Beranda / الرومانسية / رجال الله / في مواجهة شاهين

Share

في مواجهة شاهين

last update Tanggal publikasi: 2026-06-09 06:05:16

جلس شاهين في غرفته، والأرض تحت قدميه تضيق كما لو كانت قفصًا يُطبق على صدره، كان يدور حول نفسه كذئب حُشر في مصيدة، يداه مشدودتان خلف ظهره، وعيناه زائغتان بين الجدار والسقف والأرضية، وكل كل ركنٍ من تلك الغرفة يطارده بسؤالٍ لا يملك له جوابًا..

عُسير… قد طلب طلباته التي انغرست في قلب شاهين كسكاكين صدئة، مطلبان كلاهما ألعن من الآخر..

أن يُسلّم له عمته، المرأة التي طالما كانت عزيزة مكرمة، مدللة بين آل الجعافرة، لتُلقى في حضن ولده الذي لا يعرف الرحمة، وتذهب لقصرهم كزوجة ثانية بعد أن اعتادت العزة والكرامة… وأن يبيع تجارته، عِرق جبينه، ووجاهته بين الرجال، ذلك الإرث الذي صنع مكانته بينهم..

لكن المال لم يكن يعني شيئًا لشاهين، ولا التجارة بقدر ما كان يعنيه غسق، اسمها وحده كان كفيلًا بأن يحرق ما تبقى من اتزانه، أرادها، ولا شيء سواها..

ولكن بأي ثمن؟

اقترب من النافذة، نظر إلى ظلام الليل الممتد، والريح تضرب النوافذ الزجاجية فتئن وكأنها تعكس أنينه الداخلي، رفع يده ليمسح جبينه المبتل بالعرق، لكنه لم يجد في ملامحه سوى صورة رجلٍ يُساق إلى الهاوية بخطاه هو..

قال لنفسه بصوتٍ مبحوح و صدره يلفظ الكلمات بالقوة:

"أأبيع دمي كي أشتري قلبها؟ أم أذبح عمتي وأسلّمها إلى ذئبٍ ينهشها لتبقى غسق لي؟"

تقلّص قلبه وهو يتخيل وجه عمته، وهي التي لطالما كانت له سندًا وملجأً، كيف سيغدر بها ويرميها في حياةٍ تُشبه القبر؟ وكيف سيقابل نظراتها يومًا لو فعلها؟

جلس على حافة السرير، أسند مرفقيه إلى ركبتيه ودفن رأسه بين كفيه، حتى كاد صراعه الداخلي يمزقه إربًا..

والغريب أن قلبه، رغم كل شيء، ظل ينحاز لغسق، يُذكّره بوجهها، بصوتها، بعيونها التي لا تفارقه، كان يصرخ داخله..

خذها بأي ثمن، ولو احترق كل شيء حولك..

رفع رأسه فجأة، عيناه تلمعان ببريقٍ مضطرب، لقد أدرك الحقيقة التي كان يخشاها.. أنه لم يعد له قلبٌ يُوازن بين الخسائر والمكاسب، لم يعد فيه مكانٌ إلا لغسق..

كل شيء آخر صار أهون عنده… حتى عمته، حتى سمعته، حتى تجارته..

لكن عقله، في تلك اللحظة، راح يهمس له بمرارة:

"حين تبيع قلبك للهوى، فلن يبقى لك شيءٌ لتفديه به."

لم يكد شاهين يُكمل دورانه في الغرفة حتى سمع وقع خطواتٍ هادئة تقترب، ثم انفتحت الباب بخفة، ودخلت ورد، وجهها شاحب لكن عينيها متقدتان كمن اتخذت قرارًا لا رجعة فيه، توقفت عند العتبة للحظة، تتأمل ملامحه المضطربة، ثم تقدمت نحوه بخطوات بطيئة، كانت تحمل في تلك الخطوات مُر السنين كلها في حلقها..

قالت بصوتٍ خافت لكنه ثابت:

ـ أدري إنك ما نمت يا شاهين.

رفع رأسه إليها، وفي عينيه بقايا صراعٍ مرير، لكنه لم ينبس بكلمة، حتى جلست ورد بقربه وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتابع، كمن يبوح بسرٍ دفين:

ـ أبيك تعرف شي مهم… إني يوم قلت لجدك إني راضية بالزواج من مبارك، كنت أعني هذه الكلمة.

