Share

37- لظى الركام

Author: Hope49
last update publish date: 2026-07-08 08:06:43

مرّ يومان على صخب تلك الرقصة الإجبارية في القاعة الكبرى، واستحالت الأجواء داخل قصر عائلة إيڤان إلى برودٍ خانق ومريب، أشبه بالهدوء الذي يسبق العواصف العاتية.

ورغم أن السماء كانت منذ الصباح تنذر بتقلباتٍ جوية حادة، إلا أن مِيلَا أصرت على الذهاب إلى الجامعة؛ إذ غدا الخروج من جدران القصر ملاذها الوحيد للهروب من نظرات إيڤان الرمادية، التي باتت تلاحقها بهوسٍ صامت يخترق جدران عزلتها المصطنعة.

كانت في داخلهما معركة غير معلنة…

هي تحارب لتبقي قناع التبلد صامدًا فوق ملامحها.

وهو يحترق من هذا اللطف الجاف ا
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • خلفَ ظل الوصي   176- ظلال القصر وسلطة التملك

    بخطوات واسعة وثقيلة، شق إيڤان طريقه خارج الغرفة، مغلقاً بابها بقوة لتتردد أصداؤها المدوية في الممر الطويل. كانت مِيلَا تسير خلفه مكرسة كل ما تبقى فيها من صمود لمجاراة خطواته السريعة والواثقة، بينما كانت عيون الحراس في الخارج مطأطأة وملتزمة بصمت تام، مهابةً من عاصفة الغضب التي تحيط بسيدهم. في الطابق الأرضي، وقف العم جاكسون على رأس البهو يتابع خروجهم بملامح هادئة خالية من أي محاولة للمواجهة، مدركاً تماماً عبثية الوقوف في طريق إيڤان وهو في هذه الحالة من التملك المطلق والبركان المكتوم. ما إن تجاوزا الباب الرئيسي حتى هجم نسيم الليل البارد على وجه مِيلَا، لتجد نفسها محاطة بكتيبة الحراس حتى استقرت داخل سيارة إيڤان السوداء الفارهة. انغلق الباب بعزل تام عن صخب الخارج، وما هي إلا لحظات حتى تحرك الموكب بكامل أبهته ليخترق بوابات القصر الموحش، ويترك خلفه أضواء المكان وأسراره معلنةً بداية فصل جديد أكثر خطورة وقرباً بينهما. انطلقت السيارة بسرعة جنونية تقطع طرقات المدينة المظلمة، وكأنها هاربة من ساحة حرب وشيكة. كان الصمت داخل المقصورة الفاخرة ثقيلاً وناطقاً بالتوتر، لا يكسره سوى صوت المحرك الخا

  • خلفَ ظل الوصي   175- اقتحام الأسوار وخطوات الجحيم

    ترددت كلماته الأخيرة في أذنها كحكم نهائي لا رجعة فيه، قبل أن ينقطع الخط مجدداً. بقيت مِيلَا جالسة على حافة السرير، وهاتفها يسقط من يدها المرتجفة ليستقر على الغطاء بوجه مظلم. كلمات إيڤان الباردة كانت تعصف برأسها وتزرع الرعب في مفاصلها؛ لقد قال إنه في الطريق إلينا، وهو لا يعاكس تهديداته أبداً. لم تكن تمر سوى دقائق معدودة حتى بدأ سكون الليل المطبق في القصر يتصدع. في البداية، كان مجرد صوت خافت لارتجاج أرضي بعيد يشبه هدير محركات سيارات ضخمة تقترب بسرعة جنونية من البوابة الخارجية، ثم تحول شيئاً فشيئاً إلى أصوات جلبة وبلبلة قادمة من الطابق الأرضي، وأصوات حراس القصر وهم يركضون بتوجس واضطراب. وقفت مِيلَا بسرعة مذعورة، واتجهت نحو النافذة الزجاجية لتزيح الستارة بحذر شديد وتنظر إلى الأسفل. كانت أضواء باهرة وقوية تسطع في باحة القصر الخارجية، حيث اقتحمت المكان عدة سيارات سوداء ضخمة تتوسطها سيارة إيڤان، لتتوقف بصورة حاسمة ومخيفة وسط الحديقة. انفتحت الأبواب دفعة واحدة، وترجل منها الحراس بملامح جامدة وصارمة، بينما ظهر إيڤان من بينهم بخطواته الواسعة والثقيلة التي تفرض هيبتها وسط الظلام، عيناه مشد

