تسجيل الدخولساد الصمت الغرفة، وكان إيڤان لا يزال محاصراً إياها بجسده، يترقب رد فعلها على اقترابه. فجأة، توقفت أنفاس مِيلَا، وتغيرت نظراتها؛ لم تعد نظرات تحدٍ، بل انطفأ فيها كل شيء، وحلّ محله شريطٌ من الذكريات التي كانت مدفونة. استرجعت تلك الأيام، عندما كانت الطفلة المدللة التي تلاحقه بنظراتها، متخيلةً أن "الحبيبة" التي كان يحيطها باهتمامه في تلك الصور القديمة كانت مجرد وهم، أو ربما كانت تظن ببرائتها أنها صديقة عابرة. لكن في هذه اللحظة، ومع نظرات إيڤان القريبة والخانقة، أدركت الحقيقة التي طالما تجاهلتها أو لم تكن تملك الوعي لإدراكها آنذاك: *لقد كانت تلك المرأة هي عالمه، بينما كانت هي مجرد طفلةٍ في الهامش.* فجأة، وبدون مقدمات، انفجرت مِيلَا بالبكاء. لم يكن بكاءً عادياً، بل كان نحيباً يخرج من أعماق صدرها، محملاً بوجع السنين، وبالقهر من كونها كانت تحبه بكل براءتها وهو غارقٌ في قصة حبٍ أخرى لم تكن تعلم عنها شيئاً. نظر إليها إيڤان بصدمة، ثم ضحك ضحكةً ساخرة، ظاناً أنها "تمثيلية" أخرى لتستدرّ عطفه أو لتخرجه عن طوره: — "ما هذا؟ هل بدأتِ الدراما الآن؟ هل تعتقدين أن دموعكِ ستغير شيئاً في قراري؟" لم تسم
بعد ساعاتٍ من ذلك الخلاف، عاد إيڤان ليجد مِيلَا في الردهة، لا تزال ترتدي ذات الثياب التي أثارت جنونه في الاجتماع. بمجرد أن رآها، توقفت حركته. لم يصرخ هذه المرة، بل اقترب منها بهدوءٍ مريب، والشرر يتطاير من عينيه. توقفت مِيلَا، حاولت أن ترسم على وجهها تعبير اللامبالاة، لكن نظراته كانت تخترقها. توقف أمامها مباشرةً، وبحركةٍ متعمدة ومستفزة، أمسك بطرف قماش ثيابها بأصابعه، ثم رفع نظراته ببطءٍ شديد، ماسحاً بجسدها نظرةً ثاقبة وجريئة توقفت عند عينيها، نظرةٌ تحمل رغبةً وتملكاً جعلت قلبها يخفق بجنونٍ رغم محاولتها التماسك. خيم الصمت للحظات، وكان الضغط يتصاعد. مال إيڤان برأسه قليلاً، وقال بنبرةٍ خفيضة ومبحوحة، تقطر تهديداً لا يخلو من حرارة: — "لا تعتقدي أن سكوتي يعني أنني نسيتُ ما حدث في المكتب، أو أنني غفرت لكِ خروجكِ عن طاعتي." ارتجفت مِيلَا، لكنها عضت على شفتيها لتمنع تراجعها. استكمل إيڤان وهو يشد قبضته قليلاً على ملابسها، مقترباً حتى لامست أنفاسه وجهها: — "المرة القادمة التي أطلب فيها منكِ القدوم معي، ستنفذين دون كلمةٍ واحدة.. ستتحركين فوراً." ساد صمتٌ قصير، ثم أضاف بوعيدٍ جعل الدماء تتجم
لم تنتهِ المواجهة عند مقاعد الاجتماع. وبينما كان الجميع يلملم أوراقه للمغادرة، اقتربت شارلوت من مِيلَا ببطء، ممررةً يدها على كتفها بلمسةٍ مقصودة، وهمست بصوتٍ لم يسمعه إيڤان: — "لا ترهقي نفسكِ يا عزيزتي، فالمكان الذي تحاولين التمسك به، أنا فيه منذ سنوات.. الجاكيت كان مجرد البداية، فما بالكِ بما هو أعظم؟" لم تمنحها مِيلَا فرصة الاستمتاع بانتصارها، التفتت إليها ببرودٍ قاتل وقالت: — "وجودكِ هنا لا يعني شيئاً سوى أنكِ لا تملكين كرامةً لتنسحبي، أما أنا.. فقد كنتُ هنا لأريهم كيف تكون الزوجة التي لا تخشى أحداً." سبقت مِيلَا الجميع بخطواتٍ غاضبة، متوجهةً نحو المخرج، لكنها لم تصل إلى باب الشركة. قبل أن تلمس يدها مقبض الباب، شعرت بيدٍ قوية تطبق على ذراعها وتجذبها بعنفٍ نحو الممر الجانبي المؤدي لمكتب إيڤان الخاص. دخل بها المكتب وأغلق الباب خلفهما بصوتٍ دوّى في الممر، ثم أدار المفتاح بحدة. ألقى إيڤان بكل ثقله أمام الباب، محاصراً إياها بنظراته التي كانت تغلي. — "هل تظنين أنكِ ستخرجين من هنا بعدما أهنتِ وجودي وتحديتِ أوامري أمام الجميع؟" قال إيڤان بصوتٍ خفيض، يملؤه وعيدٌ مخيف. اقترب منها حتى
