Home / الخيال الغربي / ذاكرة الكلمات المفقودة / الفصل الثلاثون والأخير: الأساس الذي يسمع

Share

ذاكرة الكلمات المفقودة
ذاكرة الكلمات المفقودة
Author: Prof Ahmed

الفصل الثلاثون والأخير: الأساس الذي يسمع

Author: Prof Ahmed
last update publish date: 2026-09-14 04:40:56

لم ينتهِ شيءٌ حين كتب سليم كلمته الأخيرة على صفحة الكتاب الأسود: “ابدؤوا.” لم تنفتح السماء عن عدلٍ كامل، ولم تستيقظ المدينة في صباحٍ واحد وقد غسلت طرقاتها من القسوة والنسيان. ظلّ الباعة يرفعون أصواتهم، وظلّت المحاكم تضيق أحيانًا بالحكايات الطويلة، وظلّت بعض الأبواب تُغلق في وجه من لا يحمل ختمًا أو اسمًا ثابتًا. غير أن شيئًا عميقًا تبدّل في موضعٍ لا تبلغه العيون سريعًا؛ تبدّل في طريقة الإصغاء قبل الكلام، وفي الارتباك الصغير الذي يسبق الحكم، وفي اليد التي تتردد لحظةً قبل أن تمتدّ إلى ذاكرةٍ ليست لها. صار خان النُّسّاخ قلبًا آخر للمدينة. لم يعد المكان مجرد قاعةٍ تُصاغ فيها الوثائق، بل صار عتبةً بين ما وقع وما يمكن قوله عنه. في صدر القاعة بقيت المقاعد الخشبية، لا عاليةً كمنابر، ولا واطئةً كأماكن انتظار، بل في مستوى النظر. فوقها عُلّقت العلامة الناقصة لحرف الإصغاء، لا تكتمل دائرتها أبدًا، كأنها تذكّر الداخلين بأن كل سماعٍ عادلٍ يبقى ناقصًا، وأن النقص إذا عُرف صار أرحم من اكتمالٍ كاذب. في الأيام الأولى، جاء الناس بدافع الحيرة أكثر مما جاءوا بدافع الثقة. حمل بعضهم أوراقًا تشبه الرماد، وحمل بعضهم أسماءً لم يستعملها منذ الطفولة، وحمل آخرون صمتًا كثيفًا لا يصلح للعرض ولا للكتمان. جلسوا على المقاعد الجديدة، واكتشف النُّسّاخ أن الكتابة ليست سرعة اليد، بل صبرها. لم تعد الشهادة تُقاس بفصاحتها وحدها، ولا الحكاية تُختصر في صيغةٍ تليق بالأختام. صار للهامش حقّ، وللتردد مكان، وللبياض وظيفة لا تقلّ عن وظيفة الحبر. استقر آدم عند الطاولة الكبرى، لكن مقامه لم يكن مقام الحاكم. كان يجلس قريبًا من الباب، حيث تختلط رغبة الدخول بخوف الانكشاف. صار الخاتم النحاسي يلمع حين يقترب الفضول من هيئة العطف، أو حين تختبئ السيطرة خلف نبرة الاهتمام. لم يمنع آدم الناس من الكلام، ولم يجعل الخان قلعةً مغلقة؛ كان يرسم الحدود مثل من يضع حجارةً صغيرة على حافة بئر، لا لإخفاء الماء، بل لمنع السقوط فيه. تعلّم أن الحماية لا تعني رفع الأسوار دائمًا، وأن بعض الأبواب يُصان ببطء فتحه، لا بقوة قفله. مرّت عليه وجوهٌ كثيرة: رجلٌ أراد استعادة اسم أخيه المفقود كي يضعه على دكانه، فدلّه آدم إلى باب الاسترداد لا إلى سجلّ الملكية. تاجرٌ حاول شراء حكاية أرملةٍ لتجميل سمعته، فبرد الخاتم في يد آدم حتى صار كالإنذار. شاعرٌ جاء يطلب كلماتٍ مكسورةً ليصنع منها قصائد، فجلس طويلًا أمام مقعدٍ خالٍ حتى فهم أن الألم لا يصبح جميلًا لمجرد أن الوزن احتمله. ومع كل حادثة، كان آدم يزداد هدوءًا. لم يصر أقل حزنًا، لكنه صار أقل استعجالًا. عرف أن الذاكرة إذا خرجت من السجن قد تقع في السوق، وأن الحارس الحقّ لا يحرس الماضي من النسيان