Masukفي أرضٍ تُغسَل بالدم قبل المطر، حيث تُعقَد الزيجات لإيقاف الحروب لا لصناعة الحب… تبدأ الحكاية. رجال يحملون الهيبة كالسلاح، ونساء يخفين خلف الصمت نارًا قادرة على هدم قبائل كاملة، وأسرار تُدفن تحت أسماء العائلات العريقة حتى يأتي يوم تنفجر فيه كلها دفعةً واحدة. بين العشق والانتقام، وبين الطاعة والرغبة، تتشابك المصائر داخل عالمٍ لا يرحم الضعفاء، عالمٍ إذا أحبّ فيه الرجل… امتلك، وإذا كره… أحرق. وفي قلب هذا الخراب، تقف امرأة بعينين لا تعرفان الخضوع، ورجل اعتاد أن تُفتح له الأبواب قبل أن يطرقها… لكن بعض الأبواب لا تُفتح بالقوة، وبعض القلوب خُلقت لتكون حربًا كاملة.
Lihat lebih banyakالمقدمة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كانت القاعة مثل قطعة من الخيال، تتلألأ بالأضواء الباهظة وكأن النجوم هبطت لتشهد هذه المناسبة السعيدة، الموسيقى تُعانق الجدران بنغمات مُتقنة، والخدم يتحركون بانسيابية محسوبة كعقارب ساعة، كل شيء كان أشبه بلوحة مرسومة بدقة؛ ليلة مثالية... لكن ليست لها!
جلست ملك في صدارة لك القاعة، بثوبها الوردي المطرّز كأنه من نسج السماء، كانت تبدو وكأنها عروس من الحكايات الأسطورية، لكن بريق الفرح كان غائبًا عن عينيها، ابتسامتها المرسومة كانت قناعًا رقيقًا، هشًا، يكاد ينكسر مع كل نظرة ترتسم عليها من الحاضرين، عيناها الهاربة تجنبت الجميع حتى أنها تهربت من رؤية انعكاسها في المرآة، وهناك في الزاوية وقف العريس ببدلته اللامعة، ينظر إليها كما لو كانت جائزة ثمينة امتلكها دون أن يكسب قلبها، ولكنه سيحاول..
ولكن في ليلة كتلك، حيث الكمال يخيّم لا شيء يبقى كما هو.. فجأة وبلا سابق إنذار انقطعت الكهرباء عن القاعة بأكملها!
انسكب الظلام على الجميع كالموج العاتي واختفى كل شيء في لحظة واحدة من عتمة لم يرى فيها أحدًا كف يديه، سُمع صوت تحطم كأس بعيد وصراخ مكتوم، كان هناك همسات متوترة تسارعت بين الحاضرين، لكن الظلام كان سيد اللحظة... لحظة فاصلة بين فتح الحاضرين لأضواء هواتفهم بعد أن تسنى لهم التقاط أنفاسهم، لتعود الأضواء فجأة وكأن شيئًا لم يكن... إلا ملك.
لم يتبقى سوى الكرسي الذي كان يحتضنها قبل لحظات والأن صار فارغًا!
الفستان الوردي، الابتسامة المرسومة، وكل وجودها تبخر في الهواء..
تجمد الحاضرين كأنهم في مشهد سينمائي لا يصدقونه، لترتفع صرخات والدتها أولًا فاخترق الصمت المكان بأكمله لتبدأ نبضات قلوب الحاضرين في التسارع بفزع وهي تهتف:
- ملك! أين ذهبت أبنتي؟!
تردد السؤال في القاعة مثل صدى مرير، لكن الإجابة لم تكن موجودة، ظل العريس واقفًا، وجهه شاحب، وعيناه تتحركان في كل اتجاه وهو يبحث عن أثر.
بدأت الكاميرات تُراجع التسجيلات، لكن ما كشفته لم يكن منطقيًا، في لحظة الظلام لم يظهر أي شخص يقترب منها، لا صوت، لا حركة، لا شيء سوى السكون التام!
ملك كانت هناك... ثم لم تكن!
المشهد بدا كأنه سحرٌ مستحيل، عملية اختفاء نفذتها يد لا تُخطئ وكأنها شبح متجول سحبها لعمق الظلام بلا أي أثر واختفى..
وفي تلك الأثناء وبعيدًا عن تلك الفوضى، كان مالك يقود سيارته كعاصفة لا تهدأ، الطريق أمامه كان طريقًا بلا عودة، وعلى المقعد الخلفي، كانت ملك مستلقية بهدوء، فاقدة للوعي كأنها نائمة في حلم بعيد...
