LOGINتبدأ الحكاية من قلب لين التي وقعت في عشق ابن عمتها ريان منذ أن كانت في الرابعة عشرة من عمرها؛ حبٌّ عذري وعميق كبر معها يوماً بعد يوم، وظلّ سراً دفيناً في صدرها لا يعلم به سوى صديق طفولتها المقرب خالد. ورغم هذا الحب الجارف، كانت الصدمة القاسية عندما أُجبر ريان على الزواج منها غصباً عنه تلبيةً لرغبة عائلية، دون أن يدرك أن قلبها كان يحترق وراء قناع كبريائها وجفائها الظاهري.
View Moreكانت عيناها تراقبانهما من بعيد، تلك العينان العسليتان اللتان امتلأتا ببريق دموع محبوسة وهي تراه يقف مع أمل، حبه الأول والأخير. بعد زواجها الإجباري منه، كانت تقنع نفسها في كل ليلة بأنه قد يحبها يوماً ما، وبأن دفء حضورها سيمحو أثر الماضي، لكن الآن، وهي تراهما يتبادلان الضحكات والنظرات الهامسة، شعرت بشرخ عميق في قلبها، وتأكدت أن حلمها قد يبقى سراباً مهما اقتربت منه.
تراجعت إلى الخلف وهي تكتم غصتها، وسارت بخطى مترنحة لا تعلم إلى أين تذهب. كانت في بيت جدها الكبير، فتوجهت غريزياً إلى المكان الوحيد الذي تستطيع أن تبكي فيه بحرية . غرفتها القديمة التي عاشت فيها قرابة اثنتين وعشرين سنة قبل أن يربط الجد مصيرها بابن عمها وحب حياتها، ريان. كان ريان بالنسبة للين هو المبتدأ والمنتهى، غير أنه أُجبر على هذا الزواج إرضاءً لقرار الجد الصارم، أما هي فلم ترفض، بل وافقت بكبرياء عاشق يؤمن بأن اللامبالاة ستذوب يوماً تحت سطوة الحب، لكن الواقع الليلة صدمها بقسوة. وبينما كانت تسير وعيناها غارقتان بالدموع، اصطدمت فجأة بجسد عريض صلب، وانبعثت منه رائحة عطر رجالي مألوفة وجذابة. جفلت ورفعت رأسها لتجد أمامها ابن عمتها، خالد. كان خالد من أقرب الناس إليها منذ الصغر، وكان الوحيد الذي جاهر برفضه لهذا الزواج لعلمه بطبع ريان الحاد، لكنه لم يفلح في إقناع جده. نظر خالد إلى لين ورأى العبرات المتلألئة على وجنتيها، فقبض على يدها بلمسة حانية متسائلاً بقلق: _ لين! ماذا أصابكِ؟ لا أحتمل رؤيتكِ هكذا! أجابت بصوت متقطع، وهي تحاول سحب يدها: _ لا شيء... ألم مفاجئ في رأسي فقط. وآسفة إن أزعجتك، لم نلتقِ منذ زمن طويل ولم أكن أريد أن أراك بهذا الوجه الحزين. ابتسم خالد ابتسامة صغيرة دافئة لم تخلُ من الشك، لكنه لم يضغط عليها، بل اصطحبها بلطف إلى مقعد خشبي في زاوية الحديقة الهادئة. جلسا يتبادلان الأحاديث المسترسلة واسترجاع ذكريات الطفولة المشاغبة، وسرعان ما وجدت لين نفسها تنجرف مع دعاباته، لتتناسى غصتها لبعض الوقت وتتعالى ضحكاتها العفوية في الأرجاء. في تلك الأثناء، كان ريان قد أنهى حديثه مع أمل وهمَّ بالمغادرة, لكن أمل قبضت على رسغ يده قائلة بنبرة رجاء: _ ريان، لا يزال الوقت مبكراً، ابقَ معي قليلاً... لنستعد ما عشناه. سحب ريان يده بحركة سريعة وحاسمة، وقال بصوت حاد ومنخفض: _ أمل، التزمي حدودكِ. أنا رجل متزوج الآن، وأرجو ألا تتكرر هذه الحركات. قالت أمل وعيناها تلمعان بالغل والحزن: _ متزوج؟ هل تعترف بلين زوجةً لك حقاً؟ هل نسيت أنها السبب في الفراق الذي نعيشه؟ لو لم تفرض نفسها على العائلة لكنت أنا من يقف بجانبك الآن! رفع ريان حاجبيه واشتعلت عيناه بغضب مكتوم، وتقدم منها خطوة مهددة قائلاً: _ كان ذلك في الماضي يا أمل. ولا تذكري ابنة عمي على لسانكِ بهذه الطريقة. لين أصبحت زوجتي، وصحيح أن الزواج كان بقرار عائلي، لكنها تحمل اسمي وعرضي الآن. أنهى كلماته الصارمة واستدار مغادراً بخطى واسعة. وعندما عاد إلى البهو الداخلي المؤدي إلى الحديقة، وقعت عيناه على لين وخالد وهما يتبادلان الضحكات العالية. كان يعلم بصلة الصداقة القوية التي تجمعهما منذ الصغر، لكن رؤيتها تمنح خالد تلك الابتسامة المشرقة التي لم يظفر بها يوماً في بيتهما، أشعلت في صدره فتيل غيرة لم يفهم سببها. اتجه نحوهما بخطى واثقة، وقبل أن تستوعب لين وجوده، قبض على معصمها بقوة وسحبها خلفه معلناً المغادرة. غير أن خالد وقف مستنكراً وأوقفه بحدة: _ ريان! لم نلتقِ منذ أشهر، وتغادر الآن دون أن تلقي التحية حتى؟ التفت ريان، وكانت نظراته حادة كالشفرة، بما يكفي لقطع أي نقاش، وأجاب بنبرة حازمة: _ أعلم يا ابن عمتي، لكن لدي أمر طارئ وخاص جداً أريد مناقشته مع زوجتي في غرفتنا، ثم نعود إليكم. لم يترك مجالاً لخالد للرد، وسحب لين خلفه التي كانت تحاول مواكبة خطواته السريعة حتى وصلا إلى الجناح المخصص لهما في الطابق العلوي من منزل الجد. ما إن أُغلق الباب بعنف حتى نفضت لين يدها من قبضته وقالت بانزعاج ظاهر وهي تفرك معصمها المحمر: _ ماذا تظن نفسك فاعلاً؟ لقد آلمتني بتصرفك الهمجي هذا! رفع حاجبيه ببرود يخفي خلفه بركاناً ثائراً، واقترب منها ببطء حتى تراجعت بضع خطوات لتلتصق بزاوية الجدار. وضع ريان يديه على الحائط من خلفها، محاصراً إياها بالكامل، وهبط بجسده قليلاً ليصبح بمستواها، هامساً بنبرة رجولية حادة: _ وماذا توقعتِ مني أن أفعل؟ أرى زوجتي تتمايل وتبتسم لرجل آخر وأقف متفرجاً؟ قالت باستغرب وتحدٍّ: _ رجل آخر؟ هل تقصد خالد؟ إنه ابن عمتي وأخي الذي لم تَلده أمي! لم يرق له تبريرها، فازداد اقتراباً حتى شعرت بدفء أنفاسه يلفح وجهها، وانخفضت يداه لتقبضا على خصرها بنعومة دقيقة لكن حازمة، جاذباً إياها إليه أكثر حتى تلاقت أجسادهما واختلطت أنفاسهما المتسارعة. همس أمام شفتيها مباشرة بصوت أجش: _ لا يهمني من يكون... لا أريد أن أرى هذه الضحكات تُمنح لغيري، وخاصة خالد. أم أنكِ تحتاجين مني إثباتاً عملياً بأنني زوجكِ؟ اتسعت عيناها العسليتان بدهشة وارتجف جسدها لشدة قربه الجريء: _ ماذا تقصد؟ انحنى أكثر وكأنه يوشك على التهام شفتيها في قبلة عاصفة، لكن كبرياءها انتفض في اللحظة الأخيرة، فوضعت يديها على صدره العريض ودفعته بكل ما أوتيت من قوة قائلة بأنفاس متلاحقة: _ ابتعد عني! هذا زواج إجباري على الورق فقط، فلا تتعدى حدودك معي!رفع خالد رأسه وهو يفرك مؤخرة رأسه وقال بتذمر:هذا ظلم! ابتسم ريان ابتسامة خفيفة وقال:ولو كانت الحياة عادلة حقاً، لكنت أنا الآن بجانب زوجتي، لا أنت. انفجر خالد ضاحكاً وهو ينهض عن الأرض وقال:يبدو أننا نحن الاثنين ضحيتا الآنسة نور. ثم جلس على طرف السرير وأضاف بمكر:أظن أن نور فتاة خطيرة… لا بد أنها أقنعت لين بطردك من الغرفة. وأخذ يضحك بصوت عالٍ. رمقه ريان بنظرة حادة جعلت ضحكة خالد تخفت تدريجياً، وقال وهو يرفع يديه باستسلام:حسناً… لن أقول شيئاً آخر. وفي تلك اللحظة، انطلقت من غرفة ريان أصوات موسيقى مرتفعة، تبعها ضحكات لين ونور التي كانت تُسمع بوضوح في أرجاء المنزل. ابتسم خالد وقال وهو يهز رأسه:يبدو أن الحفلة بدأت هناك. أما ريان، فتنهد وهو ينظر نحو الباب، ثم تمتم بنبرة تجمع بين الضيق والابتسام:هذه الفتاة ستفقدني صوابي يوماً ما. ضحك خالد مجدداً وقال:أيهما تقصد؟ زوجتك أم صديقتها؟ نظر إليه ريان بصمت، فابتلع خالد ضحكته بسرعة وقال:حسناً… فهمت، لن أمزح أكثر.ثم ارتمى خالد على السرير مرة أخرى، وما لبث أن غلبه النعاس. وفي الساعة الثالثة فجراً، استيقظ وهو يشعر بعطش شديد، فخرج بهدوء