وحده، بل من الاستعمال أيضًا. أما مريم، فقد جعلت من الضوء علمًا رقيقًا. لم تعد ترفع المصباح فوق الوجوه كمن يبحث عن سرٍّ مخبوء، بل صارت تضعه جانبًا، قريبًا من الأرض، فيتعلم المكان أن يرى بلا افتضاح. في الزاوية التي كانت موضع الخجل، وضعت ستارةً خفيفة من قماشٍ أزرق، لا تحجب الصوت، لكنها تمنح صاحبه حقّ أن يكون نصف مرئيّ. جلس عندها أطفالٌ لا يعرفون ترتيب الوقائع، ونساءٌ يحملن رسائل لم تُرسل، وشيوخٌ يخشون أن تخونهم الذاكرة. كانت مريم تسمع الانقطاع كما تسمع الجملة، وتقرأ ارتجاف اليد كما تُقرأ الكلمات. لم تقل لأحدٍ إن الكلام يحرّر دائمًا؛ فقد رأت في القرار أن بعض الكلام إذا أُخذ قبل أوانه صار قيدًا جديدًا. صار مصباحها معروفًا في أحياء المدينة. عند الغروب، كانت تمرّ قرب البئر، فتخفت الأصوات الخشنة قليلًا. في دار القضاء الصغيرة، صار القاضي ينتظر انخفاض نور المصباح قبل أن يطلب جوابًا. وفي الأزقة البعيدة، اعتاد الناس أن يتركوا أمام باب الخان مصابيح صغيرة مطفأة، لا لطلب المعجزة، بل علامةً على أن بيتًا ما يحتاج إلى سماعٍ لا إلى فضيحة. ومع ذلك، بقيت مريم تعرف حدود الضوء. كانت ترى ظلالًا لا تستطيع إنقاذها، وأبوابًا لا تفتح، وأناسًا يفضّلون عتمةً مألوفةً على نورٍ يُلزمهم بالتغير. لم يكسر ذلك قلبها كما كان سيكسره من قبل؛ فقد تعلمت أن الرحمة لا تقاس بما تنقذه وحده، بل بما لا تحوّله إلى حكمٍ قاسٍ حين يعجز عن النجاة. وليان، التي كانت تكتب العهود في مواجهة أبوابٍ خفية ومجالس عتيقة، صارت تُعلّم النُّسّاخ تواضع الحبر. لم تنشئ مدرسةً لها اسمٌ كبير، ولم تضع فوق الباب لافتةً تُعلن ميلاد فنّ جديد. جلست بين الطاولات، وفتحت اللفافة، وبدأت من الأخطاء الصغيرة: كلمةٌ فصيحةٌ تبتلع كلمةً ضعيفة، صيغةٌ قانونية تُزيل ارتجافًا مهمًا، توقيعٌ يسبق الفهم، وختمٌ يحوّل الرضا إلى أثرٍ لا رجعة فيه. كتبت قواعد كثيرة، ثم محَت بعضها حين صارت أثقل من الحكايات. أبقت في صدر الخان قاعدةً واحدة: “الكتابة العادلة لا تستبدل صاحب الصوت، بل ترافقه إلى الحدّ الذي يختاره.” كبرت الصفحة البيضاء في لفافتها بدل أن تصغر. كان ذلك عجيبًا لمن ظنّ أن الكتابة الكثيرة تملأ الفراغ. غير أن ليان فهمت أن البياض الذي يحفظ الحقّ يتسع كلما احترمه الناس. صار النُّسّاخ يتركون فراغاتٍ مقصودة في الوثائق، تُسمّى “مواضع الصمت المختار”. وكانت تلك الفراغات تزعج أصحاب السرعة، وتربك الموظفين، وتثير سخرية من لا يرى في الصمت إلا نقصًا. لكنها بقيت. ومع الوقت، تعلّم الناس أن الفراغ غير المزوّر قد يكون أصدق من جملةٍ كاملة كُتبت لإرضاء النظام. ونائلة أقامت عند العتبة. لم يكن ذلك نفيًا ولا حراسةً جامدة، بل اختيارًا يليق بمن عرفت أن الرفض بابٌ لا سلاحٌ فقط. صار الخط الفضي على خدّها أهدأ، لكنه لم يختفِ. كان يلمع حين يدخل الخان من يظنّ أن القوة تمنحه حق الاستماع، أو حين يحاول قريبٌ أن يتحدث بدل صاحب الحكاية، أو حين يطلب أحدهم ختمًا على صمتٍ لم يُمنح بحرية. لم تكن نائلة ترفع صوتها كثيرًا. يكفي أن تشير إلى اللوح الخشبي: “الصمت ليس موافقة. الانسحاب ليس هزيمة. الاسترداد حقّ ما دام الأثر لم يُستعمل.” خافها بعض الناس في البداية، ثم ارتاحوا لوجودها. كانت القسوة القديمة ترتبك أمام رفضها؛ لأنها لم تعد تمنحها غضبًا تستعمله ضدها. وحين جاء من يسخر من القواعد الجديدة، لم تطرده نائلة فورًا. جعلته ينتظر عند العتبة حتى يسمع من بعيد صوت امرأة تسترد ورقتها بعد منتصف الشهادة. حين خرجت المرأة ممسكةً بورقتها كمن يستعيد عضوًا من جسده، خفض الساخر عينيه. عندها فقط فتحت نائلة الباب. هكذا صار الرفض في المدينة درسًا لا عقوبةً فحسب. ولم تكن التغييرات الكبرى وحدها ما يثبت أن الأساس وُضع. في سوق الأقمشة، بدأ التجار يكتبون أسماء الصانعات على أطراف القطع، إلا حين تختار الصانعة حجب اسمها. في المدرسة القريبة من النهر، أضاف المعلّم إلى دفتر الحضور خانةً للأسماء التي لا يرغب أصحابها في نطقها ذلك اليوم. في المحكمة، صار شاهدٌ واحد يقول: “لا أذكر” دون أن يتحول فورًا إلى متهم. عند البئر، تعلمت النساء أن الحكاية التي تُروى بلا إذنٍ قد تفقد ماءها. وفي البيوت، بدأت جملةٌ صغيرة تنتشر بين الكبار حين يصمت الصغار: “لعلّ للكلمة وقتًا آخر.” لم تكن المدينة قد تطهّرت. بقيت فيها أسواقٌ خفية، وأيدٍ ماهرة في سرقة المعاني، وألسنةٌ تجعل الرحمة قناعًا للنفوذ. بعض الملتقطين عادوا بثيابٍ جديدة وعباراتٍ لينة، يحاولون فتح تجارةٍ أخرى باسم الترميم. وبعض أهل المجلس الأعلى ضاقوا بالأبواب الجديدة، واشتاقوا إلى الزمن الذي كان الصمت فيه توقيعًا سهلًا. غير أن شيئًا صار يقاومهم من داخل النسيج نفسه. كلما حاولوا الالتفاف على العهد، ظهرت في الأوراق علامة الأذن الناقصة. وكلما استُعمل اسمٌ بلا رضاه، برد الحبر، وتأخر الختم، وتعثرت الجملة. لم يعد الظلم مستحيلًا، لكنه صار أقل خفاءً. وهذه بداية لا يستهان بها. أما رُؤى فبقيت في المدينة السفلى، عند حجر التداول الذي لم يعد حجر بيع. كانت ترسل بين حينٍ وآخر أوراقًا رمادية تصل إلى خان النُّسّاخ بلا رسولٍ معروف. تحمل الأوراق أخبار السوق: أسماء عادت، أسماء اختارت المأوى المؤقت، وأسماء ما زالت ترفض كل وعاء. لم تطلب رُؤى شكرًا، ولم تضع لنفسها مقامًا في الأعالي. كانت تعرف أن بعض الحراس يجب أن يبقوا قرب الأماكن التي فسد فيها الميزان أولًا. ومن قاع المدينة، صار سوق الأسماء المستعارة يتنفس بحذر، مثل مريضٍ لا يريد أن يخلط أول نهوضٍ له بالشفاء الكامل. وفي قرار الصدى، ظلّ مِرآب عند المرآة المفتوحة. لم يعد وحشًا من شظايا، ولم يصر ملاكًا من ندم. بقي شيئًا ثالثًا: حارسًا سابقًا يتعلم أن الشهادة لا تملك ما تشهد عليه. حوله جلست النداءات التي لم تجد مكانًا من قبل. بعضها ظلّ صامتًا أعوامًا كاملة، وبعضها قال مقطعًا واحدًا ثم عاد إلى السكون. وكان حرف الإصغاء يتدلى فوقهم كقنديلٍ لا يأمر أحدًا بالاقتراب. لم يكن القرار جنةً للآلام، بل موضعًا لا تُطرد منه. وهذا وحده غيّر شكل الصدى؛ صار يرجع أقل حدة، وأكثر قدرةً على حمل المعنى دون أن يحطمه. أما سليم، فلم يظهر كما يظهر الأحياء. أحيانًا