LOGINعقدت زهرة ذراعيها أمام صدرها، محاولة أن تخفي توترًا بدأ يفضح نفسه:
• أنت لا تنتظر للحقيقة، بل تنتظر سقوط يامن وهناك فرق.اقترب أكثر منها، وقد كان حضوره ثقيلًا، محاصرًا، وكأن نصف الصحراء اصطفّت خلف كتفيه:• قولِي الصدق يا زهرة…وش كانت تبي هالبنية من يامن؟وش علاقتها بيه؟ ولِـمَ إنتِ… انخضّيتي وقت ذكرتها؟تسمّرت نظراتها للحظة، ولم تهرب منه كما أمرها عقلها، لكنها تشبّثت بثباتها كمن يقف على جرفٍ مهتز:• لا أعرف من هي، وليس من حقك أن تجرّ يامن إلى ظنونك، هو ليسوعند مدخل الخيمة، ظهرت تولاي..لم تدخل كمن يبحث عن الترحيب، كانت تعرف جيدًا طريقها مُسبقًا، لذا جاءت متغطيّة بثوبٍ داكن، رأسها مغطّى بإحكام، لا يظهر منها سوى عينيها، حادتين، يقظتين، تتحركان قبل جسدها..خطوتها ثابتة، تقيس الأرض تحت قدميها، رفعت طرف الستار ودخلت بابتسامة زائفة تُخفي ما بداخلها من قلقٍ على ضي التي تركتها وهي تشعر أن الليلة لن تمر بسلام كما خططت، حضورها كان سعادة لغزل التي كانت طالبة عندها في المرحلة الثانوية قبل أن يُخرجها والدها من المدرسة للزواج، احتضنتها بحراره وباركت لها زيجتها ثم جلست النساء جميعهم في حلقات متصلة، وغَزَل في المنتصف، محاطة بقريباتها وصديقاتها، وهناك ضحكات متداخلة، وأيدٍ ترتّب شعرها، وأصوات زغاريد متقطعة كأنفاس فرحة عارمة..اختارت تولاي مكانًا جانبيًا، قريبًا من عمود الخيمة، بحيث ترى ولا تُرى، جلست، وأسندت ظهرها، وأسقطت كفيها في حجرها، لكن عقلها لم يجلس معها..في الخارج، حيث خيمة الرجال، كان يمان واقفًا وسط الجمع، يضحك، يتبادل الحديث، ينحني ليسمع كلماتهم وسط ذلك الصخب، ثم يرفع صوته ليُسمع حتى لمحها..لم يرَ وجهها، ولم
ساد صمتٌ أعمق، صمت لا ينتظر صوتًا بقدر ما ينتظر قرارًا، حتى تحرّك الطرف الثالث من الساحة… الواقاداب..لم يأتِ دخولهم صاخبًا، ولا متأخرًا، جاء مضبوطًا في معاده المحدد، و كل خطوة منهم وُضعت في ميزان قديم..رايتهم لم تُرفع عاليًا، ولم تُنكس، كانت في مستوى الصدر… لا خضوع فيها ولا تعالٍ، وفي المقدّمة، كان عمّار...تقدّم عمّار وحده، وخلفه رجال عائلته في صفٍّ متماسك، وبين الصفّين، على مسافة محسوبة، سارت ابنتاه..لم تكن مشيتهما بطيئة، ولا متردّدة، بل مشية من يعرف أنه يُقدَّم اليوم عهد وميثاقًا غليظًا، توقّف عمّار في منتصف الساحة و رفع رأسه إلى الرجال الكُبار من العائلتين، وهو يواجه التاريخ لا الحضور، خرج صوته عميقًا، خاليًا من الزخرفة:-أنا عمّار الواقاداب… واليوم جايكم بصدري قبل لساني.أشار بيده إلى جانبه، حيث وقفت حفيدتاه ثابتتين:هذول بناتي… ما هم عرض، ولا فِدى، هم عهد أقدّمه بيدي.سحب نفسًا قصيرًا، ثم أكمل بنبرة أثقل:الدم اللي بينا وبين الجعافرة، أعلنه اليوم واقف.لا أطالب بثأر، ولا أفتح باب قديم.التفت قليلًا ناحية شاهين وجعفر، و