وجهها كان هادئًا بلا أثر للخوف أو الصدمة، كما لو أنها سُلِبت من العالم بهدوء لا يمكن تفسيره...
كان بجانبه حقيبة صغيرة تحتوي على الأدوات التي خطط بها لهذه الليلة: جهاز متقدم عطل كاميرات المراقبة في اللحظة المناسبة، وقنبلة دخانية صغيرة أطلقت غازًا جعل ملك تفقد وعيها دون أن تشعر بشيء، كل حركة كانت محسوبة، كل تفصيله مدروسة... تمامًا كما يفعل دائمًا..
ألقى مالك نظرة سريعة عليها عبر المرآة الأمامية وهو يهمس بصوتٍ هادئ وكأنه يتحدث لنفسه:
"مكانك هنا... إلى جواري، لا يملأه غيرك، ولن يكون إلى جوار أحد سواي."
ثم ضغط بقدمه على دواسة السرعة ليصبح الطريق أمامه امتدادًا لهدفه الوحيد، لم يكن في عينيه أي ندم أو تردد..
ملك لم تكن مجرد حب مراهق ترعرع وكَبر عليه... بل كانت اختياره الأبدي، الشيء الوحيد الذي قرر ألا يخسره أبدًا حتى ولو كان الثمن روحه الغالية..
ومع كل دفعة للسيارة نحو الأمام، بدا العالم خلفه وكأنه يتلاشى، يتقشر عن ذاكرة الوقت كما يتقشر طلاء قديم على جدران بالية، ورغم كون السرعة جنونية، لكنه يُسيطر عليها بدقة كأنه يرسم بخطى متعجلة لوحةً جديدة لمستقبل لم يُكتب بعد، الطُرقات كانت تمتد أمامه و تبتلع المسافة بينه وبين المجهول الذي يُناديه بصوت لا يسمعه سوى قلبه...
ملك النائمة على المقعد الخلفي كانت كالسلام الذي ينتمي له وحده، نظر إليها عبر المرآة وهو يتنهد بعمقٍ وعيناه تكاد تلتهمها في لحظة من شوقه إليها، فلم تكن مجرد امرأة اختطفها، بل حياة أخذها من بين براثن عالم لا يليق بها، رفع عينيه من عليها وضغط على عجلة القيادة بقوة وكأنها تتحمل عبء اعترافه الصامت:
"لا أدري ما سيكون عليه ردُّ فعلكِ حين تستفيقين، ولا إن كنتِ ستذكرينني يا ملك أم لا... لكن ما أعلمه جيدًا، أنني لم أعد أحتمل العيش من دونك."
أمامهما كان الأفق يقترب كظل غامض، يعدهما ببداية جديدة، حقيقية، خالية من الأقنعة والمظاهر، وفي داخله كان يُدرك أن هذه اللحظة ليست مجرد اختطاف أو هروب... إنها إعلان صريح بأن قصتهما بدأت ولن يسمح لأحد أن يكتب نهايتها سواه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
"أول خطوة نحو الهاوية"
كان الليل قد غطى القرية بعباءته الداكنة، والهدوء يتسلل بين أركان البيت الكبير كضيف ثقيل يخشى أن يُزعج هيبة المكان، وقفت زهرة في شرفة غرفتها المرتفعة كملكة تراقب مملكتها بصمت مَهيب، البيت العتيق كان يحمل في طياته رائحة الماضي، جدرانه شاهدة على حكايات مدفونة بين الصمت والصُراخ، وأرضه تحفظ خطوات من رحلوا ومن بقوا..
كانت تلك الشرفة تطل على حوش البيت الكبير حيث الأشجار القديمة تُظلل الزوايا فتُعطي مظهر من الدفء مع المصابيح الزيتية الموقدة التي تُضفي وهجًا خافتًا يكسر سواد الليل، عين زهرة الثاقبة لم تفوّت تفاصيل المشهد الذي امتد أمامها على الجانب الآخر بين أعمدة الطين وأكوام القش، وقف شاب من رجال العائلة، طويل القامة تتسم حركاته بتوتر خفي وكأنه يخشى أن تُفضحه العيون، بجانبه كانت تقف زوجته شابة صغيرة ذات وجه هادئ يخفي وراءه عاطفة مشتعلة..