يمرّ ظله على صفحة الكتاب الأسود عند الفجر، وأحيانًا تتحرك ذرة غبار في مكتبته المهجورة فتترك أثر دائرةٍ صغيرة. لم يعد يشرح ولا يوجّه. كأنه أنجز آخر ما يستطيع المعلم أن ينجزه: أن ينسحب قبل أن يتحول إلى سلطة. بقيت مكتبته مفتوحة، يدخلها النُّسّاخ والمتعلمون وأصحاب الحكايات التي لا تريد مقعدًا عامًا. وعلى الرف الأعلى، ظلّ مكانٌ فارغٌ ينتظر كتابًا لم يُكتب بعد؛ كتابًا لا يجمع الكلمات المفقودة ليملكها، بل ليحفظ حقها في العودة أو البقاء حيث اختارت. في مساءٍ هادئ بعد أشهرٍ من الصعود، اجتمع آدم ومريم وليان ونائلة فوق سطح الخان. كانت المدينة تحتهم أوسع مما بدت في الفصل الأول من رحلتهم، وأثقل مما تبدو مدينةٌ تحت ضوء المغيب. المداخن تصعد منها خيوط دخانٍ رفيعة، والنهر يحمل قوارب صغيرة، والأصوات تتداخل دون أن تبتلع بعضها تمامًا. لم يتحدثوا عن النصر؛ فقد صار اللفظ غريبًا على ما عاشوه. النصر يوحي بنهاية الخصم، وما واجهوه لم يكن خصمًا واحدًا، بل عادةً قديمة في العالم: أن يتكلم الأقوى عن ألم الأضعف، وأن يحوّل الغائب إلى مادة، وأن يجعل الصمت شاهدًا عليه بدل أن يكون حقًا له. وضع آدم الكتاب الأسود بينهم. لم يعد أسود كما كان؛ خفّت ظلمته حتى صارت أقرب إلى لون الليل حين يتسع للنجوم. فتحته الريح على صفحةٍ بيضاء، فظهرت فيها أربعة آثار: دائرة نحاسية ناقصة، شعلة صغيرة منخفضة، هامش واسع، وخط فضي مستقيم عند العتبة. ثم ظهرت تحتها عبارة بخط سليم، أو بما تبقى من صوته في الحبر: “ما يُحفظ حقًا لا يُغلق عليه إلى الأبد؛ يُترك له طريقٌ إلى الهواء.” بقي الأربعة صامتين. لم يكن الصمت فراغًا، بل خاتمةً تليق بقصةٍ بدأت من كلماتٍ ضائعة. في الأسفل، نادى الحارس العجوز اسمًا جديدًا لدخول المقعد. كان الصوت واضحًا، غير عالٍ، وفيه احترامٌ لم يكن موجودًا من قبل. توقفت الأقلام لحظةً، كما صارت تفعل دائمًا، ثم تحركت بعد الجلوس، لا قبله. عند حافة السماء، ظهرت نجمةٌ أولى. لم تَعِد المدينة بالخلاص، ولم تُلغِ ظلالها، لكنها أضاءت مقدار ما يكفي لرؤية الطريق. وفي تلك اللحظة، بدا كل ما حدث، من الباب الأسود إلى قرار الصدى، ومن السوق السفلي إلى سطح الخان، كأنه لم يكن رحلةً للعثور على الكلمات المفقودة وحدها، بل لتعلّم الطريقة التي تعود بها الكلمات دون أن تُؤسر من جديد. وهكذا بقيت الحكاية مفتوحةً ومكتملةً في آنٍ واحد. اكتملت لأن الأساس وُضع: مقعدٌ قبل الصياغة، حدٌّ قبل الاستعمال، ضوءٌ قبل الفضح، بياضٌ قبل الإكراه، ورفضٌ قبل الختم. وبقيت مفتوحةً لأن المدن لا تُشفى دفعةً واحدة، ولأن كل جيلٍ سيجد كلماته المفقودة في مكانٍ آخر، وسوقًا آخر، وصدىً آخر. مع حلول الليل، انطفأ آخر ضوءٍ على السطح، لكن حرف الإصغاء ظلّ باهتًا فوق باب الخان. لم يكن حارسًا كاملًا، ولا عهدًا لا ينكسر، بل بدايةً تعرف ضعفها. وكانت تلك المعرفة، في مدينةٍ أتقنت طويلًا إنكار جراحها، أصدق أشكال الأمل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ذاكرة الكلمات المفقودة   الفصل الأول : الكتاب الذي تنّفس تحت الأصابع