حدّق فيها شاهين بدهشةٍ لم يُحسن إخفاءها، فقالت وهي تُشيح ببصرها عنه، وكأنها تغوص في ذكريات بعيدة:

ـ يمكن أول مرة أقول هالحكي لحد… أنا من يوم ما أبوي جعفر رد مبارك ورفض يخطبني له، حرّمت قلبي على أي رجال، أنا ما حبيت غيره… ولا رغبت بغيره.

ارتجف صوتها وهي تستحضر الماضي:

ـ يوم من الأيام، كنت بالسوق، والزحمة ما لها أول من تالي، فجأة، نِشب خلاف بين رجال من القبيلتين، وارتفعت الأصوات، والسيوف طالعة من أغمادها، والدنيا كلها قلبت نار..

أنا كنت وسط النسوة، وغلطت خطوتي، واندفعت وسط الجمع، حسّيت إن الموت جاي صوب وجهي..

لكن… قبل لا تطيح عليّ يد ولا يجرحني حد، لقيت مبارك واقف قدّامي مثل الجبل، مد ذراعه، وحطّني وراه، وصوته هدر في السوق:

'عيب عليكم، الحريم ما لهن ذنب بخلافكم! اللي يقرب منهن يقرب مني أنا مبارك!'

قسم بالله يا شاهين، لحظتها كل الرجال سكتوا، حتى اللي رافع سيفه نزّله، صوته كان له هيبة، وعينه تبرق نار..

أنا من يومها… ما عاد شفت غيره، يوم وقف درع قدامي، حسّيت إن ربي ساق لي رجل يحميني بروحه قبل سيفه، ومن بعدها لما جاه وتقدّم لي بالحلال، أبوي سدّ الباب وقال لا... بس أنا… من يومها أغلقت باب قلبي بوجه كل رجّال بعده.

رفعت عينيها إلى شاهين، وفيهما دموع تتلألأ كالخناجر:

ـ واليوم… عقب كل هالسنين، الله كاتب لي أكون له، حتى لو كنت زوجة ثانية، صدّقني يا شاهين… أنا راضية وفرحانة، وما أبيك تسوي بغسق اللي جدك سواه فيني، لا تخلّيها تنكسر مثل ما انكسرت أنا.

تساقطت كلماتها عليه كسياطٍ تمزق صدره وهو يستمع لاعتراف عمته الثقيل عليه، فهو في النهاية رجُلٍ ذو نزعة قوية رغم محاولته لثقل تلك الغيرة على كل ما يخصه في سنوات غربته عن تلك القرية وتعليمه في وسط متحرر نوعًا ما، للحظةٍ شعر أن الغرفة لا تسع أنفاسه، وتلك الجدران تقترب حتى تلتصق به، كان ينظر إلى ورد بعينين متوهجتين، يقرأ في ملامحها وجعًا دفينًا لم يكن يعرفه، وحبًا عتيقًا قاوم السنين ليظل مشتعلاً حتى هذه اللحظة..

كانت ورد تتطلع إليه بثقة أن اعترافها رغم ثِقله إلا أنه سيتفهم مشاعرها وخاصة أنها لم تبح له أنها كانت تقابل مبارك بعد تلك الحادثة مرارًا بعدما عشقها هو الأخر..

ظل الأثنان صامتان وكلٌ منهما يواجه صراعه الخاص

حتى ارتفع فجأة في صمت الليل صوتٌ مهيب، زئيرٌ اخترق جدران القصر كبرقٍ انشق عن قلب السماء، النمر… نمر غسق، ذلك الحيوان الذي لا يطلق صوته إلا حين تكون صاحبته قريبة، شهقت ورد وارتعش جسدها، ووضعت يدها على صدرها كأن قلبها سيسقط من مكانه، وقالت بارتباكٍ مرتجف:

ــ شاهين… هادا صوت نمر! يا ساتر.

تغير وجه شاهين لحظة، ثم تحركت نظراته بحدة صوب النافذة وعينيه تتلمسان الظلام ليخترقا حجب الليل كي يراها، ولكن العتمة منعت رؤيتها عنه تمامًا، تنفّس ببطء رغم شعوره القوي أن الدم يغلي في عروقه بسبب جدها، رغم ذلك فقد انتفضت كل خلية في جسده استعدادًا لمقابلتها، التفت إلى عمته بصوتٍ هادئ لكنه يحمل صلابة لا تحتمل نقاشًا:

ــ لا تخافين يا عمّه… روحي لجناحك واطمئني، وغلاك عندي ما يضيع، واللي طلبتيه بيصير، وبتصيرين حرم مبارك مثل ما ودّك.

