبريني برأيك قبل أن أُقرّر." الرسالة كانت من باحثة في جامعة بيروت تكتب رسالةً أكاديمية عن المنظمات المجتمعية غير الربحية في منطقة الشرق الأوسط وطُرق عملها وفلسفتها في التعامل مع الفئات المُهمَّشة. كانت قرأت عن وقف بيت العتبة في مقال صغير نُشر في موقع متخصص في الشؤون المجتمعية. وأرادت إجراء مقابلة لفهم كيف يعمل الوقف وما الفلسفة التي يقوم عليها. اتصلتُ بريم. قلتُ لها: "ما رأيك في المبدأ؟" قالت: "المبدأ جيد. الوقف يعمل بشفافية وليس لدينا ما نُخفيه عن باحثة جادة. لكنني أُريد أن نتفق على شيء واحد قبل أي مقابلة: أن نتفق على ما نقوله وما لا نقوله. ليس لأن لدينا أسراراً بل لأن بعض الأشياء تحتاج سياقاً لكي تُفهم. قصة نجلاء الشخصية مثلاً. يمكن للباحثة أن تعرف أن الوقف أُسّس باسم امرأة. لكن تفاصيل حياتها ولماذا صمتت ولمن تركت الوثائق، هذا ليس للنشر الأكاديمي." "موافقة تماماً." عقدنا المقابلة أنا وريم عبر اتصال مرئي مشترك. ال

  • خلف قناع الصمت   ما يتركه الكتاب بعد صاحبه

    في أحد أيام ذلك الشهر طلب منّي يوسف أن يتحدث معي في شيء مهم. قال ذلك عبر رسالة نصية قصيرة في الصباح: "عندي شيء أُريد أن أُخبركِ به حين تتفرّغين." وكان في هذه الجملة البسيطة شيء لفت انتباهي: يوسف في بداياته معنا كان يسأل قبل أن يُخبر. أما الآن فيقول عندي شيء أُريد أن أُخبركِ به بثقة من يعرف أن ما لديه يستحق أن يُسمَع. التقينا في المساء في المطبخ المشترك. قال: "قرّرتُ تخصّصي." "ماذا اخترتَ؟" "اخترتُ علم الاجتماع مع توجّه في السياسات الاجتماعية. لأنني أُريد أن أفهم كيف تُصمَّم الأنظمة التي تُساعد الناس أو تُهمّشهم. لأنني رأيتُ في حياتي كيف يُؤثّر النظام على الإنسان قبل أن يختار الإنسان أي شيء. ورأيتُ في عملي في الوقف كيف يمكن لمؤسسة صغيرة أن تُعوّض ما أخفقت فيه أنظمة أكبر. وأُريد أن أفهم هذا بشكل أعمق حتى أستطيع أن أُسهم في تغييره." "يوسف، هذا كبير." "أعرف. وصلتُ إليه بطريقتَين. الأولى من دراستي في الجامعة حين بدأتُ أُربط بين ما نتعلّمه وما رأيتُه في الوقف وفي حياتي. والثانية من قراءة وثائق نجلاء. نجلاء لم تكن تعمل في مواجهة نظام. كانت تبني في الفجوات التي تركها النظام. وأنا أُريد أ

  • خلف قناع الصمت   القوس لا ينتهي بل يستمر

    في نهاية الفصل الدراسي الأول جلستُ في مكتبة الجامعة في الساعة الأخيرة قبل إغلاقها الليلي، وحدي بين أرففها المضاءة بضوء بارد هادئ، وأمامي الدفتر الجامعي المليء بالملاحظات والورقات المتناثرة التي تراكمت على مدى أربعة أشهر من الحضور والاستماع والكتابة وإعادة الكتابة. أنهيتُ آخر ملاحظة للمادة الأخيرة في الفصل. وضعتُ القلم على الطاولة. ونظرتُ حولي في تلك المكتبة التي صارت خلال هذه الأشهر الأربعة مكاناً ألجأ إليه في أوقات مختلفة ولأسباب مختلفة: أحياناً للدراسة وحل الواجبات، وأحياناً للكتابة عن نجلاء في دفتر آخر أحمله معي، وأحياناً فقط لأجلس في مكان لا يطلب منّي شيئاً إلا أن أكون هادئةً وأن أُفكّر دون ضغط. في تلك اللحظة الأخيرة قبل أن أجمع حقيبتي وأُغادر، فكّرتُ في كل ما مررتُ به في هذا الفصل الواحد. كان فصلاً بدأ بخوف خفيف غير مُعلَن، الخوف من أن أكون الشخص الأكبر سناً في القاعة أو الأقل انتماءً لبيئة الدراسة بعد كل هذه السنوات التي انقطعتُ فيها عن المؤسسة الأكاديمية. كنتُ أتساءل في الأسابيع الأولى إن كنتُ سأستطيع الاندماج أو إن كانت الهوّة بين حياتي خارج الجامعة وحياة الطلاب الأصغر سناً

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status