لم تكن الساحة مجرّد فراغٍ بين المضارب، كانت رقعة أرضٍ اختيرت بعناية لتحتضن تلك الليلة الكبيرة..امتدّت الرمال ممهّدةٍ، وصُقلت حوافها بوقع الأقدام، بينما نُصبت بيوت الشَّعر في انتظامٍ صارم، وكل بيت فيهم يعرف مكانه وحدوده، لا يزاحم غيره ولا ينحني له.. وفي القلب اشتعلت النار الأولى، ثابتة لا تتراقص، لهبها مستقيم كقسمٍ قديم، ودخانها يصعد بطيئًا، يحمل الرسائل المباشرة بدلًا من الكلمات..كانت السماء صافية على غير عادتها، لونها حادّ، ونجومها تُراقب ولا تُظلّل..اصطفّ الرجال على الأطراف، بعباءاتهم الداكنة، وقفاتهم هادئة وقوية، وعيونهم لا تومض وهي تتأمل كل ما يحدث بتركيزٍ تام، حيث أن تلك الليالي الهامة يمكن أن تنقلب على أعقابها في لحظة بسبب تصرف طائش من أي رجل يحمل في قلبه بضعًا من شرٍ يريد به القتال ولا يستريح لهذا التصالح الدائم..كانت النساء خلف ستارٍ منسوج بإتقان، خيوطه مشدودة، لا تسمح إلا بتسلل بعض الإضاءة المتكسّرة، ولا تفضح إلا ما أرادت له النساء أن يدخل..ثم… تحرّكت السُحب في الأفق لتغطي القمر لبضع لحظات عند دخول العُسيرات الذي لم يأتِ صاخبًا، بقد
اقترب مالك من عائشة ببطء وهو يجر معاذ خلفه، وقبض على يدها برفق، وهو يسألها:–هل أنتِ بخير؟! أومأت عائشة برأسها، فأردف مالك بثقة:• اطمئني… ستكونين بخير، كل شيء تحت السيطرة الآن.عيناهما ألتقيا للحظة، فشعرت عائشة بالطمأنينة تمتد من يديه إلى قلبها، رغم كل ما حدث قبل ساعات..تقدم المسؤول عن السفينة، رجل طويل القامة، يرتدي زياً رسميًا يقول لهم:–هنا غرفكم… كل غرفة مفردة، ومجهزة بالكامل، تفضلوا، ادخلوا لتستريحوا بعد تلك الرحلة الطويلة.أخذ مالك وملك طريقهما إلى غرفة واحدة، بابها فولاذي كبير، وهناك أضواء خافتة تتسلل من الزوايا، دخلوا، وأغلق مالك الباب خلفهما، فنظرت ملك لأثاث الغرفة البسيط ولكنه أنيق، يضم مقاعد مريحة وطاولة تحكم صغيرة، وهناك نافذة تطل على سطح السفينة وأمواج البحر..أما معاذ وعائشة، فكان لكل منهما غرفة مستقلة، منفصلة عن الأخرى، تتيح لهما الراحة والمراقبة في نفس الوقت..جلس معاذ على المقعد، يتنفس ببطء، عيناه لا تفارقان الباب، لا زال يشعر بالمسؤولية تجاه عائشة، بينما عائشة تنظر حولها، كل شيء غريب وجديد، لكنها شعرت بأمان نسبي تح
ظل يحدق لتلك الملامح التي كانت خليطًا من التوتر والندم والذهول، يعرف أنها لم تفهم بعد حجم ما حدث، ولا الخطة التي أنقذتهما معًا من كارثة كانت تلوح في الأفق..تقدمت ملك خطوة منه ووضعت كفها المرتجف على ذراعه لكن لمستها لم تلمس شيئًا بداخله، رغم أن جسدها ما زال متيبسًا من الخوف، بينما مالك وقف ثابتًا، كجبل من صلابة، حاملاً كل غضبه واهتمامه في نفس الوقت، يعرف أن ثقته بها لن تعود بسهولة، وأن كل ثانية من حياتهما المقبلة ستبقى اختبارًا للوفاء والوعي بينهما، ولمعرفة أيهما سيسيطر على الآخر.. الغضب أم العقل، الخوف أم الثقة..تركت ملك ذراعه وجلست على المقعد الصغير، كانت يديها متشابكتان، وعينيها تتلمسان الفضاء المحيط بها، تتساءل بكل توتر:–إلى أين نحن ذاهبون؟… وماذا تخطط للقادم؟نظر إليها مالك ببرودٍ مدروس، ولم يرد مباشرة، ولم يفسح لها مجالًا للحديث، تركها في موضعها وعاد يجلس على كرسيه أمام الشاشة الكبيرة، زاد التوتر في صدر ملك، وخرج صوتها متقطعًا:–أرجوك، قل لي شيئًا لا تتركني هكذا أشعر كأنني مجرد قطعة أثاث لا إرادة لي ولا رأي.حاولت أن تقترب منه ثانية ويده