    في الطابق الثالث من مبنى حجرّي عتيق يطّل عىل النهر، كان مركز ترميم المخطوطات يستيقظ قبل المدينة بقليل. ال تصل إليه ضوضاء الشوارع إال بعد أن تفقد حّدتها عىل الساللم العريضة، فتغدو همًسا بعيًدا، كأّن العالم في الخارج ال يجرؤ عىل رفع صوته قرب األوراق التي نجت من الحرائق والرطوبة وأيدي السنين. هناك، بين خزائن زجاجية محكمة .اإلغالق وطاوالت طويلة مغّطاة بقماش قطنّي أبيض، كانت ليان السالمي تبدأ نهارها كما يبدأ العابد صالًة ال ُتقال كانت ليان في الثانية والثالثين، ذات وجه هادئ ال يفيض بتعبير سريع، وعينين واسعتين بلون العسل الداكن، اعتادتا قراءة ما ال يراه اآلخرون: أثر إصبع قديم عىل هامش صفحة، انحناءة حبر جّف قبل قرون، تمّزق صغير يدّل عىل خوف عابر، أو بقعة ماء تشبه دمعة سقطت من قارئ مجهول. لم تكن كثيرة الكالم، غير أّن صمتها لم يكن جفاًء؛ كان أشبه ة، وفي حركتها اقتصاد، وفي قلبها حنان بباب خشبّي عتيق، ال يفتح إال لمن يعرف كيف يطرق برفق. في حديثها د ّق .غامض لألشياء التي يظّن الناس أّنها انتهت درست ليان علوم المخطوطات والترميم في القاهرة، ثم عادت إىل مدينتها الساحلية الصغيرة ل