  • خلفَ ظل الوصي   174- عاصفة الغضب المكتوم

    تردد صدى صوت ماكسيميليان المتهكم في أرجاء الغرفة الباردة، ليخترق السماعة وينقل كل حرف بوضوح مرعب إلى إيڤان الذي كان يستمع من الطرف الآخر. ساد صمت مميت ومطبق عبر الخط لثانية واحدة، لكنه كان صمت الهدوء الذي يسبق انفجار بركان هائل. وعبر السماعة، سمعت مِيلَا صوت أنفاس إيڤان وهي تتحول إلى هدير خشن ومكتوم، قبل أن تنفجر نبرته بغضب جنوني كاد يفقده صوابه: — "من هذا الساقط الذي يقف في غرفتكِ في هذا الوقت المتأخر يا مِيلَا؟!" ارتجف جسد مِيلَا بالكامل من حدة نبرته التي كانت تنبئ بأنه على وشك الجنون، وحاولت فتح فمها للتبرير: — "إيڤان... أرجوك..." لكنها لم تلحق حتى أن تكمل حرفاً واحداً؛ فقد قاطعها بصوت صارخ ومرعب يقطر أمراً نافذاً: — "الآن سوف تجلسين وحدكِ في الغرفة، وتغلقين الباب عليكِ حالاً!" وقبل أن تستطيع رمش عينها أو ترد بكلمة واحدة، انقطع الاتصال بغتة؛ فقد أقفل الخط بوجهها بقسوة تامة، تاركاً إياها متسمرة مكانها في منتصف الغرفة، وأصداء صوته الغاضب تتردد في أذنيها كإنذار لعاصفة مدمرة لا مفر منها. بقي الهاتف في يدها مظلماً وساكناً، كأنما يحمل في جوفه بقايا شحنة كهربائية أحرقت أصاب

  • خلفَ ظل الوصي   173- صوت الاطمئنان وظلال الليل

    — "إيڤان..." جاء صوته عبر السماعة هادئاً وخالياً من أي وعيد مبالغ فيه، وكأن رغبته الوحيدة الآن هي التأكد من أنها بخير وسط تلك الأجواء الغريبة: — "مِيلَا... كيف هي الأمور هناك؟" تنهدت بعمق، وشعرت بأن بعضاً من توترها قد زال أمام نبرته المطمئنة وغير المتعسفة، فأجابت بصوت خفت منه حذر تلك اللحظات: — "العم جاكسون استقبلني والأوراق جاهزة للتوقيع الآن. أنا في المكتب." أتاها صوته المعتدل يحمل طمأنة خفية وتوجيهاً عقلانياً: — "جيد... انهي ما أتيتِ من أجله ولا تتأخري هناك بلا داعٍ. أنا فقط أردت الاطمئنان عليكِ... سأترككِ الآن لتنهي أمركِ، وتأكدي من إبقاء هاتفكِ بجانبكِ." — "حسناً..." قالتها بخفوت، فبادلها بكلمات قصيرة وهادئة قبل أن يغلق الخط، تاركاً إياها تنهي أوراق الإرث المزعجة بتركيز أكبر، بينما رافقها طوال النهار شعور بأن خلف هذا الهدوء طمأنينة حقيقية. لكن مع حلول الليل وهبوط الظلام على جنبات قصر العائلة الموحش، انقلبت الأمور. كانت مِيلَا جالسة في غرفتها الخاصة داخل الجناح العلوي، تحاول استعادة أنفاسها بعد يوم شاق وطويل، حين ترامى إلى قريحتها صوت طرقات خفيفة ومزعجة على باب الغرفة. و