توقفت ورد في مكانها، بين الفرح الممزوج بالخوف، تتأمل ملامحه التي اشتدت كجلمود صخر، لا يظهر فيها أثر للرهبة، بينما كان هو يخطو بخطواتٍ واسعة، يتجه نحو الباب، مد يده، وقبض على مقبضه بقوة، ثم خرج تاركًا خلفه ريحًا مشحونةً بالعزم..

في البهو الكبير، كانت أصداء الزئير لا تزال تتردد، كأنها تدلّه على الطريق، أسرع نحو الإسطبل، والليل يفتح له ذراعيه كعتمةٍ تحتضن سرًا خطيرًا، الخيل هناك ارتجفت ورفست الأرض بحوافرها، تستشعر وجود الوحش في القرب..

تقدم شاهين نحو حصانه الأسود، مسح على عنقه كأنه يطلب منه الولاء في معركةٍ وشيكة، وهمس له بصوتٍ جازم:

ــ يلا يا رعد… الليلة غير، واللي ينتظرنا ما هو سهل.

قفز على ظهره بحركةٍ خاطفة، وانطلق كالسهم خارج أسوار القصر، الريح تصفع وجهه، وصوت النمر يزداد وضوحًا، يقترب أكثر فأكثر، حتى صار كأنه يملأ الليل كله، عيناه تلمعان تحت وهج القمر، لا تعرفان ترددًا، ولا ترى إلا هدفًا واحدًا..

الوصول إلى غسق، وفكّ هذا الطوق المميت الذي يطبق على صدره منذ بدأت تلك اللعبة المُقيتة..

سمعت غسق صهيل فرسه فتقدّمت نحوه بخطواتٍ غاضبةٍ، والليلُ من حولها يتثاقل عليها في اختبار طويل لصبرها، بينما الريحُ من حولها تحمل رائحة الرمال المشتعلة بالدماء القديمة بين القبيلتين، كان شاهين واقفًا عند حافة الصخرة، يحدّق في البعيد حيث يمتدّ وادي الدم بين ديار الجعافرة والواقاداب، وصدى النمر ما زال يرنّ في أذنه كنداءٍ خفيٍّ من قلب الصحراء..

اقتربت غسق، والوهج في عينيها يشبه جمرًا لم ينطفئ، وما إن صارت خلفه حتى هتفت بصوتٍ متزلزلٍ من الغضب:

ــ شاهين!

التفت إليها ببطء، والبرود في نظرته كان يختبرها هي الأخرى، فاجأته حين مدّت يدها فضربته على صدره دفعةً واحدةً، بكل ما بقي فيها من وجع وهي تحذره بحنقٍ شديد:

ــ لا تدخل أمي في حربكم، لا دخل لها ولا للعسيرات في دمّكم يا شاهين!

ظلّ واقفًا صامتًا لحظةً، ينظر إليها، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ فيه نبرة أمرٍ لا جدال فيها:

ــ اهدَي يا غسق، ما تعرفين وش اللي تقولينه.

لكنها لم تهدأ، اقتربت أكثر، حتى صارت ملامحها ترتجف من شدّة الغضب:

ــ أنا عارفة وش أقول، واللي لازم تسويه واضح! ترفض طلب جدي وتروح تقدّم كفنك لعيلة الواقاداب، أو تخلي بحور الدم تفيض وتغرقنا كلنا! كفاية عنادك، وخلّ العسيرات بعيد عن معادلتك، ما لهم ذنب ولا في رقبتهم دم!

قطّب حاجبيه، وعيناه تشعّان كبريق السيوف في الظلام:

ــ انتي اتجننتي يا غسق؟ تبغيني أنا؟ شاهين ولد الجعافرة؟ أقدّم كفني؟ على واقاداب؟

صرخت به وهي ترتجف:

ــ نعم، لو فيك شهامة زي ما تزعم! خلّي الحرب توقف قبل ما تاكل أرواحٍ ما لها ذنب!

اقترب منها خطوة، حتى صار بينهما نفسٌ واحد، وقال بصوتٍ غليظٍ يقطّع الهواء بينهما:

ــ اسمعيني زين، روحي لجدّك، خليه هو اللي يتراجع، خليه يبعدنا عن دمٍ ما له معنى، أنا ما جيت لحرب، لكن إن حشر نفسه بينّا وبين الواقاداب… والله ما أرحم.