  • ذاكرة الكلمات المفقودة   الفصل الثاني: أثٌر علي حافة النهر

    ظّل السطر األخير عالًقا عىل زجاج الخزانة كما لو أّنه لم ُيكتب عىل الورق وحده، بل عىل الهواء أيًضا. لم تقترب ليان فيقتان بين الحركة والترّدد، كأّن جسدها سبق عقلها إىل فهماللحظة األوىل. وقفت في منتصف المختبر ويداها معّلالخطر، ثم عجز عن إقناعه. كان المطر يزداد عىل النوافذ العالية، فيحّول ضوء الصباح إىل رماد المع، وتبدو قطراته.كحروف صغيرة تتدافع فوق الزجاج من غير معنى ظاهراقتربت أخيًرا من الخزانة الثالثة. لم يكن الباب مفتوًحا، ولم يكن القفل مكسوًرا، ومع ذلك كان الكتاب مفتوًحا فيالداخل عىل صفحة جديدة. الكلمات التي ظهرت قبل قليل ما تزال هناك، سوداء دقيقة، وفي نهايتها فراغ طويل كأّنالجملة تو ّقفت عند حافة هاوية. لم تمّد يدها فوًرا. اكتفت بالنظر، ثم التقطت صورة للصفحة بكاميرا التوثيق، ودّونتفي سجّل المالحظات: ”ظهور كتابة غير مفَّسرة عىل صفحة كانت بيضاء. ُيفحص الورق والحبر الحًقا.“ كتبت الجملة.ببرود مهنّي متعّمد، لكّن يدها لم تستطع إخفاء ارتجافة صغيرة عند النقطة األخيرةفتحت الخزانة، وأخرجت الكتاب بحذر، ثم وضعته عىل الحامل المبّطن. كان الغالف أكثر برودة من قبل، أو لعّلأصا

  • ذاكرة الكلمات المفقودة   الفصل الثالث: بيت الساعات

    بقيت الجملة على صفحة الكتاب كأّنها ال تريد أن تهدأ: ”اقترب الإسم، فاستيقظ الخوف.“ لم يكن الحبر ثابًتا تماًما؛ كانا خفيًفا، كظّل شمعة في ممّر طويل. جلست ليان تحت قوس الجسر لحظة، وقد انحسريرتجف عند أطرافه ارتجا ًفضوء الغروب عن الماء، وبدأت المصابيح القديمة عىل الضفة تستيقظ واحًدا بعد آخر. كان اسم آدم، المكتوب فيالورقة الصفراء، أثقل من كلمة عادية. لم يكن اسًما فحسب، بل مفتاًحا وضعته العجوز في يدها ثم اختفت، كأّنه لم يكن إلا ومضة من ذاكرة المدينةالظهور كّلأغلقت ليان الكتاب بعناية، وأعادت الورقة إىل جيب معطفها الداخلي. لم يكن البرد شديًدا، غير أّن رعشة دقيقة سرتفي أطرافها. عىل الجسر، حيث ظهر الرجل قبل قليل، ازدحم الماّرة قلياًل، ولم يبَق أثر لقامته أو للدفتر األسود الذيلمحته في يده. كانت الساعة المتو ّقفة تعلو البرج الصغير، تشير إىل الرابعة وسبع عشرة دقيقة، وكأّن الزمن في ذلك.الموضع رفض أن يتقّدم منذ الحريق القديمسارت ليان بمحاذاة النهر نحو حّي الصفصاف. كّلما ابتعدت عن الجسر، قّل صخب الباعة، وازدادت األزقة ضيًقاا بالعتمة. كانت واجهات الدكاكين تغلق أبوابها الخشبية، والم

  • ذاكرة الكلمات المفقودة   الفصل الرابع: الطارق عند العتبة

    تجّمد الصمت في بيت الساعات بعد الطرق العنيف، ثم بدأ يتشقق تحت رنين خافت صدر من الجدران. لم تتحركالعقارب، لكنها ارتجفت في أماكنها كأّن الزمن نفسه شعر بمن يقف خلف الباب. وضعت ليان يدها فوق الكتاب،.بينما ظّل آدم واقًفا بين الطاولة والممّر، وجهه شاحًبا وعيناه مثبتتين عىل العتمة الممتدة نحو المدخل“.عاد الصوت من الخارج، أثقل وأقرب: ”فتح الباب أهون من كسره. الكتاب عاد، والعهد ال ينتظرلم يبُد آدم مندهًشا من العبارة، بل بدا كمن كان يتوقعها منذ سنوات ويكره لحظة تحققها. انحنى بسرعة، وأخرج منا نحاسًيا صغيًرا، ثم ضغط عىل زر مخفي في جانبه. انزاح لوح خشبي في الجدار الخلفي للمكتبة،أسفل الطاولة صندو ًق.فكشف عن فجوة ضيقة مبطنة بالقماش“.قال بصوت منخفض: ”ال يبقى الكتاب ظاه ًرانظرت ليان إىل الفجوة، ثم إىل الغالف األسود. كان الكتاب ساكًنا عىل نحو يثير الريبة، كأنه ينتظر القرار. لم تضعه في:المخبأ. بد ًال من ذلك فتحته عىل الصفحة األخيرة، فظهر الحبر قبل أن تلمسه“.إخفاء الذاكرة ال يمنع السارق، بل يمنع الشاهد”قرأ آدم الجملة، وارتّد شيء في عينيه بين الخوف والغضب. في الخارج ارتفع الطرق مرة