كانا يختلسان النظرات كما لو أن العالم كله قد اختفى وكأنهما يعيشان في فقاعتهما الخاصة، عينا الشاب كانت تتحدث بلغة لا يسمعها أحد تمتلئ بالحب والاشتياق، بينما هي كانت تخفض رأسها بخجل مصطنع ولكن ابتسامتها الصغيرة التي أفلتت من شفتيها كشفت ما تحاول إخفاءه، لتنادي عليها أم زوجها بصوتٍ قوي وصارم وهي تنظر لها من نافذة صغيرة تطل على الحديقة:
- بتسوي إيه عندك يا حزينة؟
انتفضت الفتاة بفزع وركضت للداخل وهي تضع حجابها على وجهها قائلة:
- ما فيش حاجة يا أما جيت أهو.
لم تحرك زهرة ساكنًا، بل ظلت يداها المتشابكتان على حاجز الشرفة تضغطان بخفة على بعضهما البعض، وعيناها تراقبان المشهد بلا تعبير واضح كأنها تمثال حيّ يحمل في ملامحه ألف حكاية لا تُقال، لم تكن زهرة امرأة تتأثر بالعاطفة بل كانت تراها ضعفًا لا يليق بأمثالها، ومع ذلك تلك اللحظة سرقت منها همسة داخلية، ربما كان ذلك الشاب يرى في تلك المرأة شيئًا لم يعد موجودًا في حياتها... أو ربما كان ذلك الحنان الذي غادر أيامها منذ زمن بعيد.
ولكن زهرة لم تدع لأي فكرة عابثة ستجُرها للماضي أن تخترق حصونها، استدارت ببطء وبنظرة باردة تُغلّف وجهها الحاد بينما أقدامها تدب بخطوات هادئة وقوية نحو الداخل، تلك الحكايات الصغيرة التي تحدث تحت هذا السقف لم تكن تعنيها... لكنها تعلم أن كل تفصيله مهما كانت صغيرة، ستُعيد تشكيل خطوط السلطة في هذا البيت، وبيت زهرة لن يقبل المنافسة..
كان الليل يوشك أن ينسحب عن الصحراء، والنجوم تترنح في كبد السماء تراقب ما سيُحاك في النهار القادم، خيام الواقاداب توهجت على ضوء الفجر المتسلل، والنار المشتعلة في موقدٍ دائريٍّ تتراقص ألسنتها مع هبوب الريح، وفي قلب المعسكر اجتمع كبار العشيرة حول جذع نخلة مقطوع اتخذوه مقعدًا، فيما انتشر فرسانهم في أطراف الساحة يشحذون سيوفهم ويجهزون رواحيلهم..جلس الشيخ سالم الواقادابي، كتفاه العريضتان مغطاتان بعباءةٍ من صوف الجِمال، وعيناه المتقدتان كشرر النار تراقبان وجوه رجاله، ملامحه تشهد على حروبٍ قديمة ودماءٍ أُريقت ليبقى اسم الواقاداب عاليًا، رفع صوته الخشن الذي يقطع سكون الفجر:ــ اليوم المجلس سيقام… عسير جايينا بفرضٍ ما فعلناه من قبل.. عروس الدم، والجعافرة بيحسابوا إنّا بنخضع بلا كلمة.ردّ عليه عُبيد، أحد شيوخ الفرع الأصغر، وهو يُقلّب بين يديه مسبحته:ــ والله يا شيخ عمار الدم غالٍ، لكن ترك المجلس يفرض علينا الهوان أوجع، إن وافقنا، نوافق بكرامة بنات الواقاداب ما يروحْنَ خدامات عند الجعافرة، يروحْنَ ملكات، ورافعين روسهن.تقدّم صقر الواقادابي، شاب تشتعل في عينيه شرارة التحدي، يضرب بسيفه على راحته ق
استيقظ يامن فجأة على شعاعٍ باهت يتسلل من بين الستائر الثقيلة، ضرب عينيه فأجفل وكأنه ارتكب خطيئة لا تغتفر..جلس في الفراش متيبسًا، أنفاسه متلاحقة، قلبه يخبط في صدره كطبول حربٍ ضارية، وقف وتقدم نحو ليمد يده إلى النافذة، فالتقطت عيناه وضوح الصباح، الشمس قد ارتفعت، والعالم في الخارج يضج بالحياة، باغته نور النهار ينسكب من بين شقوق الستائر الثقيلة بقوة فتركها وعاد إلى فراشه مشوش الفكر، عيناه تائهتان كمن أُلقي به في زمنٍ لا يعرفه، قلبه ارتجف، وصرخة أمه القديمة تتردّد في داخله:"لا يحق لك أن تستيقظ إلا في الليل… حين ينام أخوك."