كانت شارلوت تتعمد التجول في القاعة بخيلاء، تتوقف تارةً عند أوراق إيڤان، وتارةً أخرى تتبادل نظراتٍ استفزازية مع مِيلَا، بينما الجاكيت لا يزال يتدلى على كتفيها كرمزٍ لانتصارها المزعوم. كان الهدوء في القاعة يتلاشى، والجميع يرقب هذا الشد والجذب بصمتٍ حذر. مِيلَا، التي بلغ بها الضيق مداه، لم تعد تحتمل هذا العبث. وضعت قلمها بقوة على الطاولة، والتفتت نحو شارلوت بابتسامةٍ باردة جعلت القاعة تصمت تماماً، وقالت بصوتٍ مسموعٍ وصل إلى الجميع: — "شارلوت، يبدو أنكِ تائهة قليلاً.. لم أفهم حتى الآن سبب وجودكِ في اجتماعٍ بهذا القدر من الأهمية. منذ متى أصبحتِ جزءاً من هيكلية هذه الشركة؟" انحبست الأنفاس في القاعة. كانت إهانةً مباشرة تضرب جوهر وجود شارلوت. في تلك اللحظة، شعر إيڤان أن مِيلَا تجاوزت الخطوط الحمراء، فاندفعت يده تحت الطاولة لتطبق على فخذها بقوةٍ جنونية، ضغطةٍ قاسية لم تكن تحذيراً، بل كانت عقاباً فورياً على جرأتها. لم تستطع مِيلَا تمالك نفسها من شدة الألم الذي اخترق عظامها، فأطلقت صرخةً حادة ومفاجئة جعلت كل رؤساء الشركات ينتفضون في مقاعدهم. اتسعت عينا إيڤان بصدمةٍ حقيقية؛ لم يتوقع أن ألمه س
كانت القاعة تضجُّ بحواراتٍ رسمية، حين دخلت "شارلوت" بخطواتٍ واثقة، مرتديةً ثوباً يكاد يخلو من الحشمة، بفتحاتٍ جريئة وتصميمٍ يذكر بأزياء النوادي الليلية. توقف إيڤان عن الحديث فجأة، واتسعت عيناه؛ ليس لأنها دخلت، بل لأن مِيلَا —التي كانت ترتدي جاكيته كدرعٍ يحجبها عن الأنظار— بدأت تتابع حركة عيني إيڤان وهي ترقب "شارلوت" بكل تفاصيلها. لحظةٌ واحدة، أدركت فيها مِيلَا الازدواجية الفجة: هو الذي أقام الدنيا وأقعدها بسبب "كنزتها" التي لا تكشف سوى القليل، يقف الآن صامتاً، بل ومرحباً بامرأةٍ تكشف أكثر مما تستر. اشتعلت في صدر مِيلَا نارُ كبرياءٍ جريح، لكنها لم تظهر أي اضطراب. ببطءٍ مستفز، وبحركةٍ رشيقة ومدروسة، بدأت تفك أزرار جاكيت إيڤان الذي يغطي كتفيها. كان إيڤان يراقبها، وفي عينيه نظرةُ تحذيرٍ حادة، لكن مِيلَا تجاهلته تماماً. نزعت الجاكيت عن كتفيها، وكشفت عن الكنزة التي كانت سبباً في "بهدلته" لها داخل السيارة. أدارت وجهها نحو شارلوت، ثم التفتت إلى إيڤان، ومدت يدها بالجاكيت نحوه بابتسامةٍ باردة وقاسية: — "يبدو أنني كنتُ مخطئة، إيڤان. لم تكن خائفاً على 'الاحتشام' في الاجتماع، بل كنتَ خائفاً عل
مرّت أربعٌ وعشرون ساعةً على آخر مواجهة بينهما. طوال ذلك الوقت، كان القصر يعيش تحت وطأة توترٍ غير مرئي. لم يلتقيا، لكن أنفاسهما كانت تتصادم في كل ركن. في الصباح، طرق إيڤان باب جناحها. لم ينتظر إجابةً، بل دخل بهدوئه المعتاد —هدوءٍ كان يخفي خلفه عاصفةً من الغضب المكبوت— ليجد مِيلَا جالسةً عند النافذة، تتجاهل وجوده تماماً. — "مِيلَا،" بدأ بنبرةٍ مدروسة، محاولاً أن يبدو عقلانياً. "اجتماع اليوم يخص الورثة، ووجودكِ قانونياً ضروري. لا تضطرينا لتحويل الأمر إلى معركةٍ أخرى." لم تلتفت، بل قالت ببرودٍ يقطر وجعاً: — "قلتُ لك سابقاً.. لا أريد الذهاب. تعامل مع الأمر بمفردك، فأنت بارعٌ في القيام بكل شيء وحدك، أليس كذلك؟" تنهد إيڤان، وأغلق عينيه للحظة، مستحضراً كل ذرة صبرٍ يملكها. مشى نحوها وجلس على ركبتيه أمام الكرسي الذي تجلس عليه، في محاولةٍ لخفض حواجزها. — "انظري إليّ،" قال بهدوء، يده تتردد قبل أن تلمس طرف قميصها. "نحن في مرحلةٍ حساسة، وأنا أحتاجكِ بجانبي. لا تعاندي لمجرد العناد. أنتِ تعرفين أنني لا أستطيع إتمام هذه الإجراءات دون حضوركِ الشخصي. ساعديني، وسأنسى ما حدث بالأمس." نظرت إليه مِيل