  • ذاكرة الكلمات المفقودة   الفصل الخامس: غرفة الورق الصامت

    لم يتوقف المطر بعد خروجهما من الزقاق الخلفي. كان خفيفًا، متقطعًا، كأنّ السماء لا تريد أن توقظ المدينة كلها، بل تكتفي بغسل آثار الهرب عن حجارة الطريق. خلفهما ظلّ بيت الساعات قائمًا في عتمته، تعلوه الساعة الكبرى وقد تجاوزت الرابعة وسبع عشرة دقيقة إلى الثامنة عشرة، ثم جمدت هناك كجرح انتقل خطوة واحدة داخل الزمن ولم يبرأ. سارت ليان بمحاذاة الجدار، والحافظة مشدودة إلى صدرها. كان الكتاب داخلها ساكنًا، لكن سكونه لم يعد يطمئن. بدا ككائن حيّ أغلق عينيه بعد أن قال أكثر مما ينبغي. إلى جوارها، سار آدم بخطوات متزنة ظاهرًا، غير أن ارتجاف أصابعه كان يفضح اضطرابًا عميقًا. لم يكن الهرب من حارث ورجاله هو ما كسر صمته، بل جملة الكتاب: “في الحريق لم تمت الأم. فُتحت البوابة، وأُخذت الكلمة الأولى.” كانت الجملة تسير معهما، تتقدمهما أحيانًا وتلتف حولهما أحيانًا أخرى. كلما انعكس ضوء مصباح على وجه آدم، ظهر فيه أثر رجل عاد من موتٍ قديم ولم يجد سوى سؤال ينتظره عند الباب. قال بصوت متهدّج: “بيت الساعات لم يعد آمنًا.” أجابت ليان من غير أن تبطئ: “مركز الترميم أكثر هدوءًا في هذا الوقت. الأرشيف الداخلي لا يدخله أحد بعد

  • ذاكرة الكلمات المفقودة   الفصل السادس: البرتقالة العمياء

    اقتربت خطوات حارث في ممرّ دار الذاكرة كأنّها عدّاد قديم يُحصي ما تبقّى من الوقت. لم تكن عالية، لكنها ثابتة، وكل خطوة منها كانت تمنح الصمت شكلًا أثقل. في غرفة الورق الصامت، وقف آدم قرب الخزانة المعدنية، والصندوق المسطح بين يديه، بينما كانت ليان تراقب شاشة الدخول الصغيرة وقد انطفأ اسم حارث العوّاد عنها، ثم عاد يظهر في السطر التالي: “الممر الشرقي.” لم يكن بين الممر الشرقي وغرفة الورق الصامت سوى بابين وممر قصير. عرفت ليان ذلك بدقة، كما يعرف المرمم موضع الشقّ الخفي في ورقة عتيقة. أطفأت المصباح، فانزلق الظلام فوق الطاولة والجدران المبطنة، وبقي الضوء الأزرق الخافت من الشاشة يرسم حدود وجه آدم. كان شحوبه أقلّ هدوءًا من قبل، كأنّ الذاكرة التي استيقظت باسم مريم جعلت الخوف أكثر شخصية. قال بصوت منخفض: “المخرج الخلفي؟” أشارت ليان إلى باب جانبي ضيق خلف ستارة سميكة مخصصة لعزل الغبار. “ممر الخدمة. يفضي إلى مستودع التجفيف، ثم إلى الساحة الداخلية.” تحرّكا بسرعة محسوبة. لم يركضا بعد؛ فالركض في مبنى مثل دار الذاكرة يوقظ أجهزة وأبوابًا وحساسات لا لزوم لها. مرّا عبر الممر الجانبي، والكتاب داخل الصندوق بين

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status