ابتسمت نور باحترام، وانحنت قليلًا وهي تجيبه:• شكراً لك يا جدي، يسعدني رؤيتكم جميعاً.جلست بجوار لين، بينما كان خالد يراقبها بصمت بين الحين والآخر دون أن تشعر، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة كلما سمع ضحكتها.وفي تلك اللحظة، فُتح باب المنزل، ودخل ريان بعد عودته من العمل.ما إن سمع صوت الضحكات حتى ابتسم وقال وهو يخلع سترته:• وأنا أقول من أين يأتي كل هذا الضجيج... اتضح أن لدينا ضيفة مميزة.ثم التفت إلى نور مبتسماً:• أهلاً يا نور، كيف حالك؟ابتسمت نور وردّت بعفوية:• بخير، الحمد لله. وأنت؟• بخير.كان ريان يعرف نور منذ رحلة شهر العسل التي قضاها مع لين في فرنسا، فقد كانت نور آنذاك مسافرة مع خطيبها سيف، وتقابلا أكثر من مرة حتى نشأت بينهما صداقة لطيفة.ومن دون أن يفكر، سألها مبتسماً:• بالمناسبة... كيف حال سيف؟ وهل تم زفافكما أخيراً؟في تلك اللحظة، تجمد خالد في مكانه.تسللت الفكرة إلى رأسه بسرعة، وشعر بانقباض غريب في صدره."هل كانت مخطوبة... أم أنها تزوجت بالفعل؟"لكن نور تنهدت بهدوء، ثم قالت بنبرة لا تخلو من السخرية:• لا... لقد انفصلت عن ذلك الوغد قبل فترة.ساد الصمت لثوانٍ.أما خالد
أخرجت نور لسانها لها بمشاكسة وهي تختبئ أكثر خلف خالد.أما خالد، فنظر بين الفتاتين بحيرة، ثم ضحك وقال:يبدو أنني أصبحتُ رهينة في حرب لا علاقة لي بها.فأجابت لين وهي تحاول الوصول إلى الهاتف:ابتعد يا خالد، إنها ستفضحني!ضحكت نور وقالت وهي ترفع الهاتف عاليًا:بل سأكتشف أسرار الزوجين أولًا!ضحك خالد وهو ينظر إلى الفتاتين اللتين تحولتا أمامه إلى طفلتين تتشاجران على هاتف.وقال وهو يرفع يديه باستسلام:حسنًا، أنا لا دخل لي في هذه الحرب.لكن نور أمسكت بكتفه بسرعة وقالت:لا، لن تتحرك! أنت درعي.تنهد خالد وقال مبتسمًا:يبدو أنني أصبحت حارسًا منذ الصباح، والآن أصبحت درعًا بشريًا.انفجرت لين ضاحكة رغم توترها، ثم قالت وهي تمد يدها:نور، أعيدي الهاتف، أعدك ألا أنتقم منك.هزت نور رأسها بمكر.لا أثق بكِ أبدًا.ثم وضعت بصمة لين على الهاتف وهي لا تزال تضحك، فانفتح القفل.اتسعت عينا لين وصرختنور! لا تفتحي الرسائل!لكن الأوان كان قد فات.فتحت نور المحادثة مع ريان، وكانت آخر رسالة منه تقول:"هل ما زلتِ غاضبة مني؟ وهل تناولتِ الغداء؟ لا تهملي نفسك."توقفت نور للحظة، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة.رفعت
احمر وجه نور خجلًا، وتمتمت: أعتذر... لم أقصد.ابتسم خالد وهو يمد يده إليها بالمفتاح مرة أخرى وقال بلطف:لا داعي للاعتذار... لكن بما أنكِ سلمتِني المفتاح بالفعل، أعتقد أن من واجبي أن أصفّ السيارة كما طلبتِ.نظرت إليه نور باستغراب، ثم لم تستطع منع نفسها من الابتسام لأول مرة منذ وصولها.شكرت نور خالد بابتسامة خفيفة، واتجهت إلى داخل المنزل.وما إن دخلت حتى وقعت عينا لين عليها.أسرعت إليها من دون تردد واحتضنتها بقوة وهي تقول بقلق:نور... أخيرًا وصلتِ.بادلتها نور العناق بصمت، لكن لين شعرت من ارتجاف جسدها أنها كانت تحاول جاهدة كتم دموعها.أمسكت لين بيدها وقالت برفق: تعالي، لنصعد إلى غرفتي.أومأت نور بصمت، ثم صعدتا معًا إلى الغرفة.أغلقت لين الباب، وأجلست نور على الأريكة، ثم جلست بجانبها وهي تمسك بيديها قائلة بحنان: أخبريني... ماذا بك؟ ماذا حدث؟خفضت نور رأسها، وظلت صامتة لعدة ثوانٍ، ثم خرج صوتها مكسورًا: لقد... انفصلت أنا وسيف.تجمدت لين في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة. ماذا؟! كيف؟ أنتما كنتما بخير ... ماذا حدث؟ابتسمت نور ابتسامة باهتة سرعان ما اختفت، ثم امتلأت عيناها بالدموع من جديد.