  • خلفَ ظل الوصي   172- ظلال الماضي ووجوه الغرباء في القصر

    ما إن اجتازت مِيلَا البوابة الحديدية الضخمة وخطت إلى داخل البهو الواسع للقصر، حتى استقبلتها رائحة الخشب القديم والعطور الثقيلة التي طالما ارتبطت بذاكرتها العائلية الموحشة. لم تكن سويعات الغياب الطويلة كفيلة بنسيان طابع هذا المكان؛ جدرانه المرتفعة، ولوحات الأجداد العبوسة التي تتابع خطواتها بتوجس، والوجوه التي بدأت تخرج من الغرف الجانبية وكأنها كانت ترقب وصولها منذ ساعات. لم تكن مِيلَا تهاب القصر بذاته بقدر ما كانت تهاب ثقل لم شملهم المفاجئ؛ وما هي إلا لحظات حتى وجدته تحاط بحلقة من أبناء عمومتها وأقاربها الشباب الذين لم ترهَم منذ سنوات طويلة. تفاجأ بعضهم بمدى تغيرها وتحولها إلى امرأة شابة تفيض رقة، فبدؤوا يغدقون عليها عبارات الترحيب المبالغ فيها، ومحاولات التقرب والحديث بنبرات ودودة تحاول استرجاع أيام الطفولة البريئة. — "يا الهي! هل هذه حقاً مِيلَا الصغيرة؟" هتف أحدهم بابتسامة واسعة وهو يقترب منها بخطوات متطفلة: "أكاد ألا أصدق! لقد كنتِ ترتعدين خوفاً خلف أثاث هذا القصر، والآن تنظرين إلينا بهذه الثقة!" تراجع قلب مِيلَا خطوة إلى الوراء، وحاولت رسم ابتسامة باهتة على شفتيها لتتجنب الدخول

  • خلفَ ظل الوصي   171- طريق القصر وظل الهاتف المنتظر

    رافق رنين محرك السيارة طنينٌ مستمر في رأس مِيلَا طوال الساعات الأولى من الطريق الطويل. كانت المناظر الطبيعية تتبدل خارج النافذة ببطء، وتتحول المباني والشارع المزدحم إلى مساحات شاسعة من التلال والأشجار الموحشة التي تقرّبها تدريجياً نحو قصر العائلة؛ ذلك المكان الذي لم تكن تحمل منه سوى ذكريات مغبرة وثقيلة. وضعت يدها المرتجفة على حقيبتها، وأخرجت الهاتف لتتأكد من شحنه مجددًا. كانت تعرف أن كل دقيقة تتأخر فيها عن الرد ستكون بمثابة صاعقة توقظ جنون إيڤان وتهديداته. أضاءت الشاشة لثانية، فبدت خالية من أي رسالة، لكنها أدركت يقيناً أن عينيه المعلقتين على شاشته الخاصة في الشقة البعيدة لا تنامان، وأنه ينتظر أول نبضة اتصال أو إشارة وصول لتتحقق رغبتها في الهيمنة. أغلق السائق زجاج السيارة قليلاً ليحجب هواء الطريق البارد، بينما غرقت هي في أفكارها؛ كانت تتأرجح بين قهر قسوته وطغيانه، وبين شعور غريب بالخوف من اللحظة التي سيلتقي فيها هاتفها باتصاله الحتمي. بعد أكثر من ساعتين ونصف من القيادة المستمرة، بدت معالم القصر القديم تلوح في الأفق بأسواره العالية وبوابته الحديدية الضخمة التي تحمل طابع العائلات القد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status