تولاي وضيكانت ضي مستلقية على السرير، وما زالت فاقدة للنطق، عيونها تتلمس الفراغ، ووجهها الصغير يحمل آثار التعب..كانت تولاي تجلس بجانبها، ترتب ملابسها بعناية، وهي تُحضر نفسها لمعركة صغيرة ستخوضها بعدما مغادرتها تلك الغرفة..همست لشقيقتها لتضفي طمأنينة على قلبها، بينما عقلها يزأر بخطتها التي لا تعرف مدى نجاحها ولكنها ستحاول على أي حال فلا يوجد أمامها حلولٌ أخرى:– ضي… أنا رايحة للهيصة، ولازم أكلّم زهرة، وأجبرها بأي شكل إنك تتزوجين هاللعين، لا تشيلين همّ، كل شي تحت السيطرة… وبعد ما أزوّجك له أطلّقك منه، وما يقرب لك مرة ثانية، والله لو يمد يده عليك، ما يكون بينه وبين جسدك إلا الدم… هالكلب.رفعت ضي عينيها نحوها، محاولة التواصل، لكن صمتها كان كالحائط بينهما، ولكن ذلك الصمت لم يثن تولاي، عما تريده، فاقتربت أكثر منها وضعت يدها على كتفها، وهمست في ودنها:•هبلّغ مباركتك لغزل… وخليّك نايمة أو اعملي حالك نايمة، بس خلّي بالك بعيد عن الكلام مع أمك.فتحت الباب فجأة، ودخلت الأم، عيونها متسعة، وهناك فضول واضح في ملامحها وهي تتسأل:–تولاي… وين رايحة؟ اليوم ب
جلس جبار في الركن المعتم من شرفته العالية، وليل المدينة ممتدّ تحت قدميه، ساكنٌ يحبس أنفاسه في انتظار كلمة واحدة، بينما تلك الريح تمرّ على وجهه تهمس له بأسرارٍ يعرفها وحده، كانت السيجارة المشتعلة بين أصابعه تحترق ببطءٍ وتبعث شراراتٍ صغيرة تشبه تلك التي تضطرم في عينيه..أخرج جبار الهاتف المحمو
ارتجفت شفتاها وهي تهمس بخفوتٍ مبحوح:ــ لكنك لا تفهم… أنا… لا أستطيع… لا أحتمل حتى التفكير بها.اقترب أكثر، حتى صار صوته يهمس قرب أذنها كنسمةٍ حانيةٍ تنحت الطمأنينة نحتًا في قلبها:ــ بل تستطيعين… لأنني معكِ، هذه المرة لن تكوني وحدكِ، سأكون يدكِ التي تمسك بكِ إن اهتزت الأرض، وسأكون
تقلّبت ملك بين ذراعيه كطيرٍ جريح يحاول أن يلمّ بقايا قوته، لم يكن حضنه هذه المرة ملاذًا كاملاً لها، بل جدارًا يصدُّ عنها حقيقةً أضخم من أن تُحتمل، رفعت رأسها من على صدره ببطء، وعيناها تسبحان في غيمٍ رماديّ أثقل من الدمع، ثم تمتمت بصوتٍ مرتجفٍ لكنّه حاسم:ــ مالك… أنا… لا أستطيع البقاء في هذا
جلس شاهين في غرفته، والأرض تحت قدميه تضيق كما لو كانت قفصًا يُطبق على صدره، كان يدور حول نفسه كذئب حُشر في مصيدة، يداه مشدودتان خلف ظهره، وعيناه زائغتان بين الجدار والسقف والأرضية، وكل كل ركنٍ من تلك الغرفة يطارده بسؤالٍ لا يملك له جوابًا..عُسير… قد طلب طلباته التي انغرست في قلب شاهين كسكاك