زفر أنفاسًا مضطربة، وهو يحاول أن يطرد الضوء ويستعيد الظلام، فألقى جسده ثانية على الفراش محاولًا أن يجبر عينيه على الإطباق، أن يعود إلى الظلمة، إلى ليلٍ لم يعد موجودًا إلا داخل قلبهُ وعقله..تقلب، دفن رأسه في الوسادة، غطى أذنيه بيديه، لكن النوم كان يهرب منه كأنه يُعاقبه، وحين أطبق جفنيه بقوة، تسللت إليه الصور كسهامٍ غادرة...تراءت له ملامح أبيه، ذاك الوجه الغائب الذي لم يعرفه إلا في شذرات الذاكرة، ثم انبثق المشهد الأقسى: أخوه التوأم… ممددًا في الغرفة الفاصلة بينهما، كظل
وعلى الجانب الأخر كان حمزة يسير في ممرّ الدور الأول محاولًا أن يستعيد هدوءه بعد اللقاء المربك مع مالك، خطواته كانت متردّدة كأن الأرض صارت أثقل من أن يحملها جسده، وفجأة، يدٌ باردة امتدّت من الظلام، وقبضت على معصمه بقوةٍ مباغتة، فشهق بفزع، ودار بوجهه ليجد فريدة تجرّه خلفها كصيّادةٍ تسحب فريستها..فتح فمه محتجًّا، وصوته خرج متقطّعًا وهو يقاوم قبضتها:– ما الذي تفعلينه؟! أأصبتِ بالجنون؟! مالك… مالك في حجرته! سيشعر بنا يا مجنونة.لكنها لم تلتفت إلى اعتراضه، عيناها تتوهجان ببريقٍ غامض، وابتسامةٌ متشفّية تتلوّى على شفتيها، دفعت الباب الصغير لغرفتها بقوة، وأدخلته معها، ثم أوصدته خلفهما ببطءٍ متعمَّد، كأنها تُحكم فخًّا لن ينجو منه..اقتربت منه بخطواتٍ محسوبة، كتفاها يهتزّان بضحكةٍ مكتومة، ثم قالت بصوتٍ يقطر مكرًا:– لا تخشَ شيئًا… لن يحسّ بشئ على الأقل ليس الآن، يكفيه ما فعلته تلك البائسة التي جلبها إلى هذا القصر… لقد مزّقت صلابته وأفقدته اتزانه.جفّ حلق حمزة، وعيناه تراقبانها في ريبةٍ مشوبة بالرعب، وهو يقول لها بصوتٍ حاد:– ماذا تقصدين؟! ماذا فعلتِ؟!ضحكت ضحكة قصيرة، ثم أمالت رأسها جانبًا، تن
تململ مالك بجسده وهو لا يريد منها أن تبتعد عنه بأي ثمن، كانت حدقتاه تشتعلان غضبًا مكتومًا، كمن انتُزع من لحظة خلاصٍ كان على بُعد أنفاسٍ منها، الطرق تكرر مرةً أخرى، أكثر إصرارًا، كأن القادم خلف الباب لن يرحل قبل أن يحطّم كل جدارٍ بينه وبين الداخل..كانت أنفاسهما تتقاطع في صمتٍ متوتر، واللحظة التي كانت على وشك أن تكشف المستور تبعثرت وتلاشت كحلمٍ استيقظ صاحبه قبل اكتماله...قام مالك من الفراش واندفع نحو الباب بخطواتٍ كانت تُحدث صدىً في صدر الأرض من تحته، قبضته انعقدت على المقبض بقوةٍ تنذر بالانفجار، وما إن فتح حتى بدا كأن الباب يُنتزع من مفاصله لا يُفتح فحسب..في العتبة ظهر معاذ، وجهه محمّل بارتباكٍ وقلق، عيناه لا تكفان عن المسير بين أخته التي وقفت مذعورة وزوجها الذي يتأجج غضبًا..قال معاذ بصوتٍ متقطعٍ يسبق أنفاسه:- ملك… هل أنت بخير؟لم ينتظر ردًّا، بل اندفع إلى الداخل كما يندفع منقذٌ إلى بيتٍ يشتعل، وأطبق ذراعيه على أخته، جاذبًا إياها إلى صدره، تمايل جسدها المرتجف بين ذراعيه كغصنٍ هشٍّ نالته الريح، فيما كانت عيناها تائهتين، لا تعرفان إلى أي وجهٍ تستقران: وجه أخٍ جاء مسرعًا يحمل القلق ف