نظرت إليه غسق بعينين تمتلئان بمرارة الخذلان، والدمعة تتشبّث بأهدابها تخشى السقوط أمامه وهي تقول له:

ــ كنت أظنّك فارس يا شاهين، بس طلعت واحد مثلهم… ما تفكر إلا بثأرٍ ما يخلص.

ولم تنتظر جوابه، دارت عنه كمن تسحب ظلّها من النور، وسارت عائدة نحو الوادي، فيما ظلّ هو واقفًا مكانه، يحدّق في خطّ الرمال المتماوجة تحت القمر بعد رحيلها..

ريحُ الليل صفّرت بين الصخور، والنمر عاود زئيره البعيد، وتلك الصحراء بوسعها تعلن أن الحرب اقتربت… وأن الصلح صار حلمًا لا مكان له في صدورٍ امتلأت بالغبار والنار.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • رجال الله   في مواجهة شاهين

    جلس شاهين في غرفته، والأرض تحت قدميه تضيق كما لو كانت قفصًا يُطبق على صدره، كان يدور حول نفسه كذئب حُشر في مصيدة، يداه مشدودتان خلف ظهره، وعيناه زائغتان بين الجدار والسقف والأرضية، وكل كل ركنٍ من تلك الغرفة يطارده بسؤالٍ لا يملك له جوابًا..عُسير… قد طلب طلباته التي انغرست في قلب شاهين كسكاكين صدئة، مطلبان كلاهما ألعن من الآخر..أن يُسلّم له عمته، المرأة التي طالما كانت عزيزة مكرمة، مدللة بين آل الجعافرة، لتُلقى في حضن ولده الذي لا يعرف الرحمة، وتذهب لقصرهم كزوجة ثانية بعد أن اعتادت العزة والكرامة… وأن يبيع تجارته، عِرق جبينه، ووجاهته بين الرجال، ذلك الإرث الذي صنع مكانته بينهم..لكن المال لم يكن يعني شيئًا لشاهين، ولا التجارة بقدر ما كان يعنيه غسق، اسمها وحده كان كفيلًا بأن يحرق ما تبقى من اتزانه، أرادها، ولا شيء سواها..ولكن بأي ثمن؟اقترب من النافذة، نظر إلى ظلام الليل الممتد، والريح تضرب النوافذ الزجاجية فتئن وكأنها تعكس أنينه الداخلي، رفع يده ليمسح جبينه المبتل بالعرق، لكنه لم يجد في ملامحه سوى صورة رجلٍ يُساق إلى الهاوية بخطاه هو..قال لنفسه بصوتٍ

  • رجال الله   اغتصاب الروح

    حينها فقط أدركت الكارثة…أن ما سُلب منها لم يكن جسدها وحده؛ بل روحها، واسمها، ومكانتها في مجتمعٍ يتقن جلد الضحية ويغضّ الطرف عن الجاني، أحسّت أن الموت أقرب إليها من أي شيء آخر، وأن العار سيقتلها قبل أن تفعل أي يد بشرية..ارتجفت أصابعها وهي تزحف على التراب مثل طفلةٍ تحبو في عتمةٍ باردة، حتى وصلت إلى حقيبتها المرمية قرب الجدار، مدّت يدها المرتعشة تفتّش عنها وكأنها تبحث عن طوق نجاةٍ وسط غرقٍ لا ينتهي، وجدت الهاتف الصغير مطمورًا بين أشيائها، فانتشلته بيدٍ مرتجفة، واهتزّ قلبها حين رأت شاشته تومض بعشر مكالمات فائتة من "تولاي" شقيقتها و نصفها الآخر، ظلّها الذي لا يفارقها.لم يكن في حلقها صوتٌ لتردّ به، لكن أصابعها ضغطت زر الإجابة، أتى صوت تولاي على الطرف الآخر، متسارعًا، مرتجفًا، متقطّعًا بأسئلةٍ متلاحقة لا تنتهي، لكن ضي لم تستطع أن تنطق، تحرّكت شفتاها ولم يخرج سوى هواءٍ خافت، أنينٌ مبحوح لا يشبه الكلام، سقط الهاتف من يدها وهي ترتجف كالقصبة في مهبّ الريح، وانهارت على الأرض تبكي بصمتٍ يقطع نياط القلب، صمتٌ أقسى من أي صراخ..رفعت الهاتف مرةً أخرى بأصابعٍ مرتعشة، وكتبت لتو

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status